ملامح حداثة معطوبة – 4


 

سحر التقليد العالمي

يعمل الفنان العربي ومنه المغربي، بوعي أو بغير وعي، على مقاربة أشياء الفن بشكل متأخر وغير متزامن مع الزمن الثقافي الذي يعيش فيه. فقد “اكتشف [الفنان] المغربي السرعة والارتجاج بحيرة بالغة، وهكذا نراه يجري لكي يصل متأخرا، وهو يصل دائما متأخرا”. (الخطيبي). لقد عمل تداخل ماضي الآخر من جهة وماضيه من ناحية أخرى، على تقويض تصوراته ونسف آمال مشروعه الحداثي الذي عمل جاهدا على تأسيسه، إذ بات يعيش حاضره داخل زوبعة ماضيين تراثيين، ماضيه هو وماضي الآخر، القابع خارج الحدود. الآخر ثانية، تستعار أساليبه وتُركَّب لتشكل “ذكريات كتابة مدفونة”، يتأسس ناظمها الأوحد على الموضوع فقط. ف “بدون وعي، يستمر [الفنانون المحليون] في تقليد الفنانين الأجانب المعاصرين، يتغذون من ثقافة توجد أسسها في عالم آخر، تم إرساء قواعده، وتمت هيكلته وشيد على أسس الإنتاج والاستهلاك. وبهروبهم من الخصوصية، وجد الفنانون أنفسهم عالقين في فخاخ العالمية، “مخدر القرن”. (لمرابط)

يتساءل الناقد خليل لمرابط، إذا لم يكن “سحر التقليد العالمي: جانب آخر من المحاكاة؟”(لمرابط)

“سحر التقليد العالمي”، أو النزوح نحو العالمية، خلق فنانا وصفه خليل لمرابط ب “المنتوج الهجين، [الذي] يتجاهل بشكل واضح أصوله أو يزدريها ويستخف بها. [والذي] لا يمكنه أن يبدع سوى بموازاة تلك الأصول”.

فلا يمكن لمنتوج هجين، فبركته الحماية الاستعمارية سوى الادعاء بأن “الفن في المغرب العربي [بات] يكرر نفسه طيلة قرون، [ف] وقع في الانتحال”، لذلك “كان من الضروري أن نخرج من التقليد الهندسي”. (كلام للفنان الغرباوي أورده خليل لمرابط).

“سحر التقليد العالمي” أغرق الجيل الأول من الفنانين المغاربة، الذين تلقوا تكوينهم بمعاهد أوروبا، في نوع من الاتباعية الجديدة Nouvel académisme، حيث إن رسوماتهم آنذاك يمكن عدها من الأشياء التي سبقت رؤيتها فيما قبل du déjà vu. و”هكذا نجد سقوط Arama تحت إغراء المناظر الطبيعية والمعالجة التصويرية التي عرف بها Maurice Utrillo. ويغرق محمد القاسمي في التعبيرية، وأندري الباز يتعاطى للعجائن الثقيلة التي تذكرنا بتجريد نيكولا دي ستايل الشهير. وكريم بناني وأمين الدمناتي، قبل وفاته، ينحنيان نحو اللطخة واللاشكل. ويعيد الرسام ملوكي فترة بيكاسو الزرقاء، ويكتشف ميلود لبيض رسومات Klee، ويتتبع الحميدي نهج Serge Poliakoff، بينما يعجب محمد شبعة بأعمال Franz Kline و Willem de Kooning فيتخذهما سبيلا مؤقتا، و في نفس السياق، يُسَجَّل تقارب أعمال محمد المليحي لتجربة Manolo Millarès الذي دفعه لممارسة الكولاج. هذه الأبحاث المبكرة، تكشف عن محاكاة الحداثة الأوروبية للسعي إلى تحقيق أمل اللحاق بالعالمية، فهذه المحاولات التي تفاقمت في كثير من الأحيان ساعدت الفنانين المغاربة الأوائل على محاولة إدماجهم في الحركات التجريدية الفرنسية والإسبانية”. (خليل لمرابط)

لا تقف تجربة المحاكاة وتمدد عبق ” سحر التقليد العالمي” عند هذه الأسماء وحدها، بل هناك آخرون طالتهم يد الإغراء بفعل الآخر ليتخذوه مطية لتحقيق مشاريعهم الفنية. فتبدو تقاربات الطرائق و”تناص” المتن التشكيلية واضحة كلما تصفحنا سجل تاريخ الحركة التشكيلية الحديث والمعاصر على السواء. و لا أحد يمكنه أن ينكر أمله في تحقيق حلمه للحاق في يوم ما، بقطار العالمية التي هي بقبضة مركزية أوروبية متعجرفة، قابضة بشدة على مرايا نرجسيتها.

