الفن بين الاحساس والشكل والمهارة ج5

 

الشكل والأرضية:
الشكل:
إن كل شكل طبيعي أو فني يرتبط بمعنى، وأي جسم يتميز بصفة خاصة أو بذاتية نتيجة لكيانه الشكلي وبفضل هذا يمكن التعرف عليه ويزداد التعرف عمقاً كلما كان هذا الكيان مزيداً وعميقاً. ويمثل الشكل المضمون الرئيس المراد التعبير عنه وهو الأمامية المتعددة للوجه ولكي يحتل مكان الصدارة لابد من نصاعة في اللون ووفرة في التفاصيل، وهو الشيء الذى يتضمن بعض التنظيم فإذا لم يكن الشكل معروف فإننا نطلق عليه لا شكل له ونعني انه بالشكل الجيد ويكون من الصعب إدراكه كشيء معين نظراً لأنه مخالف للنظام (أكادمية التصميم الرقمي، ص1، النت).

من ذلك نستنتج بان الاشكال الطبيعية والفنية التي تنجز بأيدي فنانين لا بد ان يكون هنالك عمق منظوري وتاملي فيه تفاصيل منظمة، تتكامل اهمية التأمل والتوقف عندما تتوافر باثاتها اللونية المتنوعة والمجلبة للانتباه بمفردات ووحدات متناسقة ومتكاملة وحتى الترتيب العشوائي لمفردات الطبيعة تمنح المشاهد الخروج من جوانب التكرار الرتيب لحركات التفاصيل كالاشجار والغيوم وغيرها.

الأرضية:
الجو الملاءم الذي يتناسب مع الشكل والذي في كنفه يبرز هذا الشكل ويأخذ معالمه ويؤدي رسالته ولا يجد بها أن تتسم بنفس صفات الشكل وإلا أثرت علي كيانه وأضعفت من قوته وبدأت رسالته ولذلك يتحتم أن تكون خافته – قليلة أو معتمة التفاصيل باهته وقاتمة لتخدم طبيعة الشكل وتبرز متوازنة فلا تجذب الانتباه في الخطة الأولي للرؤية بل تفسر علي أن تكون الرؤية الفنية للشكل أولاً، فمنها الموضوع الأساسي للتصميم.

إن الشكل هو العنصر الأساسى فى العمل الفنى، أما الحيز الذى يحيط بهذا الشكل فهو الأرضية وقد نشير إليهما أحياناً على أنهما المساحات الايجابية والسلبية على التوالى والشكل هو الجزء الهام الذى يختلف فى صفاته المرئية على الأرضية والذى يثير الاهتمام ويعنى به الفنان عناية كبيرة من حيث الحجم والنسبة واللون ويلاحظ أن الفنان ينشىء عن ابتكار الشكل نفسه فراغات داخلية تمثل الأرضية أو الهيئة السلبية وهى ذات تأثير هام فى إبراز قيمة الشكل وتأكيده ولذا يجب على الفنان أن يعنى بالأرضية سواء كانت حول الشكل أو كانت ناشئة بداخله بنفس القدر الذى يعنى به الشكل أو المساحات الايجابية وأن يوجد بينهما علاقة قوية بحيث يعطى للأرضية ما للشكل من قيمة جمالية.

وقد يتبادل الشكل والأرضية مواقعهما وأهميتهما فتارة تظل المساحة الايجابية تمثل الشكل وتارة تصبح السلبية هى الشكل وتصبح الايجابية هى الأرضية كما فى أعمال إيشر إن التباين بين الشكل والأرضية ضرورية لرؤية هيئات الأشكال ولكن فى شكل مركب فقد يكون لكل سطح قيمته كشكل أو كأرضية بالنسبة للشخص الموجود أمامه فى حين أن مجموعة الأشجار تمثل أرضية بالنسبة للأشجار أو الجبال والأرضية فى كثير من الأحيان تكون أكبر من الشكل وهى عادة أكثر منه بساطة ويدركها الرائى على أنها مسطح أو فراغ بينما يدرك الشكل دائماً فوق الأرضية أو أمامها. العمل الفني التشكيلي له وحدته التي تعتمد علي صياغة عناصر كثيرة والتأليف بينهما ولعل تلك العناصر هي الشكل والأرضية فالشكل يبرز إلي الأمام والأرضية تتواري إلي الخلف والشكل يمثل المضمون الرئيس المراد التعبير عنه في حين أن الأرضية تمثل الجو الملائم الذي يتناسب مع الشكل والشكل هو الأمامية المتصدرة للوحة ولكي يحتل مكان الصدارة لابد له من نصاعة اللون ووفرة في التفاصيل وتأكيد علي التعبير بينما الأرضية – بحكم وضعها كأرضية لا بجدر بها أن تتسم بنفس صفات الشكل وإلا أثرت على كيانها. لذلك فإن الأرضية يتحتم أن تكون حافة قليل أو منعدمة التفاصيل باهتة أو قاتمة لتخدم طبيعة الشكل وتبرزه، والشكل والأرضية هي أساس كل عبارات التركيب والإنشاء في التكوين أو التصميم وتشير إليها أحياناً إلى أن الشكل هو العنصر الايجابي والأرضية هي العنصر السلبي والشكل يمثل العنصر الأساسي المراد التعبير عنه في حين أن الأرضية تمثل المحيط الملائم الذي يتناسب مع الشكل ويؤكده.

