( قامات فكرية وإبداعية سامقة )

 

أنا جذل بصدور كتابي”قامات فكرية وإبداعية سامقة” وموقن أن الكتاب الرصين ماتع للعقل والروح وصديق وفي للإنسان وعشير كريم ، يعمل على تنوير مضائق الأذهان ويغير جغرافية العقل ويتمتع بقدرة على الإثارة والدهشة والتساؤلات الفطنة وتظل أحرفه لامعة في جبين الدهر.

لمعت في ذهني فكرة هذا الكتاب عندما رأيت الانهيار في الفضاء العمومي وتراجع دور الفكر والكلمة الشريفة في تشكيل الوعي المجتمعي , وتسيد الجهل والتعصب والشعارات الملتهبة الفضفاضة التي تغيب العقل وتشحن العواطف بالضغائن والحقد بصيغ غامضة وملتبسة وبظلام مطلسم ، وما زاد الطين بلة , عُســر الحياة المعيشية للمجتمع وانهيار مؤسسات الدولة وصعود الإرهاب الفكري والمادي بهستيريا متشنجة مصحوباً بعنف الغوغاء ورطانة الماكرين وتجذر عبثية الفوضى وانكسار الوعي التنويري لصالح أهل الفسفسة والأصوات الصاخبة وأصحاب المواهب المهلهلة لحجب وإخراس أصوات المبدعين الذين ينيرون العقل ويغذون الوجدان بإبداعاتهم وسعة اطلاعهم وقدرتهم الثاقبة على البصر والإبصار لنهضة العقول وتنمية الوعي .

في غميس النصوص يستطيع القارىء اللبيب المتعطش للمعرفة أن يلم بقسمات الفكر التنويري للأستاذ/ محمد علي لقمان(1889-1966م)،الذي صرف كنون اهتمامه في ترقية العقل ووضع أسس مداميك التنوير في التراب الوطني لملاحقة الركب الإنساني ولتحريك النفوس وتوجيه العقول في عزة ظهيرة حياته الثقافية والتنويرية.

فالأستاذ/محمد علي لقمان قامة سامقة في الثقافة والانفتاح ، طازج الوعي والبصيرة له باع طويل في الكتابة الصحفية والإبداعية ، وله فضل محمود في غرس شتلات النهضة ، وأحدث قفزة ظافرة في حياتنا الثقافية والتنويرية مع ثلة من العقلأ الأحرار والمتنورين .
عاش حياة قلقة جميلة الجرس وعالية اللذة فيها سلسلة من الاقتحامات وفي صفحات منها مؤلمة وبغيضة محفوفة بالشقاء والخطوب .

وفي نفس المسرب سيجد القارئ بين ثنايا النص “قراءة سوسيولوجية في خطاب النعمان التنويري”، فالأستاذ/أحمد محمد نعمان(1909-1996م) شخصية متنورة يمكن قراءتها على غير وجه وسنتعسف التاريخ لو نظرنا لها بمنظار اليوم غير مكترثين بالظروف التاريخية التي عاشها وبالمشقات التي كابدها والمرارات التي لعقها ، لقد حمل فأس التغيير لتهشيم هامة التخلف وتعرض للسجن والذل والمهانة والجور وفي غير مرة كان بينه وبين الموت شعرة معاوية ونجا بأعجوبة من مقصلة الجلاد وطار بلا أجنحة في سماء الحرية يشد لها ويترقب انبلاج فجر السعادة والنماء والانصاف .

وبعد القراءة المتبصرة للنصوص التنويرية للمفكرين : محمد علي لقمان وأحمد محمد نعمان في الفصل الأول ، نلج في تجاويف الفصل الثاني ونركز عدسة الضؤ على شاعرين مرموقين هما : الشاعر/لطفي جعفر أمان ، والشاعر/عبدالرحمن فخري ،والقاص/أحمد محفوظ عمر .

الشاعر/لطفي جعفر أمان (1928-1971م) ، مكين في فنه الشعري وفارس من فرسان الشعر وجهابذته تلمع الموهبة من بين أصابعه، يتميز بعقل مبدع وثقافة واسعة الآفاق وبحياة معجونة بالتوتر والدهشة وجمال التمرد والتقلب بين حــدي الكآبة والحبور وبقلق إبداعي نجيب وبوجع لا ينطفئ فيه سحر الشعر ونضارة الأدب ، فهو سعيد بانتمائه إلى مملكة الشعر ويحمل في أحشائه أخاديد عميقة من الحزن وإشراقات الروح وشهقات العشق وروح التصوف ورعشة التساؤل وقوة الطاقة الشعرية .