كمحاولة للانزياح والابتعاد عن طلاسم السحر هذا، رُبِطت تصورات ومفاهيم الفن بمفهوم التقليد والأصالة، الرابطة/الإحالة التي كانت تستهدف تحقيق نوعا من التوافق والانسجام بين عالمين متباينين، ومتباعدين في الزمن والمكان، فتبين أخيرا أن التحقيق والتفعيل كُلِّلا بالفشل. فشل يشهد عليه كلام محمد المليحي: “كانت لنا رغبة في أن نكون في مستوى الفن في العالم. أي أن نشارك بدورنا في الفن العالمي المعاصر، فنقدم بدورنا جملة إضافات. وللأسف لم ندرك ذلك”.

لقد كان الفنانون الأوائل على وعي بما يتربصهم من إشكاليات الانتماء والتأصيل، فرفضوا السعي السهل وراء التقنيات وليدة الفن الحديث المتأزم، ليجددوا ارتباطهم بجذورهم المتشربة والمصوغة بالقيم الروحية العربية/الإسلامية/الأمازيغية. ولا أحد ينكر أنها “نهضة ثقافية يلتمسها ثراء، وشرعية التقليد، وكذلك الحداثة”. (عمران المالح)، لكن مع مرور الزمن، وبعد نضج العقول، تبين أن الجميع يئس “من التوق إلى أصالة لم تكن بالمستوى الذي اعتقدنا أنها به”. (المالح)

لقد أصبحت محاولات تَمثُّل التراث ساذجة، حيث اكتفى الجميع تقريبا، بتضمين أعمالهم الفنية لمفردات وموتيفات شكلية، تتخذ مرجعيتها من الفنون الشعبية العربية-الإسلامية-الأمازيغية، ومن تم أصبحت الأعمال، جراء هذه الممارسة المعيبة، مجرد “سرقة للتراث”، كما عبر عن ذلك الفنان محمد شبعة.

إن الحداثة الفنية بصيغتها المغربية، وكذلك العربية، كانت ضحية لثنائي تراثي: التراث العربي/الإسلامي، وتراث الآخر الوارد من وراء البحار. فهذه الازدواجية المعقدة وغير المريحة قيدت أوصال الفنان التشكيلي بشكل عنيف وجعلته يدور في حلقة مفرغة، كلها ألوان مبهرجة وأشكال جنسانية. إنه سحر الانبهار…

لطالما رُوِّج لشعار “المصالحة بين التقليد والحداثة” ولكن دون جدوى. لا شيء يدرك العقل والروح. كانت العاطفة سابقة للعقل في التعامل مع التراث. فأعمى الوهج العيون حين تَلمُّس الحداثة الغربية، هذه الحداثة القوية والنرجسية والعدوانية التي لا تقبل الشبيه أوالند أو المنافس…التي لا تترك وراءها سوى خسائر حضارية. فالوهج والعدوان هما “صفات” الحداثة الرئيسيين.

إن مقاربة إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفن التشكيلي تندرج تحت غطاء الحداثة في محاولة الإجابة عن سؤال “كيف نتعامل مع التراث” (الجابري). إنها إشكالية باتت تسكن عقل الفنان العربي عموما ولم يستطع البعض أن يتجاوزها ولا أن يحدد لها إجابات مقنعة وموضوعية. ربما أن الحداثة خطت خطوة تعتقد أنها خطوة جوهرية لتأسيس فكر توافقي بين “الأصالة والمعاصرة” إلا أنها وكما يتبن من المنجز التشكيلي العربي عموما والمغربي خصوصا لم تتحرك إلا على خط واحد يحمل في ذاته مفارقة ويبني مشروعيته عليها، مفارقة شكلية فقط، تفتقد إلى الغوص في أعماق الإشكالية وتناولها دراسة وتحليلا. فالملاحظ، أن الرسامين “التراثيين” يسائلون سطحيا، الألوان والأشكال ويتتبعون بعض سبل تصورات الفضاء التشكيلي التراثي، معتقدين أن “مفهوم الفضاء والتوزيع الجغرافي على السطح المصبوغ … يرتبط أكثر فأكثر بالمبادئ التقليدية”. (محمد المليحي)

فمنطوقهم لا يعكس فعلهم!

“كيف نتعامل مع عصرنا؟” تساؤل طرحه محمد عابد الجابري، وهو يؤدي بلا شك إلى ربط الحداثة الفنية بمعطيات العصر، وذلك بالعمل على بعدي السؤال: البعد النظري والفكري والبعد العملي. (الجابري)

فلا الأول، البعد النظري والفكري، تم استغلاله واستنتاج معطياته وتفعيل ما توصل إليه الرواد، إذ يلاحظ تغييب نسبي للتنظير والمصاحبة النقدية الحصيفة بشكل مؤثر، بعدما تفتت نشاط جماعة 65، وانتشرت مقابل ذلك الفردانية والنقاشات المجانية، مما جعل جسد الحداثة الفنية يتحاتُّ ويتآكل. ولا الثاني، البعد العملي، عمل بحق على بناء أسس جمالية وتقنية تشكيلية تتسم بالأصالة والجدة وتبتعد عن التبعية Académisme والتكرار والاجترار.

