( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ )


 

_ لأسبابٍ خاصة… كنت قد توقفت عن كتابة مقالى الأسبوعى لأكثر من شهرين.. وكلما حاولت الشروع فى الكتابة ومغالبة تلك الحالة الغريبة التى أعترف بأنها سيطرت علىّ، أجد نفسى غير مهيئ وشهيتى رافضة، أما ذهنى فظل مشوشاً عاجزاً عن “فلترة” كل هذه الأحداث والأفكار المتزاحمة، فَبَقِيَت كما هى حبيسة جُدران عقلى، يؤرقنى وجودها.. فلا خلاص منها فعلت، ولا تعايش معها استطعت،
_ ظل الحال هكذا حتى قرأت مصادفة تفاصيل واحدة من أروع وأصدق قصص الحب، فأَذِنْتُ لنفسى بالمزيد وشجعتها على مطالعة كل ما سطره هذا العاشق عن حبيبته، والذى راح يسرد فصول وتفاصيل قصتهما معاً بطريقةٍ أذهلتنى، نهر من المشاعر الهادرة، نَعم.. حديثة هى، ولكن من شدة صدقها تحسبها قديمة ومتجذرة وراسخة.

_ لأعوام كثيرة ظل يستمع كلما سنحت له الفرصة إلى كل من رآها يوماً أو وقع فى أسرها طوعاً.. وإلى كل من تغنى بسحرها وخصالها عشقاً وولعاً.،
عشرات الحكايات رُوِيَت له عنها ممن قابلهم أو خالطهم من المتيمين بها، فكان عشقهم الأسطورى لها وولعهم الجنونى بها بقدر ما يستنفر حواسه وفضوله لرؤيتها، بقدر ما كان يثير حفيظته لاعتقاده أن بالأمر ثمة سذاجة منهم أو مبالغة، إلا أنه سرعان ما يعاود التعقيب على ظنه نافياً، مؤكداً لنفسه أنه من غير المنطقى أن يُجمِع كل هؤلاء على حُسنِها وحنانها وبديع خِصالها سذاجةً أو تحيزاً،
ولا يستقيم أن يُوصَم كل هؤلاء بالاندفاع أو تُقابَل مشاعرهم بالسخرية،
ثم عاود حديثه إلى نفسه جازماً عازماً: الفيصل بينى وبينهم إذن، أن أراها.. أُحَدِثُها.. أُعايِشُها.. أُلامِس حميد خِصالها التى يدّعون، وأنهل من بديع شمائلها كما يؤكدون،
ثم سرت رعشة خفيفة فى قلبه بعدما قرر لقاءها، وساءل نفسه متوجساً:
_ كيف ستبدو لى حين ألقاها ؟
أتراها حقاً واثقة حانية أم أنها مغرورة ومتقلبة؟
_ لم تتمكن الأعوام المتعاقبة من مَحو ما قَبع فى وجدانه عنها.. وكلما قرر الذهاب والسفر إليها، عارضته مشاغل الحياة ومنعته من لقاءها.،

