” تقنيات وأساليب “


 

في أساليب الرسم المستخدمة نجد الفنانة تتنقل بتقنية اللون والطريقة بشكل متميز، ففي الغالب تلجأ للكثافة اللونية والألوان الحرة مستخدمة الفرشاة، فتصبح اللوحة بألوانها بارزة وملموسة وخشنة، وهو ما يحتاج إلى كميات كبيرة ومكلفة من الألوان الزيتية الجيدة النوعية، وفي لوحات أخرى نجدها لجأت لأسلوب الكشط بالسكين، بينما في لوحات أخرى يكون اللون منساباً وناعماً، ولكن بكرم مفرط بالألوان، فلم أجد أية زاوية أو بقعة يظهر فيها قماش الرسم بين الألوان، وفي لوحات جديدة بدأت باستخدام أسلوب التنقيط برأس الفرشاة للألوان، وهو أسلوب متعب ومرهق، وتحتاج اللوحة إلى وقت طويل لإنجازها.

بدأت الفنانة تجاربها بتوثيق البيئة المحلية بأسلوب تأثري وانطباعي ومدرسة واقعية تنقل الواقع كما هو مع بدايات تأثر بأسلوب المدرسة الانطباعية التأثرية، فكانت الأدوات التراثية بعض من رمزيات لوحاتها، كعازف الربابة وبيوت الشعر ودلال القهوة، وهذا ما أشارت إليه في اللقاء الذي أشرت إليه في الفصل السابق مع الإعلامية والفنانة سميرة عوض ونشر في صحيفة الرأي الأردنية، ولعل تجوالها بين المدن المختلفة لعب دورا أساسيا بتطور وتغير أساليبها في الرسم عبر مراحل، فمن تجريد الأمكنة التي عاشت بها إلى الطبيعة بجمالياتها وسحرها، وفي جولاتها الأوربية تنقلت في ريشتها بين الماضي والمدن التي زارتها، وهذه التجربة في التجوال بين المدن بأشكالها المختلفة رغم تأثرها بها والتعبير عن هذا التأثر من خلال اللوحات، إلا أن حنينها للأمكنة التي عاشت بها كان يتغلب عليها فيتكرس في لوحاتها ويتجذر أكثر، فتكرس بوح الأمكنة وذاكرتها في لوحات تميل للحلم والشاعرية، فنراها تتنقل بين مراحل مختلفة وأساليب مختلفة من الرسم، فما بين

السطوح الملساء إلى الأسطح الخشنة الملمس، وما بين مزج اللون إلى تركه حرا معتمدا على ضربات الفرشاة بقوة، وما بين غلبة الألوان الحارة إلى غلبة الألوان الباردة، فالفنانة مازجت بتعاملها الفني مع المكان بين الواقع وما بين المتخيل، فمن هنا كانت الأمكنة في المراحل اللاحقة تميل للحلم والشاعرية والمتخيل، وليس كما هو في الواقع من زاوية معمارية، فهي تعرض علينا أمكنة تخيلت جمالياتها تجعل المشاهد يصبح جزءاً من اللوحة فيعود في خياله لما ضمت روحه في تلافيف الذاكرة من جماليات.

وتغوص الفنانة بالمكان وتترجم اللا مرئي وتستبصره وتحيله إلى جماليات أجمل من الواقع ضمن فلسفة المتخيل، وتحدثنا بلغة الفن التشكيلي من خلال الذائقة البصرية، مما يتيح للمشاهد المتذوق أن يستمتع بما يراه ويتيح للمشاهد الناقد أن يتمتع أيضا ويحلق بتحليل وتفكيك لوحات الفنانة، والجميل في عالمة أنها تستمتع بنقد لوحاتها ولا تنزعج من ذلك، وفي العديد من الجلسات أثناء زياراتي لها في بيتها كانت تحضر لوحة أو أكثر وتقول: أريد أن أستمع مباشرة لأية ملاحظات نقدية على اللوحة سلبية إن وجدت بشكل خاص، فأنا استفيد كثيرا من ملاحظات النقاد وتهمني أكثر من عبارات المديح، فالإنسان يعيش ويموت وهو يتعلم.

هذا الكلام الذي سمعته أكثر من مرة من الفنانة عالمة أعاد للذاكرة مقال للناقد المغربي لحسن ملواني ونشره في صحيفة القدس اللندنية في 18/9/2017: (رغم ما وقعَ على النقد من تغيرات حسب العصور، فإنه ظل وسيظل نشاطا يباشرُ الناقِدُ عَبْرَه الأعمالَ الإبداعية باختلافاتها وتجدداتها، والغاية من ذلك تقييمها وتقويمها بتحديد مكامن الضعف وعناصر القوة فيها، ويقوم ذلك على عمليات منها الملاحظة الدقيقة والفاحصة، ومنها التفكيك بقصد التبرير للأحكام، ومنها التلميح إلى ما كان ينبغي أن يقوم عليه بناؤها بديلا للمنجز. وبهذا يكون النقد نافذة نرى من

خلالها إعادة بناء الأعمال وفق ملاحظات وإشارات مبنية على تحليل منهجي له آلياته ومصطلحاته الخاصة .

ولا شك أن النقد الفني له التأثير المباشر على النهوض بالفنون والتأثير العميق فيها استنادا إلى مقوماتِ التربية الفنية، وما تحمله من دعائم تفيد المبدعين تقنيا وفنيا وشكلا ومضمونا، وعبر الملاحظة والتوصيف والشرح والتحليل يخلص الناقد إلى إصدار أحكام تؤخذ بعين الاعتبار، فتكون مشجعة أو منبهة أو محددة للإيجابي الجميل أو عكسه في منجز إبداعي معين.

والنقد للفنون التشكيلية كغيرها من الفنون نشاط ملازم لها، يحاول استنباط الكامن والدفين فيها شكلا ومضمونا، مُعيناً على اكتشاف أسرار الجمال والنقص فيما يتناوله من أعمال، وبذلك يخوض مع سائر المتلقين ومنهم المبدعون تجربة الاستمتاع والكشف والتحليل وإصدار الأحكام. والناقد من هذه الناحية عليه أن يكون أكثر ثقافة وأدق ملاحظة وتحليلا من غيره، ما يكفل له إصدار الأحكام المبررة حول ما يشاهده من أعمال فنية. إلا أن هذا لا يلغي ما يطلق عليه النقد التأثري أو الانطباعي القائم على ما نشعر به إزاء العمل الإبداعي تلقائيا، فنظهر إعجابنا أو امتعاضنا إزاءه، وقد نبرر ما نحس به بشكل ما فنقترب إلى النقد التخصصي ولكن بنكهة مختلفة. وتتجلى أهمية النقد في كونه مساعدا على الاستنارة والإبانة عن مواطن الرقي الجمالي والفني في الأعمال الإبداعية عامة والتشكيلية خاصة، علاوة على كونه معينا على تذوق الفنون التشكيلية باختلاف فروعها، وعاملا دافعا إلى بلورة وتجديد الفنون التشكيلية، مساهما في إرساء قواعد وأسس متينة تساهم في تطويرها والتعريف بسر الجمال فيها، كما يساعد على اكتشاف الهنات والثغرات التي يمكن أن تعتري المنجز الإبداعي.

*من كتاب عالمة العبدلات مسيرة فن وابداع للكاتب.

المقال السابق” دَعُوا الحُلمَ يَنمُو “
المقال التالىالعربنجي والربل
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد