الشعب العراقي هو الهدف

 

لكي نفهم جزء مما يدور الآن في بلادنا ومنطقتنا لابد لنا من معرفة سريعة لما دار بالأمس ففي السابق علمونا إن المنطقة العربية تقع في قلب العالم القديم وطبعا كان هذا صحيحا ومنطقتنا تعتبر حلقة وصل بين القارات الثلاث آسيا وأوربا وأفريقيا وهذا الموقع جعلها مسرح الصراع والصدام أحيانا واللقاء السلمي بين الحضارات العالمية القديمة أحيانا أخرى ولنحدد أكثر إن الأراضي العراقية والشامية كانت حلبة الصراعات لفترات طويلة من التاريخ لأنها ممر لطرق القوافل التجارية بينما ابتعدت إلى حد كبير أراضي الجزيرة العربية الصحراوية التي كانت فقيرة قبل اكتشاف النفط فيها باستثناء المناطق الساحلية للبحار أو أداء المناسك الدينية والحج وكذلك الحال بالنسبة للبلدان العربية الأفريقية باستثناء مصر لعمقها التاريخي فكانت الأراضي المحصورة بين الخليج العربي والبحر المتوسط حلبة صراع ومناطق نزاع وللتضحية بها وسهلة المنال استمرت حتى بعد الحربين الكونيتين .

بعد أن استجدت واستحدثت مفاهيم ارتفعت إلى السطح فرضتها الحالة مع بداية منتصف القرن العشرين في الحضارة العالمية تطابق الوضع الجديد في منطقتنا كالاستقلال والتحرر وحقوق الإنسان وما إلى ذلك وبعد أن صار التواصل العالمي أكثر سهولة وميال للاستغناء عن طرق النقل البري الذي كان يعبر من خلال هذه الأراضي القديمة وظهرت بدائل اقل كلفة وأسهل وظهرت إلى السطح قوى جديدة على أنقاض القديمة التي كانت تفرض هيمنتها على العالم استحدثت مبررات إضافية جديدة للصراع في نفس المنطقة وتحولت الأدوات من أجنبية بينهم إلى محلية تخدم في محصلتها نفس غايات الصراع الأجنبي أيضا فأصبحنا بتوجيه الأجنبي نتقاتل بيننا وعلى أرضنا وأدواتنا أبناء شعبنا وأموالنا وقدراتنا ودمائنا والمنتفع الحقيقي الأكبر هو الأجنبي ولسنا معنيين بما يحصل اليوم في سوريا أو الشام عموما ومن الجهات الداعمة لما يحصل هناك بقدر عنايتنا بالشأن العراقي الآن فالصراع بين العراقيين ولكن المنتفع منه الأجنبي فبعد أن أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية نظام القبضة الحديدية السابق عام 2003 بغض النظر عن الأسباب والدوافع وحقيقية كانت أم مفتعلة أسست على أنقاضه وفق دستور جديد (اختاروه لنا وصوتنا عليه بالموافقة) رسخته في البلاد لنظام هلامي غير مستقر لا يستطيع أن يأخذ شكلا واضحا تحت ذريعة كبيرة نشك في مصداقيته وما أجملها لو كانت حقيقة أسموها النظام الديمقراطي فاستقطبت من كانوا قبل الغزو أو التحرير أو الاحتلال (سمه ما شئت) ممن كانوا يسمونهم معارضة ليحكموا العراق تحت ذلك العنوان وجعلت منهم نحل وملل متفقة في بعض عقائدها ومختلفة في أخرى كمسببات للصراع ودعمت كل واحد منهم بأسلوب مختلف عن الآخر وليس مهم أن كانوا يعرفون هذا أم لا فهم في مواقع قيادة البلد والله اعلم إلى أي اتجاه هم سائرون به وجعلتهم متفاهمين متعاونين في جلساتهم الخاصة وفي إطاعة أوامرها ومختلفين ومتصارعين أمام العامة من أبناء الشعب وأيضا اعدوا البسطاء أو المنتفعين أدوات إضافية للصراع أي أنهم أسسوا شبكات أخرى أخطبوطية للصراع والاقتتال البيني وطبعا يبقى الخاسر الأكبر هو الشعب فالزعامات في حماية تامة بعيدا عن متناول اليد إلا من تعثر حضه وأصبح فريسة وأصابه القتل كما إن الدول المتصارعة صاحبة الإرادة والمنتفع أيضا لا يطالها من نار الاقتتال شيء لبعدها ومنعتها إلا أنها تنتفع من خيرات هذا البلد وهذا طبعا السر في الصراع أي إن العامل الاقتصادي هو السبب المباشر الرئيس من كل ما يحصل من أحداث الآن وفي المستقبل وهذا ليس سرا يعلن الآن إلى الملأ كما لا يخفى على احد إن مجموعة من مخابرات دول معروفة لسنا بحاجة إلى ذكرها وتعداد أسمائها لها تأثيرها الواضح في الشأن العراقي وفي صناعة القرار من خلال من يعمل لها في الداخل ولا نقول بصفة عملاء ابتعادا عن خدش الحياء للبعض بل أصدقاء مقابل تبادل المنفعة فتأمين الحماية والمال مقابل النفوذ السياسي وليس أدل على ذلك ما يحصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الآن في العراق فما تحاوله أمريكا وان كانت قد نجحت إلى حد بعيد من فرض حصار على إيران وتأثيره الواضح على اقتصادها ينعكس على تشكيل الحكومة العراقية لتامين كسر هذا الحصار وقد نجح هذا المسعى في أن يكون العراق كما أعلن مؤخرا من بين الدول ألثمان التي استثنتها أمريكا من التعامل الاقتصادي مع إيران ومصداق هذا ما أعلنه يوم الأحد 4 تشرين الثاني السيد قائد الحرس الثوري الإيراني في احتفاليه متلفزة بمناسبة بدء حزمة العقوبات الأمريكية الثانية إن إيران قد فازت على أمريكا بثلاثة نقاط مقابل صفر ويعني هنا إن إيران فازت بالرئاسات العراقية الثلاثة التي تحتسب سياسيا على خانة إيران من حيث الولاء ومع هذا لم نسمع عن رد من احدهم ليقول أنهم ليسوا من خانة احد إنما هم من خانة العراق والعراق فقط مع علمنا المسبق بأنهم يحملون جنسيات دول أجنبية غير العراق.