لقد قدمنا قراءة مغايرة للشاعر لطفي جعفر أمان ، ليس من زاوية شعرية وفنية بحثة ،وإنما من زاوية اجتماعية – نفسية تجعل مساهمتنا ضرباً من التحدي الضخم .

كان مركز اهتمامنا تقديم قراءة لسوسيولوجيا العاطفة والإبداع الشعري عند الشاعر لطفي جعفر أمان ،وتم الإجابة على التساؤلات التالية :-

1- ما تأثير التنشئة الاجتماعية والفضاء الثقافي العمومي على موهبة الشاعر لطفي
جعفر أمان ؟
2- هل ثــمة ذكاء عاطفي عند الشاعر لطفي جعفر أمان ؟
3- ما مفردات سوسيولوجيا الإبداع الشعري عند لطفي جعفر أمان ؟

ثم نمــد دائرة البصر إلى الشاعر / عبد الرحمن فخري ( 1937-2016م ) ، الذي يمثل مدرسة الحــداثة في القصيدة النثرية اليمنية ، فهو صاحب صوت شعري ونقدي ثري ، قليل الإنتاج عميق ورصين بشعره ونقــده وبصهيل حروفه وهديل كلماته .

كنت أشغف كل الشغف بشعره ، فهو بارع في فن مهارة إلقاء الشـعر بصوته الجهوري الذي يعطي إيقاعات سحرية لذيذة للشعر بحس مرهف ووجدان ذكي وانسيابية صوته الجليل الذي يرتفع وينخفض ويتحول فجأة إلى الرقة والنعومة تبعاً لما يقتضيه النص الشعري وتكنيك الإلقاء مرفوق بلغة الجــسد وجلال المظهر ودقة التعبير الشفهي والجمالي لتصل القصيدة الشعرية لذروة الجمال .

ولا أنسى ان أنوه ، أنه في الفصل الثاني أيضاً نطل على إبداعات القاص أحمد محفوظ عمر ( من مواليد 1936م ) ، الذي يخــط أفكاره في مساحة صمت ثم نقدم مشاهداً بانوراميه قصصية للقاص أحمد محفوظ عمر ، فهذا القاص له قدم راسخ وضرس قاطع في القصة القصيرة ، يعيش هادئاً بعيداً عن الطنطنة الإعلامية والتمظهرات الخارجية وتلميع الوجه ، ومتشبع بثقافة الصمت والإصغاء للآخرين

ومعجون بالمعاناة والآلام ، يسكب أحاسيسه في المناطق القصية من المشاعر الإنسانية مترعاً بالحب والوفاء والعفة والشموخ .

إنه يكتب ويكتب ويمشي فوق صفيح ساخن في أجواء الانكسار شديد الولع بطقوس الكتابة الإبداعية مشغوف بالتوحد والذوبان في تضاريس وتعرجات البيئة المحلية ، فله باع طويل في الكتابة القصصية وقسمات ينفرد بها عن غيره من كتاب القصة والرواية اليمنية .

أما الفصل الثالث فهو مكرس لاستعراض مكانة صحيفة ” الأيام” العــدنية في الفضاء الإعلامي وتأثيرها الكاسح في الرأي العام ومحاربة وحجب ومصادرة صحيفة ” الأيام ” من قبل السلطة .

من يزور الرزميت ( كريتر – عــدن ) ، سيرى مبنى مؤسسة الأيام قاعداً فوق كرسي الهــدوء ومشوهاً بالرصاصات وآثار العـدوان شاخصة أوضح من الشمس في رابعة النهار، ومثل ما تم الاعتـداء بوحشية على صحيفة الأيام ، يتم الاعتداء بهمجية على مدينة عـدن ، حيث أدموا جسد هذه المدينة بتحرشات أليمة تفرض الظلمة على كل شيء ، فطمروا البحر وابتلعوا الرمل وزرعوا الشوك وخدشوا روح المدينة في الصميم وأهانوا قاطنيها وأسيء معاملة البشر حتى صاروا على حافة البكاء يعيشون في دوامة من العـذاب .

هذه مطالعة سريعة لأهـم قسمات كتابي الموسوم بــ” قامات فكرية وإبداعية سامقة ” والبالغ عـدد صفحاته214 صفحة .

لا تعليقات

اترك رد