ذات نحيب…إلى أبي

 
الصدى - ذات نحيب...إلى أبي
لوحة للفنانة شكران بلال

صرتُ أعرف تقريبًا متى أراك، مواعيدي معك صارت أغلبها موجعة رغم عذب البدايات.. دعهم يحسبوني أسبح في خيال أنسجه، حسبي أنك تعلم أنه حقيقة وأني صادقة الكلم

حين أغمضت عيني ذات نحيب وقد لفتني أحاسيس الجور والوحشة بعباءة مظلمة حتى خنق دعائي واختنقت عبراتي بالنداء إليك وكل ظني أنك لم تسمع، فغفوت والدعاء معلّق بين الأرض والسماء ونداءاتي مسوّرة بالظُلمة الموحشة وجدتُك. التفتُّ ذات اليمين وذات اليسار في ذهول، فكيف في لحظة جلستُ قبالتك على طاولة خشبية وكراسي مترنحة وقد علا صريرها تحت وقع ثقلنا ولربـما ثقل همومنا!

ما هذا المكان؟ أين أنا؟ ومن هؤلاء الذين يجلسون على طاولات مشابهة لطاولتنا وكراسي مشابهة وصرير مشابه تحت وقع ثقل الهموم والغريب أنك كنت تستطرد حديثًا كأني بدأته معك منذ لا أعلم كم من الدقائق، كأن أحدًا أسقطني وسط مشهد دون أن اعرف كيف ابتدأ المشهد لأعرف كيف أنهيه!

وعدت استمع إليك فقلت

نسيت، كل ما أذكره أنك قلت لي بأنك أيضًا قد أخطأت، سقطت، نهضت، فشلت، نجحت، خُذِلت، خنق صوت الحق عنك وظلِمت. كان في صوتك حزن واعتذار لنا كونك لم تكن كما تتمنى أن تكون لنا فأمسكتُ يدك وظني أنك تواسي وجعي فقلت لك

* لا تقل هذا .. فما فعلته كلـه كان في نيّة أن يصب في مصلحتنا، لا تقلل مما فعلته فقط لتشعرني إن ما يحصل معي أمر عادي

ولا أعرف كيف انتهى هذا المشهد، إلا أني اذكر انك أخذتني لأتطلع على المكان فإذا به يعج بالناس، الرائحين والعائدين. كنتُ أتطلع في كل اتجاه كأنه عالم آخر غير العالم الذي اسكن فيه، قد تألف من بنايات هائلة ذات طوابق عديدة رمادية متضخمة بالسكان، لكن من هم؟ ولِـمَ أنت معهم؟ ولِمَ أنا هنا؟ كنت أتفرج وكلّ نظراتي تساؤلات. وأنت.. كأنك تسكن المكان منذ زمن بدوت مرتاحًا لا تعاني فيه من شيء إلا فقدنا، كنت مرحًا تمزح معي آخذًا بيدي كأنك تريد التفاخر بي أمام البقية.

في الحقيقة كنتُ أريد أن اختلي بك فأعتصرك احتضانًا وأجهش في بكاء طويل ونحيب حتى اشبع وحتى افرغ حقائبي الموجعة لديك وأرحل حيث لا أدري، رغم هذا كنت مرتاحة وقد احتضن كفك كفي تشدني حيثما تذهب ورائحتك التي أميّزها تداعب أنفي ووجودك يغمرني، إذن أنا معك من جديد!

وحان وقت الرحيل.. ولم يكن موجعًا ككل مرة أو هكذا ظننت فعندما تركتك هناك في ذلك الطابق العلوي في طريقي لبوابة الخروج كان عندي إحساس بالعودة! أو أني ألفت المكان… وجدتُ سيدة استقبلتني بحفاوة بشوشة الوجه ضخمة وفي تلك اللحظة كنت كأني قد عرفتها فقلت لها باستغراب وفرح غامر

* إذن أنتِ هنا؟ والكثير قد سأل عنكِ

فكأنها كانت ضائعة ولا يعرف ذويها أراضيها، وكأني قد عرفت أراضيها آنذاك! ومشيت فوجدتُ وفدًا ينوي الخروج ومن ضمنهم صديقة لي فوجدتهم يتحدثون عن صعوبة الخروج وقد مدّوا إليّ نوع من اللبان المر وقد علموا أني أزور المكان لأول مرة فسألوني سؤال ساذج ولربما مضحك والأصح أنه محرج

* هل تبوّلتي؟

فشرحوا لي أننا سندخل في دوامة واعتصار هائل وظلمة موجعة لنخرج من هنا!

غريب غريب غريب، أين أنا بالضبط؟ لم أكن املك وقتًا لأفهم أو لاستفسر فقد استعجلوني وكنت أتحجج بأنك في الطابق السابع الذي قد يأخذ مني وقتًا للصعود والنزول وهكذا عاندتُ ولم استمع لنصائحهم وندمت فيما بعد…

فلم أكن أعلم أن الخروج صعب لهذه الدرجة وأنـه انسلاخ من عالم لآخر! حينذاك فهمت أين أنت أو هكذا تهيأ لي، أظنك يا أيها الغالي أنت في عالم وسطي بين عالمي وما وعد به الله العباد. فليست هذه الجنة ولم يكن الجحيم ولم تكن المقابر أيضًا بل كان كأنه محطة مؤقتة لكم، لربما لكل من توفي وبطريقة ما ولربـما بمكرمة ما عرفتُ الطريق إليك

كما في أفلام الكارتون كأبطال الديجتال أو سنبل! ولم يكن حلمًا فهل كانت رؤيا؟ لستُ أدري. ولم تلبث الساعات أن تمر حتى رحت أشد الرحال لأكون عندك من جديد وقد شدني الشوق ولو تعلم كم يشدني الشوق إليك. أحببت أن استغل هذه المكرمة واستغل معرفتي الدروب التي توصلني إليك وهذه المرة سأعرف كيف ستكون البداية

فسرت في شارع مقفر عريض رمادي كلما تقدمت إليه أجدني ارتفع عن الأرض وأقدامي تسير في الهواء حتى وقفت أمام بوابة هائلة وقد وقف أمامها حارس أراد أن يتأكد من عدم حملي لأي جهاز كجوّال! أو كاميرا! فأوجس لديّ شيء فأمرني بلطف أن استخرجه. ما أن أخرجته حتى تفاجأتُ أنه جهاز غريب كأنه جهاز اتصال لا أعرف كيف وصل إليّ والغريب انه سمح لي بإدخاله معي. المضحك أني اكتشفت أن أسمي قد أدرج ضمن الزوار وصار من المسموح أن احمل معي جهاز الاتصال الغريب هذا! لأتصل فيك

وأخذتني الدوامة من جديد وقد اعتصرتني حتى ظننت أن روحي أزهقت حتى وصلت عالمك فوجدته أكثر ضجيجًا وأكثر تضخما بالسكان فضعت مني ورحت اضرب الأرقام عشوائيًا علّي أجد رقمك ولم أفلح ورحتُ ابحث عنك بين أوجه الناس فلم أجدك. ورنّ منبّهي للصلاة وأناس يدفعونني إلى البوابة وأنا أتوسلهم كي أجدك ولم أجدك

فسقطت لأجدني في سريري يعتصرني الوجع. هل ما رأيته حقيقة؟ أضغاث أحلام، رؤيا! لستُ أدري. أنت في الطابق السابع من ماذا؟ ومن تلك السيدة التي رأيتها؟ هل تريد مني أن أدل أهلها عليها؟ لستُ أدري، كل ما أعرفه أني كلما اشتدت حاجتي إليك وجدتُك في حلمي تعود كأنك لم تمت، إلا أنها المرة الأولى التي تنتقل في أحلامي لعالم آخر!

المقال السابقدور الاعلام في المجتمع التونسي…….
المقال التالىماذا حصل في الخضراء ؟!!
حنين محمد عبد الرحمن حيال.. مواليد 1984 بغداد / الكرخ.. بكالوريوس هندسة كيمياوي، بكالوريوس آداب/ ترجمة.. انشأت في عمر 11 سنة مجلة السعادة بعددين من أوراق دفتري وألواني البسيطة وعدد ثالث لم يكتب له النور ولازالت أوراقه مبعثرة في الدر.. لها عدة مقالات في صحف عربية وعراقية.. منحت شهادة تقدير في مسابقة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد