الهوية القاتلة واستراتيجية التغيير والنهضة


 

بداية ، لا معنى أن يتعصب مسلم / عربي لوطنه ويقاتل مسلما / عربيا آخر في وطن مجاور له ، من أجل مزيد من الأرض أو الثروات أو إرضاء لحاكم مستبد طاغية . فهذا ما يُسمّى ” الهوية القاتلة ” والتي تعني : أن يتعصب الإنسان لهوية واحدة ، ويختزلها في انتماء واحد ، ومن ثم يكون الفرد في موقف متعصب متحيز مذهبي متسلط ، فيعمى عن رؤية الآخر ، ومعرفة حقوقه المهضومة ، ومن ثم يرتكب أو يناصر ويؤيد من يرتكب المظالم ، لأنه يتعصب لهوية أحادية ، فالقضية إذن تعصب أعمى، دون قيم، يؤدي إلى مناصرة الظالم ، والسكوت عن المظالم ، وهو ما ليس في الإسلام .

وعندما نطلق مصطلح ” استراتيجية التغيير ” ، فلا نستهدف تنظيرا، وإنما تقديم حالة من الوعي، تكون حاضرة في ذهن العربي والمسلم المعاصر وكل مثقف وعالم، فكم من هؤلاء لديهم من الحماسة والعلم في آن ، ولكنهم لا يمتلكون رؤية في الخطاب الفكري ، الموجه إلى عموم الناس ؛ بمستوياتهم الثقافية الاجتماعية وقضاياهم الحياتية . لأن فهم التغيير لا يجب أن ينصبّ على شخص المثقف فحسب ، لينتهي دوره عند التنوير والإرشاد ، وإنما يتخطى الأمر هذه الحالة الفردية – رغم أهميتها – بأن يكون التغيير في الأمة كلها ، على مختلف شرائحها .

فمن المهم وجود مشروع استراتيجي ، تسبقه رؤية واحدة ، منطلقة من تجديد الإسلام ، والسعي إلى النهضة والتقدم ، على أن ترقى إلى مستوى الممارسة التنظيمية الفعالة بما يجسدها على أرض الواقع ، وتواكب طوارئ ومشكلات المجتمع، وتسلك في سبيل ذلك سبلا عديدة .

إن مفهوم الاستراتيجية يتمثل بأنه : عملية تخطيط لتحقيق سياسة ما والتحكم في الوضع بشكل كلي ، وعُرِفت أيضا بكوﻧﻬا طرقا محددة لتناول مشكلة ما، أو القيام بمهمة من المهمات، أو هي تدابير مرسومة من أجل ضبط معلومات محددة والتحكم ﺑﻬا .

وعندما نطلق ” استراتيجية التغيير ” فنعني به أمرين : الرؤية الفكرية وأبعادها ، ثم سبل التحقيق لها . فاستخدامنا للمصطلح هنا يقصد به : الأسس الفكرية والمرجعية التي يطرحها العالم أو المفكر ، أو الداعية ، من أجل تغيير واقع الأمة العربية والمسلمة ، والنهوض بها ، مع أهم السبل التي ينبغي على المثقفين والعلماء أن ينتهجوها من أجل تطبيق هذه الرؤية بشكل عملي . وبعبارة أوجز فإن استراتيجية التغيير: هي فكر ومنهاج ، رؤية وعمل ، أهداف وسبل ، لإنهاض الأمة .

فالهوية هي الأساس ، ومن ثم تأتي سائر النماذج التطبيقية لشكل الحياة والحكم والناس ، وليس الأمر على العكس ، فيجب أن نفكر في الهوية أولا ، ثم تأتي أشكال التطبيق ، والاستلهام ، والتخطيط ، والتغيير .

وإذا اعترض بعض المفكرين والمثقفين ، وقالوا إن هناك هويات متعددة ، مثل هوية الأمة الواحدة والتي يحتويها كل وطن مثل : الأمة المصرية ، اللبنانية ، العراقية .. ، وهناك هوية البحر المتوسط، أو الهويات القبلية أو الطائفية أو المذهبية، وغير ذلك ، ويرون أن الأفضل تنحية الهوية الدينية، وإعلاء هويات أرضية من أجل تعايش مشترك ، لأن الهوية الدينية سبب للحروب والاقتتال. نقول إن هذا غير صحيح ، لأن الهوية الإسلامية جامعة للأمة كلها ، ثم تأتي العروبة ، ولا تمنع وجود هويات أخرى، فالمسلم هو مسلم أولا ، وعربي أيضا ، وإفريقي ، أوآسيوي ، أو أوروبي ، ثم يأتي انتماءه القطري الوطني ، ويليه انتماءه لعائلته أو قبيلته أو عشيرته ، أو قريته .. وكلها تتجاور وتتكامل ولا تتصارع وتتعارك ، فمصدرها قيم سامية يحملها الفرد في ذاته وأعماقه ، وينتهجها في حياته .

