اَلدَّرْسُ الشَّاهِدُ


 

تصدير: ” كُلُّ بَذْرَةٍ شَوْقٌ” جبران خليل جبران

***
هل لك أن تقدّم درسا شاهدا في مادّة كذا يوم كذا؟
سنحضر درسا شاهدا مع زميلنا…
كان الدّرس الشّاهد الّذي حضرنا كيت وكيت …
درس شاهد… ما أبلغ الدّرس ! وما أبلغ الشّاهد ! وما أبلغ العبارتين مجتمعتين !

***
الدّرس لغة رياضة الصّعب حتّى يُذلّل. وهل أصعب من رياضة العقول على التّرقّي في مدارج العرفان حالا فحالا؟ وهل أصعب من سياسة الصّبيان نهذّب طباعهم ونزكّي نفوسهم ونمتحن جواهرهم؟

وهل أصعب من فعل التّعليم تثقلك رسالته قبل مشقّته، بل إنّك لا تشقى فيه إلّا بقدر إيمانك بهذه الرّسالة؛ يستغرق جهدك ويشغل فكرك ووقتك حتّى يكاد يشغلك عن نفسك. وإنّك لهذا الإيمان في نفسك تستعذب هذا الشّقاء قبل أن يملأ نفسك رَوْحا ورَاحا وأنت تُعلّم تلميذَك ابنَك الطّريق إليه.

– واغُرْبَةَ الرُّوحِ فِي طَرِيقٍ لَا سِيمَاءَ فِيهَا أَوْ هُدًى!
– بُنَيَّ تِلْكَ طَرِيقُكَ أَعْلِمْهَا بِخَطْوِكَ.
– غِرٌّ أَنَا أَبَتِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ تِلَقَائِي بَنَاتُ الطَّرِيقِ.
– كُنْ أنْتَ. اِمْتَحِنْهَا… أَوْ يُرِيكَ الْهُدَاةُ شُخُوصَهَا.
– فَإنْ شِمْتُ بِكْرَ الطَّرِيقِ. كيف هُدَايَ؟
– الضّوْءَ المُخْتَلِجَ في الصَّدْرِ؟
– هلّا حَرْفٌ مِنْك يَشُدُّ أزْرِي؟
– بَلْهَ. اِقْرَأْهُ فِي النَّفْسِ لَا فِي الطِّرْسِ.

***

رَوْحا وراحا وقد كان خطوُكَ هُدى الطّريق
روحا وراحا وقد كان بعزمك ذَلُّ الطّريق.

وها قد صرتَ بموصول جهدك أقدَرَ وأخبرَ وأبصرَ. وهذا الدّرسُ بصرُك وبصيرتُك، وها أنت الآن سنبلةُ الأرض ينمازُ حبّها جنّى طيّبا، وها أنت – في شوق البذرة- تُهدي هدى خطوك، وجنى عزمك زملاءَ لك تُضيفهم إلى درسك يشهدونه. وما درسك الّذي يشهدون إلّا صورة من حيوات عشتها مع تلاميذك، ومسافة طريق قطعتها معهم قَصَصا، وما جناه إلّا مُستصفى المَخْض وأثرُ الكدح.

وهل يتصدّى لهذا إلّا كريم صادق مع نفسه يرى عملَه فخرَه ومضمارَ سَبْقِه، وصادقٌ مع غيره؛ يواصل بإحسانه اليومَ إحسانهم الّذي سبقوا إليه دُروسا لهم كان شَهِدَها وكان بها مِرانُه ودُرْبَته، وشاحذٌ لعقله يَعْرضه على العقول فيزكو بها.

الشّاهدُ أعظم به شاهدا ! شاهد مشهود، راء مرئيّ، مفرد في صيغة الجمع فهو عيون وقلوب وعقول.

أنا الآن بين تلاميذي مَشهُودُكم: الدّرس كيف أُقيمه؟، التّلاميذُ كيف أصلُ إليهم؟، حظّ الدّرس منهم وحظّهم من الدّرس؟…
أنا الآن بين تلاميذي شاهدُكم: أراكم عيونا لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، قلوبا شتّى نوازعُها وأهواؤُها، عقولا تمتح من موارد شتّى؛ تقلّب الأمر على وجوهه، تنفذ من ظاهره إلى أسبابه ودواعيه، تقع على النّافر تلحظه وعلى الباهر ترفعه…
أراكم تَرَوْنَنِي وتَرَوْنَنِي أراكم. نحن نتراءى؛ صناعتي صناعتكم ودرسي بعض دروسكم ودروسكم نسج درسي.
ولعلّكم ترونني بين خوف ورجاء، بين ما أريدُ وما يكون…
ولكنّي أرى أبعد من درسي، ولكنّكم تنظرون خارج دروسكم تتطلّعون كما أتطلّع إلى ممكن من الفعل التّربويّ يذلّل صعوبات كانت الشّكاة منها وييسّر نجاحات هي معقد عزمنا.

الدّرس فعل حيّ متجدّد يمتح من نهر الحياة لا يني يتدفّق ويحيا بحرارة الدّماء في أوردة تلاميذنا… هذا درسي مشروعٌ صُغته وتلاميذي، كان مُشتغَلي ربّيتُه الحصّةَ بعد الحصّة وألقحته الفكرةَ بعد الفكرة، هذا درسي رَبَأْتُ به عن المُعاد المكرور تجريبا لجديد المقاربات فيكون أنجعَ وأكون به أملأَ محضته الجهد وبذلت فيه الوقتَ. هذا درسي يقول كلّ شيء وإن حاول ألّا يقول فما أيسر أن يُتفطّن إلى المُصْطَنع المتكلّف، وهذه صناعتي صناعتكم سرّها طيّ صدوركم امتحنوا جوهرها وميّزوا عنصرها.

هذا درسي لا حِلْيةَ له إلّا ضمير صاحبه.

ها نحن بعد الدّرس تتراءى عقولُنا وتتصافى قلوبنا وتتصادى تجاربنا ونقول فنعربُ ونتكلّم فنفصح نقبسُ ما يجمّل أرواحنا ويجوّد أداءنا. هذا الدّرس رُؤانا.

درسٌ شاهدٌ بلاغتُه بلاغة المرايا الّتي بها نكون أبصرَ. بلاغةُ لوحةِ “وصيفات الشّرف” للفنّان الإسبانيّ دييـغـو فـيلاســكيــز الّذي قال عنها ميشال فوكو في كتابه ” الكلمات والأشياء”:” إنّه محض تبادل: إنّنا ننظر إلى لوحة وفيها رسام يتأمّلنا بدوره. لا شيء أكثر من وجه لوجه، من عيون تفاجئ بعضها، من نظرات مستقيمة تتراكب حين تتقاطع. ومع ذلك فإن هذا الخيط الرفيع من الرؤية يحتوي بالمقابل شبكة معقدة من الشّكوك والمبادلات والتّهرّب. فالرسّام لا يتّجه بعينه نحونا إلا بمقدار ما نوجد في موضوعه الرئيسيّ…إنّ نظرة الرسّام المتّجهة خارج اللّوحة، نحو الفراغ الّذي يواجهه تتقبّل من النّماذج بقدر ما يأتيها من المشاهدين… يتبادل النّاظر والمنظور الأدوار بلا توقّف”. (1)

هذا درسي ناقص لأنّ الهمّة أعلى منه، هذا درسي كامل بصدقي وصدقكم وأفقٍ نرسمه معا.
***
الدّرس الشّاهد بلاغة الفعل والتّجريب، بلاغة اليد الّتي تسخو، بلاغة البناء تُؤَسّ قواعدُه، بلاغة الخطو يستقيم.
الدّرس الشّاهد مبتدأ علوم التّربية ومُختبرُها، الدّرس الشّاهد سبب يصل بين أهل التّربية سابقٍ ولاحقٍ، أستاذ وتلميذٍ كان جلس يوما في مقعد الدّرس بين يديه، بين صَفيّين باعدت بينهما الحياة…
الدّرس الشّاهد ذكرى جميلة تحملك إليها أوراق تتصفّحها وأنت ترتّب مكتبتك، اسم لا يغادر ذاكرتك، كلمة محفورة في قلبك، عِناق حُلمين…
الدّرس الشّاهد ماضيك الّذي به حاضرك، حاضرك الّذي هو عزمك وتصميمك.
الدّرس الشّاهد يد اشتدّ ساعدها.
أيّها القارئ الشّاهد هلّا ذكرت دروسا شهدتَها، دروسا مرايا جلَت صورتك؟
أيّها القارئ المشهود هلّا ذكرت درسا لك شهدته قلوبٌ وعقولٌ وعيونٌ؟
هلّا حيّينا أساتذة عكست مراياهم صورَنا؟
أمّا أنا فمزروع في الدّرس الشّاهد كبذرة لا يغادرها شوقها.

(1) الكلمات والأشياء. ميشال فوكو. ترجمة بدر الدّين عردكي. جورج زيناتي. ص 29. مركز الإنماء القوميّ. 1990

لا تعليقات

اترك رد