_ تأجل اللقاء عدة مرات، إلى أن قدر له رب العباد، فعزم العاشق وتوكل على جامع الأحباب، حزم حقائبه مسافراً إليها، شارداً ظل طيلة تلك الأميال والمسافات، بضعة ساعات مضت، أنهى شروده بعدها صوت قائد الطائرة معلناً إنتهاء الرحلة فى غضون لحظات، دقات القلب تتسارع والأنفاس تحتبس خِشية أول لقاء، يعلم أنها ستكون بانتظاره بمجرد خروجه من قطعة الحديد ذات المحركات.،
_وطأت الأقدام متوجسة وبدت تتحسس المكان على استحياء، لمعت الأعين واستقرت بعد زيغٍ لم يَدُم سوى لحظات، وخفق القلب بعدما سرى فيه عبيرها، وهفت الروح لعناقها وتاقت النفس لمزيدٍ من الرشفات،
_ نعم كان يتوقع أنه سيقع فى غرامها، ولكن ليس بهذه السرعة ولا بتلك القوة،
_ أما هى فقد لاحظت اضطرابه وقرأت بما لديها من حَدثٍ كل ما يمُوج فى عينيه ويهيم فى صدره، وبحنانها احتوته، وبدفء يديها هدأت أمواج الترقب والتوتر وسكبت عليهما ماء السكينة، فخضع قلب العاشق مستسلماً متخلصاً من كل شئ إلا من شغفٍ يزداد منسوبه ويَعلى بعيداً عن كل التوقعات، أمسك بيديها وأقسم ألا تنام عيناه فى اليوم إلا سويعات، فلن تقوى نفسه على إهدار لحظة فى حضرة صاحبة السمو ومَلِكة المَلِكات، ظلت عيناه شاخصة إليها ترصد حركتها وسكونها، صخبها وهدوئها، رقتها وجنونها، ضحكتها وبكاءها، فى كل مكان صاحبها هو أينما حَلّت، رافقها على ضفاف النيل وجاب معها أرقى الأحياء وكبرى الميادين، ولم يتركها فى الأزقةِ والحاراتِ، قاسمها الخبز فى المطاعم الشعبية مثلما شاركها فى أشهر الأماكن أشهى الأكلات، جالسها فى المقاهى مستمتعاً بالإستماع إلى أجمل أحاديث “ولاد البلد” وما يقصونه من حكايات، ظلت عيناه تتابعها كل ليلٍ وطوال النهار، وقلبه وعقله بشغفٍ ظلا يرصدان، وبكل الحب عن تفاصيلها ومحاسنها راحا بتمعنٍ يسجلان ويتغزلان، وعن صبرها ورضاها دَونَّ فى مذكراته بكل احترام، رأى فيها براءة الأطفال وخفة ظلهم، وحنان المرأة ونبل مشاعرها، ونخوة الرجال وشهامتهم، وقوة الفرسان وشجاعتهم،
_ قد يراها غيره أنها ليست الأجمل ولا الأعظم، قد لا ترصد أعينهم إلا سوءاتها،
أما هو فقد أتى إليها “بقلبٍ سليم” قلب لا ينشد إلا الحب ولا يشعر إلا بالدفء ولا يرى سوى الجَمال، فكان له ما أراد، عشقها وتجاوز قلبه عن مثالبها فأحاطته بنهرٍ من الحب.، فهكذا هو قلب المحب العاشق دائماً لا يرى فى الحبيب سوى الجمال ولا يظن فيه إلا خيراً، فإذا ما سكنه الحب إرتقى إلى منزلةٍ أعلى ولُقِب حينها “بالفؤاد”، وإذا لامس قلب المحبوب صدق المُحِب، إرتقى وصار هو الآخر “فؤاداً” يبادله الحب بالحب والخير بالعطاء.،
فما كذب فؤاد العاشقين الصادقين أبداً، ولا تاهت عنه أفئدة من يبادله تلك “الذبذبات”.،
فالروح تهفو وتميل دائماً إلى من يشبهها، وتنفر من المُختَلِف وإن سكن القصور أو اعتلى إحدى ناطحات السحاب.

_عزيزى القارئ.. ما سردته ليس من وحى خيالى وإنما واقع حديث لم يمض عليه سوى أسابيع معدودات،
بطلها هو “ابن المَغرِب” المقيم فى هولندا “فؤاد زويريق” وحبيبته التى أشرت إليها فى مقالى هى “مصر”.. مصر التى قرأ وسمع عنها فأحبها، فقرر أن يأتى إليها حبيباً عاشقاً، وليس مجرد سائحاً، “فؤاد” الذى تحول حسابه على موقع التواصل الإجتماعى “فيسبوك” إلى قِبلة لعشاقها وملتقى للأشقاء، بفضل سلسلة مقالات شديدة التفرد نشرها على “صفحته” عن مصر وأهلها بعد زيارته لها، عَبَر خلالها عن كم هائل من مشاعر التقدير والود والحب، ولكَم كانت سعادتى وأنا أطالع تلك المقالات ليس فقط من أجل كلمات المديح والثناء التى تستحقها بلادى، ولكن من أجل تظاهرة المحبة والمودة التى صنعتها كلماته الصادقة فى نفوس المئات،
_وتوقفت أمامها متأملاً مندهشاً .. كيف استطاع رجل واحد خلق هذه الحالة الراقية السامية بين أبناء البلدين من مريدين “صفحته”، وكيف أن للحب الصادق والخُلق الراقى قوة مهيبة تخر وتذوب أمامها جبال التعصب والكراهية والشِقاق،
_سَلِمت وصدقت أخى “فؤاد” فما كَذَب “فؤادك” أبداً فيما رأى، وقد أكدت مشاعرك النبيلة تجاه وطنى ما كتبته أنا فى السابق عن “حفيد الإغريق” و “ابن الإمارات” اللذان أحبا مصر وعشقاها لدرجة تفوق حب البعض من أبناءها لها،
_ سلمت أخى “فؤاد” فقد أكَدَت قصتك قناعاتى بأنه شتان الفارق بين الانتماء والانتساب، فهناك قلوب “لا تنتسب” إليكِ يا مِصر، ولكنها ” تنتمى” بما تحمله لكِ من رصيد الحب الصادق وفيض المشاعر النبيلة والعطاء،
وقلوب “تنتسب إليكِ” زوراً ولكنها أبداً لم تنتمى يوماً، فقد سقط الوطن من حساباتها سهواً أو عمداً بعدما ضربها التعصب والإنتهازية والخيانة،
فألا بعداً لهؤلاء.. وطوبى لكم أهل الحب.. سَلِمَت أفئدتكم أينما حَللتم ، ودمتم أسوياء.

لا تعليقات

اترك رد