إن علاقة الشكل والأرضية في التكوينات أو التصميمات المسطحة سواء كانت ذات أشكال تمثيلية أو هندسية أو إنسانية مجرد تخضع للعلاقات التالية أن يدرك المشاهد الشكل فوق أو أمام الأرضية للأرضية مساحة وشكل أيضا الشكل له الأهمية والصدارة الأرضية غالبة أكثر من الشكل ببساطة الأرضية والشكل يكملان بعضهما البعض ويمثلان كلاهما تكامل في التكوين أو التصميم.

الفن والتقنية المهارية:
تتوافق مشتركات عامة في أستلام المشاهدة وتلقي باثات الأعمال والأثر الفني في مستويات من الأحاسيس العامة الطبيعية والفنية التي يتدخل بها الأنسان. الا أن عومل التكنيك المهاري تتباين فيها مستويات التلقي طبقا لأنواع التكنيك وأشكاله السيميائية وهيئته التكوينية وأبعاده في العمق الناتيء والبارز وصيغة أنتاجه وملمسه، تلك الفوارق بين المنتوجات لمسناها شخصيا بين تجربتنا الأنتاجية في الأختصاص وخاصة في الكرافيك والنحت وأعمال الكولاج والليثوغراف والحفر على مواد الكاوجك والخشب والزنك وغيرها من المواد. تلك التباينات هي التي تجعل المشاهد يذهب في سروح ذهنه وخياله الى مرحلة المقارنة والتفريق والتقويم بين عمل واخر. لذلك فأن للمهارة والتقنية دوراً كبيراً في استبدال وتطوير وتحديث المراحل للأعمال والمنتوجات الفنية بين مرحلة وأخرى وعبر مراحل العصور والعوامل المشتركة أجتماعيا وتجارب الفنان الخاصة.

ويشير فبليب (الأحساس هو المستوى الذي تكون فيه الأعمال الفنية وما لا حصر له من الأشياء يجمعها شيئ مشترك لكن التكنيك أو الطريقة الفنية هو المستوى الذي يوجد به الأختلاف بين هذه الأشياء والعمل الفني. أن وحود تكنيك خاص للرسم يدل بشكل تقليدي على أختلافات أبعد بين الأعمال الفنية والمنتجات الحرفية الأخرى.) ( فيليب مكماهون، ص107، 2005)

وهنالك فرق بين التكنيكات التي تطرأ على مفردات الطبيعة من صخور وأحجار ومجريات بجار وأنهر وحافات الجبال وتموجلت السهول. وبين تدخل الأنسان في تعديل وتغيير تلك الحافات وأشكال بنيتها التكوينية بطريقة المهارة بأدوات التصنيع والتكنيك. وقد تبدو أداة من الصوان من العصر الحجري القديم لنا كما لو أنها قد أنتجت بالمصادفة البحتة عند أصطدام أحجار جملتها مياه نهر أو غدير ذو تيار قوي وهو أمر يثير الأهتمام لأنه يحدث بشكل استثنائي. الشيء الذي تصنعه يد الأنسان يشبه ماينتج عن قوى بشرية وهوعكس مانعتقد. ان الأعمال الفنية لها علاقة بكثير من المنتجات الفنية مثل الأدوات الصناعية لكن الأختلاف يكمن بالمظهر والهيئة التكوينية عن باقي الاشياء الأخرى الصناعية. وبالنسبة للأدوات المعقدة مثل أدوات الكتابة والأخرى تنتج بكميات كبيرة آلياً فأن الرسومات لها أهميتها كوسيلة لمعرفة التصميم ولتنظيم عمليات التصنيع. على الرغم من أن الرسومات ضرورية في صنعها فانها لا تتميز بوجود اثار ليد الأنسان. كون أيدي الأنسان تخلط وتعجن مواد عند عجنه بالمنزل، ولكن تلك المواد بشكل عام تصنعه الآلات ولا حاجة لرسومات خاصة به عند أنتاجه أو خبوة في البيت. والرسم هو وسيلة لصياغة التصميم في الفن، وهو يعرض نتاج الأتصال المباشر للمواد واليد البشرية التي تدعمها الادوات التي يستخدمها الأنسان وهو يسترشج بعيون مثل عيوننا ويتم التعامل مع المواد المتاحة. وحيثما تكون الأنشطة اليدوية بعيدة وغير مقبولة أو حيث تبدأ وتتوقف حركات متكررة ومحددة من نوع الى الخواص المتصلة بيد الصانع.

أهمية المهارة:
من فوائد ومهام التقنية المهارية وثمار التكنيك هو منح المشاهد أسس تصنيف أنواع معينة من الأحساس أو الفهم للعمل الفني. والفنون الجميلة تصنيف تقليدي وفني لأنواع معينة من الأحساس بما في ذلك العمارة والنحت والتصوير والأعمال الفنية المصغرة. وكل واحدة من هذه المجموعات في حد ذاتها مجموعة من الطرق الفنية أو التكنيك ولكنها تمتزج لأن الرسم مشترك فيما بينها جميعا. وفي الوقت ذاته فأن التكنيك يعد من المناسبات ذات طابع معين تعطي مزايا أخرى. فالتصوير أو الرسم شيء يمكننا رؤيته ونعرف ان هذا الرسم قد صنعه أنسان، ويمكننا تتبع تطور التصوير والعمارة والنحت والموسيقى والشعر والدراما وكتابة تاريخها وقراءة سجلاتها، كون التعامل معها يمكن أن نعرفها كنماذج متعاقبة من المحسوسات التي انتجها تكنيك ما. ويمكن ايضاً الاستمتاع بها في أماكن معينة كالمتاحف والمسارح والمعارض الفنية وقاعات الحفلات الموسيقية. يمكن للأنسان أن يمارس وأن يجد الرضا في الرسم والموسيقى لانه دائماً قادر على أن يعتمد على أشياء أو نماذج من الأحساس ينتج عنها نوعا من التكنيك. وهي أشياء يمكن التعرف عليها وأستدعائها أو تخيلها. والتعامل معها بفعالية. وفي كلا الأحوال الفنان والمستلم يتعاملون مع المنتجات ويستمتعون بحاسة اللمس والأبصار والتوازن والاتجاه، ولكن المنتج هو الذي يحدد بشكل كبير كيف سيقوم المستهلك بهذا الأمر.. وجميعهم مزودين بوسائل الأحساس من خلال الحواس. ومن خلال وسيلة التكنيك أو الصنعة تحقق البشرية ما تنجزه الطبيعة غير البشرية بفجاجة أذا كان هناك ما يمكن وصفه بهذا الوصف بدون مساعدة من البشر.

عناصر المهارة والتكنيك:
المهارة هي الوسيلة من الأفعال تتعامل مع نماذج من الأحساس، يتبنى الأنسان عن طريقها المادة التي يستخدمها وفقاً للتتصميم، وعندما ينجز التصميم الذي وضعه وبنجاح فأنه ينزع الى تكرار أفعاله مرة ثانية بنفس الشكل العام للتتابع في مناسبات لاحقة أخرى. ولما كان كل عمل فني هو تكنيك معين لذلك كان لزاماً علينا أيجاد أجابة للأسئلة التي تعتمد على هذه الحقيقة والمعلومات الخاصة بتكنيك عمل فني ما، أنما هي أجابة عن السؤال كيف صنع الشيء؟ ولأشباع هذه الحاجة يكون أفضل شيء تفعله هو تحليل التكنيك الى عناصره الأولية أو الأساسية وعندما تناقش مسألة التكنيك فأننا نتعامل مع ثلاثة عناصر أساسية:

العنصر الأول: هو أعداد المواد المستخدمة.
العنصر الثاني : الأدوات المستخدمة.
العنصر الثالث: عملية صناعة هذا العمل الفني.