إذن ورغم إننا كشعب تكشفت لنا غايات غيرنا وأهدافه في بلادنا لا نوافق على أن نستمر بالتضحية في كل شيء من خلال استمرار الآخرين في قيادتنا باتجاهات تخدم مصالحهم على حسابنا وربما في الغد ستتغير القوى المتصارعة وستتغير وجوه أدواتهم ونحن لا نستطيع الانفلات من قبضتهم وهذا لا يتحقق إلا بإرادة الشعب العراقي فهو وحده صاحب القدرة على التغير وإنقاذ نفسه من براثن المتربصين له والخانعين لهم .

وفق هذا الفهم فان الجميع يعلم إن موقع العراق طبعا لا ولن يتغير ولكنه سيبقى هدف لكل القوى العالمية والإقليمية الطامعة في السيطرة على ثرواته البشرية الهائلة في قدراتها وإمكانياتها وتأثيراتها وعلى ثرواته المادية وعلى عمقه التاريخي وعلى إبداعه العلمي والأدبي والفني وعلى قدرته في الانطلاق إلى من حوله والتأثير الايجابي به ويدرك الجميع إن من يضمن السيطرة عليه يستطيع النفاذ إلى ما وراءه فالعراق دائما وسيبقى إلى الأبد بكل هذه الإمكانيات وان تعرض إلى الغزو والاحتلال يوما وان يكبو به جواده فلابد أن ينهض ويعود إلى وضعه الطبيعي حتى لو تأخر هذا اليوم إلى بعد حين .

لا تعليقات

اترك رد