لهذا ، فإن قضية الدولة في الفكر النهضوي الإسلامي تأتي في مرتبة تالية ، بعد مفهوم الأمة، لأن الأخيرة أعم، والأولى أخص ، بعكس الفكر السياسي الحديث، الذي ينظر إلى الدولة على أنها وحدة سياسية كبرى تقوم على أسس أربعة : إقليم جغرافي ، تجمع بشري ، نظام اجتماعي ، سلطة تقودها، دون النظر كثيرا إلى الارتباطات مع كيانات فكرية وروحية أكبر ، فالتجمع البشري المقصود به شعب له تاريخ مشترك ، وتجمع أفراده مصالح ، وهذا يتسق مع فكرة الدولة النابعة من التراث السياسي اليوناني ، الذي يحصرها في حدود جغرافية معينة ، وشعب ذي جذور إثنية متقاربة، وعلاقات نفعية.

وتلك هي الإشكالية التي أثيرت عند مفكري النهضة الإسلامية في العصر الحديث ( جمال الدين الأفغاني ، رفاعة الطهطاوي ، محمد عبده .. )، فقد اشترط مفكرو النهضة اشتراطات عديدة كي يقبلوا بالدولة الحديثة ذات المرجعيات الغربية الأوروبية ، لأن مفهوم الدولة / الأمة المتوارث في الفكر السياسي الإسلامي يتعارض مع الأسس العلمانية ، المتمثلة بفصل الدين عن الدولة ، لذلك فإن الإصلاحيين الإسلاميين انطلقوا في قراءتهم للدولة الحديثة من كيفية تحقيقها مقاصد الشريعة من حفظ الحقوق وإقامة العمران ، وأن تنظيم الدولة الحديثة يقدّم نظما ومؤسسات كفيلة بتحقيق العدالة والمشورة وعموم المصلحة المطلوبة .

وتأتي إثارة جدلية الأمة والدولة هنا ، من أجل فض الاشتباك الذي نجده في كثير من الدراسات السياسية التي تتعامل مع الشعوب الإسلامية بوصفها دولا منفصلة ، وليست شعوبا تنتمي إلى أمة واحدة، بدين واحد ، فهذا لا يستقيم مع تاريخ الأمة الإسلامية التي كانت دوما في حالة من الوحدة المؤسسة على رابطة دينية كما لا يستقيم مع تراث الفكر السياسي الإسلامي عامة.

فالأمة في التراث الفكري ليست مصدرا للشرعية والسلطة فقط ، بل هي أيضا مصدر الهوية والنظام الحضاري والحياتي . وللأمة مجالها الذي تتحرك فيه ، لأنها المحدِّدة له ، والمشرِّعة فيه ، وحياة الأمة نفسها تقوم على البنية الجماعية المترابطة، المستندة إلى معايير وقواعد متفق عليها بين أبناء الأمة، ومنها تتشكل وحدة الأمة ، كما يتشكل وجودها نفسه ، وكل معايير الأمة وقيمها نابعة من الإسلام ، ومنها تأتي تصوراتها الثقافية وتقاليدها الاجتماعية .

في ضوء ما تقدم ، فإن استراتيجية التغيير لا تقتصر على قُطر أو دولة أو إقليم، ولا ترنو إلى جماعة أو مذهب ، ومن هنا يتسع مجال التغيير ورؤاه ، لأنه يرنو إلى أمة تحتل موقع الوسط في العالم ، على مستوى الجغرافيا وموقع الصدارة حضارات التاريخ الوسيط ، فالأمة العربية المسلمة متنوعة الجغرافيا ، متفقة في توجهات شعوبها ، لأن الهم مشترك ، والتطلعات متقاربة ، والأزمة واحدة .

لا تعليقات

اترك رد