يبدو أن الشباب الذين تكونوا في مدارس الحماية كانوا ضحايا، تتقاذفهم تيارات الشرق والغرب. فكانوا جيلا ضائعا حسب تعبير الكاتب إدريس الشرايبي. وكمحاولة للتخلص من قبضة تلك التيارات العنيفة، باتت الأجيال المتعاقبة تبحث عن ذواتها، ومنها الرسام الذي عمل على تعبيد الطريق، بمحاولته ملء الشق المتولد “عن الفجوة بين تاريخين، بين زمنين، كلاهما حاضر فيه “. إن الحديث عن زمنين ثقافيين تعيشهما حركتنا التشكيلية يجرنا إلى المقارنة بين فكرين وثقافتين متباينتين ومتباعدتين، الواحدة عربية والأخرى أوروبية. ولماذا أوروبية وليس غيرها، لأن زمن أوروبا الثقافي “يفرض نفسه علينا في كافة المجالات، فيضايق بل يمزق زماننا الثقافي الخاص بنا، زماننا الراكد الممتد”. (الجابري)

إن التاريخ “الممزق” يحدد هويتنا الثقافية وجنسيتنا الفكرية، تلك الهوية التي لم نستطع بعد الوقوف على معالمها وتحديد بنياتها التي تتجاذبها أيادي التاريخ “الممزق” وترمي بها على حافات جزر لا يربط بينها رابط ويصعب اختراق حدود الواحدة منها للوصول إلى أخرى. إن تاريخ الفكر العربي، وحينما أتحدث عن الفكر العربي في مجمله، لا أستثني “الفكر التشكيلي” إذا صح هذا التعبير، نجده، كما بين ذلك محمد عابد الجابري، تتجاذبه محطات تاريخية ثلاث: العصر الجاهلي والإسلام والعصر الحديث، مع العلم أن العصر الجاهلي يعد فترة “ما قبل التاريخ” وأن الإسلام كان بداية للتاريخ، مع عمليات التدوين التي شملت جميع فروع الثقافة العربية من علوم الدين وعلوم الكلام وترجمات وغير ذلك. أتساءل: ألا يمكن إسقاط هذا التقسيم على تاريخ الحركة التشكيلية المغربية، واعتبار ما قبل الستينات فترة ما قبل تاريخية أي عصر جاهلي، ومن بداية الستينات إلى أواسط الثمانينات، مرحلة ازدهار، فيها تنمى نسبيا الوعي بالذات المبدعة وتشكلت نواة “الحداثة التشكيلية المغربية”، واعتبار ما جاء بعد الثمانينات، فترة غير واضحة المعالم تميزت بالتعددية والتراكم والفوضى. عرفت المرحلة الوسطى رموزا تتجسد في أشخاص يمكن التعرف عليهم من خلال ابداعاتهم وكأنها علامة label، بينما في المرحلة الأخيرة اختلطت الأوراق والاذواق الى درجة كارثية، زادت تضخما مع ظهور ما سمي ب “الفن المعاصر” الذي لقي تشجيعات ودعم من طرف الدولة وبعض المؤسسات المروجة للفن، المدفوعة من قبل جهات خارجية.

فأينما اتجهنا محاولين تصفح تاريخنا الفني نصطدم بذات الآخر واقفة على الأعتاب، نجدها تنظم المعارض والصالونات الفصلية خلال الخمسينات وتسعى وراء نشر الفن الفطري، باعتباره في نظرها الفن الوحيد الذي يعبر عن “التطلعات الروحية للأفراد” حسب التعبير الهيغلي، ونفس الذات السائدة والمكونة نصادفها خلال المرحلة الثانية، “مرحلة النمو

والازدهار” الفني. فالتنظير لإبداعات فناني هذه المرحلة كانت وراءه ذات غربية، متجسدة في الزوجة والخليلة، التي لعبت دورا كبيرا في التعريف بالفنان/الزوج.

هوامش:

1- إدمون عمران المالح ـ حضور الرسم المغربي، مجلة فكر وفن، العدد 44، السنة 23، 1986

2- د. محمد عابد الجابري. (2009). نقد العقل العربي 1، تكوين العقل العربي، (الإصدار الطبعة العاشرة، ). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.

3- الثقافة الجديدة، السنة الثانية، العدد السابع، ربيع 77

4- F. Belkahia, M. Chebaa, M. Melehi – Position 2, Des peintres protestent, p.36, Souffle N° 4, 4ème trimestre 1966.

لا تعليقات

اترك رد