وكما هو معروف أن المواد هي خامات أولية تتواجد بصيغة أخرى قبل أن تتغير وتتحول الى نتاج فني. والأدوات هي المستخدمة في صنع هذا الشيء وهي نفسها منتجات فنية وهي تدعم وتمد النشاط اليدوي للأنسان وتجعل العاملين على هذا العمل الفني ينجزون عن طريق هذه الادوات ما لا يمكن أنجازه باليد الخالية من هذه الأدوات والعمليات التصنيعية للعمل الفني وهي الافعال المتلاحقة التي يقوم بها الفنان مستخدماً أدواته يدوياً وتشكيلاً وتعديلاً لمواده التي يستخدمها لينتج في النهاية التي يعرفها مسبقاً من خلال التصميم الذي وضعه من قبل. والمواد والأدوات وعملية التصنيع هي عوامل متكاملة في خلق أي منتج فني ودائماً يمكنناً تحليله بهذه المصطلحات. ومعظم نماذج العمل معتادة وهي تتراكم في مسار من المناسبات المتكررة للتعامل مع مواقف مشابهة. والتكنيك في الفن يختلف عن أي عادات أخرى وخاصة بشكل رئيس تلك التي تجلب الانتباه أكثر.

الخلاصة :
أسباب أختياري لهذا الموضوع او البحث ( الفن بين الأحساس والشكل والمهارة )
أذا كانت هنالك علاقة متبادلة ومتناظرة .. ومتكاملة في النتيجة والأستنتاج بين الشكل والمضمون.. فأن المهارة في تقنياتها المتعددة التي تجلب الأنتباه وتثير (الاحساس) لدى المشاهد هي التي تمهد لبنية الكيان المضموني والثيمة الفكرية للعمل الفني سواء كان التشكيلي أو الفنون الأخرى المتعددة..حيث يتحرك الهاجس والأحساس بفعل عامل محركات مصدر الأثارة لدى المتلقي، وكلما كانت الأشكال طبيعية فأنها تقتصر على قيمها (الأستطيقيا) الجمالية. بينما يعتمد الألتفات والتنبيه والأثارة المشهدية للأعمال المنتجة يدوياً على التحويرات والتبدلات بصيغ مهارية تجلب الأنتباه والتامل والتوافق المشاعري أكثر توقفاً وتأملاً لما يتناسب مع مكنونات داخلية لدى الأنسان في خلق متغيرات للأشكال السائدة العشوائية للطبيعة، لذلك نجد الأنسان في المهن المختلفة يقوم بتبديل الأشكال والمكونات الى صيغ خدمية نفعية وتذوقية في الوقت ذاته..على سبيل المثال تنظيم أصطفافات زرع الأشجار والنخيل بشكل أيقاعي متكرر وبفجوات ومساحات متساوية.. كي تمنح لها رؤى نغمية أيقاعية متناوبة، والأمر ينطبق على تحوير الخامات من الأشجار الى صناعات نجارية نفعية تسودها صيغ التصميم الجمالي الفني التشكيلي. كالأبواب والمقاعد، فضلاً عن الأعمال النحتية من الخشب. وفي مود أخرى تحويل خامات الطين والصخور الى هندسة معمارية تمنح المستخدم لها خدمة نفعية وأشكالاً فنية تبهج النفس.. كل تلك التحولات من خاماتها الجامدة الى أشكالها المنطقية تتم بواسطة مستويات رقي المهارة والتكنيك الناجم من الخبرة وأسرار المهن. لذلك من خلال هذا المخاض من الأطلاع والأستنتاج ارى بأن: الأحساس والمهارة والشكل يشكلان عناصر وأسس التبادل المشترك والمزدوج بيننهما، لتنتج محصلتهما ثيمات المضامين الهادفة والناطقة بخيال المنتج ( الفنان) الى المتذوق والمشاهد العام .. أي أن المضمون لايتم أنتاجه الا بمرور وأيجاد هذه العناصر : الأحساس والمهارة والشكل.

بعبارة أدق ينتجان الثلاث الاحساس والمهارة والشكل:
( المضمون) وبالرغم من تعدد الأتجاهات فى معالجة موضوع العلاقة بين الشكل (الصورة) والمحتوى (المضمون) فكان أحد هذه الأتّجاهات يرى أولية الشكل على المضمـون بينما يرى الأتجاه الآخر أولية المضمون على الشكل.

وأخيراً ذلك الاتجاه – الثالث الذى يرى ضرورة وجود علاقة وثيقة – تكامل أو امتزاج.. بين الشكل والمضمون. في النتيجة ان التبادل مشترك بين المضمون والشكل، وفي الوقت ذاته تتم المشتركات بين الأحساس والتقنية والبنية الشكلية او العلامات للتكوينات أو السيمترية.

المقال السابقالأخبار
المقال التالىاَلدَّرْسُ الشَّاهِدُ
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد