الحمار في الحياة و السياسة والأدب

 

مقدمة :
يعامل الحمار بقسوة بالغة واحتقار في الحياة الريفية العامة رغم أنه صاحب الخدمات الجليلة على الإنسان والبيئة المحيطة . وقد تعرض الحمار لشتى صنوف الاضطهاد والتعذيب على مر العصور وحيكت حوله القصص والروايات رغم أنه حيوان مسالم خدوم لا يعتدي على أحد وهو من الوفاء بحيث لا يتخلى عن أصحابه بسهولة وكثيرا ما بيعت الحمير ثم عادت إلى أصحابها سيرا على الأقدام . واعتبر الإنسان قدرة الحمار على الصمت والتحمل غباء وصار اسمه على مرّ العصور رمزا للتخلف والغباء وقلة الذكاء رغم أنه غير ذلك تماما ورغم اساءة معاملة الحمار من الأيام القديمة وحتى اليوم بقي الحمار رفيق الانسان الوفي يخدمه بحرص وعناية رغم أنه لا يكلفه شيئا . ونحن على ندري على وجه الدقة السبب الذي يقف خلف اعتبار لفظة الحمار شتيمة ولؤم ودليل تخلف رغم أنه غير كذلك .
قصص الحمير الناطقة :
حمارة بلعام : وقد ورد ذكرها في العهد القديم حيث تذكر الحكاية : الاسرائيليون على استعداد تقريبا لدخول ارض كنعان.‏ وبالاق،‏ ملك موآب ،‏ يخاف من الاسرائيليين.‏ فيرسل في طلب رجل ماكر يدعى بلعام ليأتي ويلعن الاسرائيليين.‏ ويعد بالاق بإعطاء بلعام مالا كثيرا،‏ فيركب بلعام على حمارته وينطلق في طريقه لرؤية بالاق.‏
لا يريد يهوه ان يلعن بلعام شعبه.‏ فيرسل ملاكا لديه سيف طويل ليقف في الطريق ويوقف بلعام.‏ ولا يتمكن بلعام من رؤية الملاك،‏ لكنّ حمارته تتمكن من ذلك.‏ فتحاول الحمارة تكرارا ان تميل من قدام الملاك،‏ وأخيرا تربض في الطريق.‏ فيغضب بلعام جدا،‏ ويضرب حمارته بقضيب.‏ ثم يجعل يهوه بلعام يسمع حمارته تكلمه:‏ “ماذا صنعتُ بكَ حتى ضربتني؟‏” تسأل الحمارة.‏
‏”جعلتِني ابدو كأحمق” يقول بلعام.‏ “لو كان لديَّ سيف لكنت قد قتلتكِ!”
‏”هل عاملتكَ مرة هكذا من قبل؟‏” تسأل الحمارة.‏
‏”كلا” يجيب بلعام.‏
ثم يدع يهوه بلعام يرى الملاك مع السيف واقفا في الطريق.‏ فيقول الملاك:‏ “لماذا ضربتَ حمارتك؟‏ فقد اتيتُ لاسدَّ طريقك اذ لا يجب ان تذهب لتلعن اسرائيل.‏ ولو لم تمل حمارتك من قدامي لكنت قد قتلتك ولما آذيت حمارتك.‏”
فيقول بلعام:‏ “لقد أخطأت.‏ لم اعرف انك واقف في الطريق.‏” ويسمح الملاك لبلعام بالذهاب،‏ فينطلق بلعام لرؤية بالاق.‏ ومع ذلك يحاول ان يلعن اسرائيل،‏ ولكن عوضا عن ذلك يجعله يهوه يبارك اسرائيل ثلاث مرات.‏
)عدد ٢١:‏٢١-‏٣٥؛‏ ٢٢:‏١-‏٤٠؛‏ ٢٣:‏١-‏٣٠؛‏ ٢٤:‏١-‏٢٥‏.‏)
“يعفور “حمار الرسول العربي (ص):
يروى عن أبن منظور : لما فتح اللهُ على نبيهِ صلى اللهُ عليه وسلم خيبرَ؛ أصابهُ من سهمهِ أربعةُ أزواج نعال ، وأربعةُ أزاوج خفاف ، وعشرُ أواقي ذهبٍ وفضةٍ ، وحمارٌ أسودٌ . قال : فكلم النبي صلى اللهُ عليه وسلم الحمارَ ، فقال له : ما اسمُك ؟ قال : يزيدُ بنُ شهابٍ ، أخرج اللهُ من نسلِ جدي ستينَ حماراً ، كلهم لم يركبهم إلا نبي ، ولم يبق من نسلِ جدي غيري ، ولا من الأنبياءِ غيرُك ، أتوقعك أن تركبني ، وكنتُ قبلك لرجلٍ من اليهودِ ، وكنتُ أعثرُ به عمداً ، وكان يجيعُ بطني ويضربُ ظهري ، فقال له النبي صلى اللهُ عليه وسلم : قد سميتك يعفوراً ، يا يعفورُ قال : لبيك . قال : أتشتهي الإناث ؟ قال : لا ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يركبه في حاجته ؛ فإذا نزل عنه بعث به إلى بابِ الرجلِ ، فيأتي البابَ فيقرعُهُ برأسهِ ، فإذا خرج إليه صاحبُ الدارِ ؛ أومأ إليه أن أجب رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم . قال : فلما قُبض النبي عليه الصلاة والسلام ؛ جاء إلى بئرٍ كانت لأبي الهيثمِ بنِ التيهان فتردى فيها ، فصارت قبرهُ ؛ جزعاً منه على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم .
حمار يسوع المسيح كما ورد في الكتاب المقدس :
( وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ 2 قَائِلاً لَهُمَا: “اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلاَهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. 3 وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا”4 فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ:
5 قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ(
(متى 1-5)
.

الحمار في القرآن الكريم:
ورد ذكر الحمار في القرآن في خمسة مواضع . يقول تعالى في كتابة العزيز :
(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) “19 سورة لقمان”
(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) “259 سورة البقرة”
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)”5 سورة الجمعة”
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) “سورة النحل” .
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَه )”51-52 سورة المدثر.”
جمعيات الحمير :
الطريف في الأمر أن الكثير من جمعيات الحمير تأسست خلال القرن العشرين في بلادنا ، ولاقت هذه الجمعيات المؤيدين والرواج في الأوساط الشعبية فقد أسس الفنان زكي طليمات أسس عام 1932 في القاهرة “جمعية الحمير المصرية” ووصل عدد أعضائها إلى نحو 35 ألف عضو، والجمعية كانت تمنح العضو الحديث لقب حرحور، وإذا أثبت العضو إخلاصًا في تقديم العمل وبذل الكثير من المجهود، يحصل علي لقب “حامل البردعة”.
انضم للجمعية التي أسسها طليمات ، كل من: عباس محمود العقاد والفنان سيد بدير والفنانة نادية لطفي والفنان التشكيلي سيف وانلي ، وكان من أهم أهدافها: الانتماء للوطن وإنكار الذات ومحو أمية المرأة وفتح العيادات الطبية في الأحياء الشعبية واستصلاح الأراضي البور وتمليكها للشباب.
كما قامت الجمعية بعمل جائزة لأحسن صاحب حمار يحافظ علي صحة حماره وفتح عيادات بيطرية للحمير، والمطالبة بزيادة رقعة الأرض المنزرعة بالبرسيم لتوفير الغذاء للحمير.
وقد أرسل العضو رشدي إسكندر كارت معايدة إلي رئيس الجمعية قائلاً: ” مع خالص نهيقي أيها الحمار العزيز , كل عام وانت بخير” كما كتب المرسي خفاجة الذي تولي رئاسة الجمعية في وقت من الاوقات لزوجته ” السيدة الحمارة حرمنا برجاء تسليم أكفان الموجودة لحامله. مع خالص نهيقي.”
أما في بلاد الشام فقد تأسست عدة جمعيات للحمير كان أبرزها : جمعية الحمير التي أسسها علي الطنطاوي والذي برر وجودها قائلا : “الإنسان يربي كلبا فيفي له ، وحمارا فلا يرفسه ، ويطعم القط فلا يعضه . عجبا ! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان ؟ “.
ولحقتها جمعية حمير القامشلي وجمعية حمير عامودا ونادي الحمير وجمعية الحمير اللبنانية في بيروت وجمعية الحمير الأردنية وجمعية الحمير الفلسطينية .
الحمار في الأدب :
دخل الحمار الأدب من أوسع أبوابه فمن الأدباء من رسم صورة الحمار بإيجابية ومنهم من رسم للحمار صورة سلبية و من الحمير الشهيرة في الأدب يمكن أن نذكر:
حمار توفيق الحكيم :
توفيق الحكيم أديب مصري غني عن التعريف . كان أشهر الأعمال التي كتبها توفيق الحكيم ” حمار الحكيم ” رواية حمار الحكيم ألفها توفيق الحكيم عام 1940 م تمتاز هذه القصة بساطة أسلوبها و تصويرها أحداث واقعية بطريقة لا تخلو من الطرافة و المتعة وذلك من خلال ذكره كيف اشترى حمارا صغيرا من أحد الفلاحين لمجرد أنه أعجب بشكله مع ذكره المواقف الطريفة التي حدثت معه عندما اشترى هذا الحمار الصغير و إقامته في الفندق و إدخال الحمار إلى غرفته من دون أن يشعر أحد بذلك وذلك بعد أن دفع بعض النقود لأحد الخدم و ركز توفيق الحكيم في روايته على ذكر أحوال الريف المصري و ما فيه من الفقر و قلة الاهتمام بأمور الصحة و النظافة عند أهل الريف فهم بحاجة إلى توعية و إرشاد و قارن توفيق الحكيم في روايته بين الريفي المصري و الريفي الفرنسي و ذلك حتى يبين لرفيقه الفرنسي أسباب تدني وضع الريف و قد تأمل توفيق الحكيم أن يتحسن الوضع مع مرور الوقت ذلك من خلال تحسين وضع المرأة الريفية و بين توفيق الحكيم في نهاية الفرق بين المخرج السينمائي و كاتب الرواية بطريقة مبسطة و سهلة و مقنعة بالإضافة للوصف الرمزي لموت حماره الصغير .
يمتاز أسلوب توفيق الحكيم في روايته ببساطة أسلوبه و استخدامه العبارات بالعامية المصرية خاصة عندما يقوم بالحوار من أجل أن يبين طرافة المواقف التي يقع فيها.
وقد كتب توفيق الحكيم عددا من القصص عن الحمير لا تخلو من الطرافة والحكمة والموعظة الحسنة كان على رأسها : ” الحمير” و” الحمار يؤلف” و ” الحمار يفكر” و”سوق الحمير ” .
حمار أحمد شوقي :
هناك خصومة واضحة بين أحمد شوقي والحمير إذ انتقدها شديد الانتقاد وعمّر من السخرية منها قصورا وأبراجا تصل السماء . يقول شوقي في حديثه عن أحد الحمير:

سقط الحمار من السفينة في الد    فبكى الرفاق لفقده وترحموا
حتى إذا طلع الصباح أتت به        نحو السفينة موجة تتقدمُ
قالت خذوه كما اتاني سالما          لم ابتلعه فانه لا يهضمُ

وفي قصيدة أخرى يمقت الحمير ويصفها بالغباء المتوارث:

وأومـأ الحمـار بالعقـيـرة            يريـد أن يشـرف العشيـرة
فقال: باسـم خالـق الشعيـر         وباعث العصا إلـى الحميـر
فأزعج الصوت ولـي العهـد        فمات من رعدته فـي المهـد
فحمل القـوم علـى الحمـار         بجملـة الأنيـاب والأظفـار
وانتـدب الثعلـب للتأبـيـن           فقال في التعريض بالمسكيـن
لا جعـل الله لــه قــرارا           عاش حمارا ومضـى حمـارا

حمار جورج أورويل:
يعد جورج أورويل من مجموعة كتاب المستقبليات والخيال العلمي والاسقاط السياسي على الواقع المعاش وهو من كتب رواية “1984” بأبعادها السياسية وتنبؤاتها المختلفة وهو أيضا من كتب ” مزرعة الحيوان ” بشخصياتها الكثيرة وطباعها المختلفة التي نصادفها في الحياة اليومية . وقد كان الحمار بنيامين من الشخصيات الهامة جدا في مزرعة الحيوان. بنيامين حمار عجوز حكيم لا يُظهر سوى القليل من العواطف و أحد معمري الحيوانات، و يبقى في نهاية الرواية. عادة ما تسأله الحيوانات عن عزوفه عن التعبير إلا أنه دوما يجيب “الحمير تعمر طويلا، و لم ير أحد منكم حمارا ميتا”، كما أن بنيامين يمكنه القراءة مثل أي خنزير، إلا أنه قليلا ما يستعرض قدرته تلك. هو صديق مخلص لبكسر و حزن بشدة عندما أخذ بكسر بعيدا. كان بنيامين يعلم بفساد الخنازير طوال الوقت إلا أنه لم يقل شيئا للحيوانات الأخرى، و هو يمثل المُتهكمين في المجتمع. كما يُحتمل أنه سخرية من المثقفين الذين لديهم من الحكمة ما يساعدهم على تجنب التطهير إلا أنهم لا يأخذون أي مواقف، مثل السلميين الذين كره أورويل بمسلكهم. كما يحتمل أن بنيامين هو أورويل ذاته ، فبنيامين يمكن رؤيته على أنهم الذين عاشوا أثناء طغيان قيصر و شهدوا عقم إمكانية تحقق اليوتوبيا التي يُبشِّر بعض الناس .
حمار يحيى حقي:
يعترف الكاتب المصري يحيى حقي أنه وجد السعادة المطلقة مع الحمير في كتابه الساخر الجميل” وجدت سعادتي مع الحمير ” حيث يصفها ويصنفها وركوبها وعلاقة البشر بها، فالبشر هم الذين يملكون الحمير ويستخدمونها ويرعونها ويعذبونها..  يصف يحيى حقي كل ذلك وصفا فاتنا ويتحول إلى سجل مؤثر لعواطف إنسان كبير وفنان فائق الحس إزاء هذا الحيوان المغلوب على أمره المتهم بالغباء المكلف بأن يحمل البشر والمتاع والسباخ ، ولا يناله من هذا كله سوى الإيذاء الوحشي والنزر اليسير من الطعام والراحة .
يقول يحيى حقي في وصف الحمار: ” لم أر كالحمار حيوانا تحس أنه أدرك أنه أسقط في يده ، أنه ام يقبل قدره عن عمى وغفلة او تدليس عليه ،بل عن بصيرة وفهم بعد أن وازن بين حيلته وقدرة ظالمه وقاده ذكاؤه العملي إلى الاقتناع بأن كل أمل قد مات ، وأن لا فائدة ترتجى من الثورة أو اللجاجة أو العناد فوضع إرادته وغرامه وبهجته ومرحه وحبه للعب و العبث في حرز مكتوم في قلبه وأحنى رأسه وأذنيه وسبل ظهره ،واستسلم بلا قيد أو شرط.”
ثم يمضى يحيى حقي الفنان الفائق الحس في بساطة رائعة فيسجل بعضا من أحوال الحيوانات الأخرى ويقارنها بأحوال الحمار . يقول : للبقرة عين غارقة في احلام لذيذة ، وللجمل عين ترقب الدنيا من عل بتوجس وغضب مكتوم كأنما يخشى ان تلحق بكبريائه إهانة على يد حقراء ، وللحصان عين تنم عن الخيلاء والنبل والذكاء ، تعكس الضوء بالليل فتتقد كالياقوتة الحرة وللتيس عين فيها العناد كله وإضمار الخبث و المؤامرات، وللجاموسة عين منطفئة لا تنبعث منها الحياة أو إرادة إلا وهى أم ترضع طفلها فينعقد سباتها على الحنان. لم ار جاموسة تنطق بمعنى إلا مرة واحدة لاأزال أذكرها كانت تسير تبرطش في الطريق وتخلف عنها وليدها فوقفت وأدارت رأسها إلى الخلف ونادته إليها بخوار غليظ…
أما الحمار فإن عينه ذليلة حزينة تكاد تترقرق فيها الدموع …بل يخيل إلى في بعض الأحيان أنها(معمصة) كعيون الأطفال بعد بكاء ، أهذا هو سر نهيقه ؟ ليس في صوت حيوان أخر مثل هذه الحرقة والتفجع والمرارة ،إنها صرخة عذاب واستغاثة وإشهاد للناس في نوبة متفجرة من بكاء بلا دموع تمزق الهواء ثم تذوب كأنها لم تكن …
ثم تمضى عين يحيى حقي الثاقبة المحيطة فتسجل المزيد من أحوال الحمير، ويلتقط صورة بالغة الرقة فيتحدث عن خرابة لها سور خشبي غير مرتفع يطلق فيها أحد جيرانه حماره عند الغروب لاحظ الفنان العطوف حمارا ثانيا يأتي كل ليلة من بيت في الطرف الآخر يسير الهوينى وكأنه يتنزه ثم يقف جنب زميله وبعد معابثة خفيفة بالأسنان يمد الاثنان رأسيهما خارج الحاجز كما يفعل المطل من النوافذ ويلبثان هكذا برهة ينظران للطريق والمارة ثم يمضى كل منهما إلى حاله..
كما يصنف الحمير إلى درجات من حمار السباخ وحمار الأجرة وحمار الفلاح إلى الحمار الذى يملكه الأعيان وأصحاب الأطيان الذى يأتي على رأس قائمة الحمير.
حمار جحا
عندما وصف عباس العقاد جحا بأنه الضاحك المضحك لم يكن مخطئا لأن جحا وحكاياته الشهيرة مع حماره كانت قصصا واقعية من الحياة و طرائف جحا التي لا تنتهى في اطار كوميدي مضحك و مسلى و في نهاية كل قصة نجد فكاهة جميلة و احيانا عبرة عظيمة لا تخلو من الضحك أو السخرية أو النقد المباشر أو غير المباشر .
يحكى أن جحا في يوم من الأيام أراد أن يشترى حمارا فذهب إلى السوق حتى توقف عند حمار اعجبه شكلة كثيرا فسأل صحابة بعد جدال على الثمن و أخرج جحا كل ما بجيبة قائلا : هذا كل ما معي الأن فإما ان تبيعني الحمار الأن أو أنصرف لحالي وأخيرا وافق الرجل . و مشى جحا يجر الحمار خلفة سعيدا فرأه اثنان من اللصوص اتفقا على سرقة الحمار تسلل أحدهما بسرعة و فك ربطة الحبل من على رقبة الحمار دون ان يشعر جحا بأي شيء و بدلا من الحمار ربط اللص رقبته بالحبل كل ذلك و جحا لا يشعر بما يحدث مشى اللص خلف جحا بينما اللص الآخر بالحمار و كان المارة من الناس يرون ما يحدث متعجبين لهذا المنظر و يضحكون من جحا الذى يجر رجلا خلفة من رقبته بدلا من الحمار وجحا يتعجب في نفسة و يقول لعل تعجبهم و ضحكهم بسبب شدة اعجابكم بحماري و إلا فلماذا يضحك هؤلاء الناس و ينظرون إلي هكذا . يبدو أنهم معجبون بحماري وشكله الجميل .
لما وصل جحا الى البيت التفت خلقه إلى الحمار فرأى الرجل و الحبل في رقبته فتعجب جحا و سأله من أنت فتوقف اللص باكيا و أخذ يسمع دموعه في مشهد تمثيلي و قال : يا سيدى أنا رجل جاهل أغضبت أمي فدعت على وطلبت من الله ان يمسخني حمارا فاستجاب الله دعاءها و لما رأى أخي الكبير ذلك أراد أن يتخلص مني فعرضني في السوق للبيع و جئت انت يا سيدى و اشتريتني و ببركتك رجعت الى هيئتي الأصلية إنسانا كما كنت فشكرا لك يا سيدي و أخذ اللص يقبل يد جحا شاكرا إياه فصدقه جحا الأحمق و اطلقه بعد أن نصحه أن يطيع أمه و أن لا يغضبها أبدا في المرة المقبلة و يطلب منها الصفح و الدعاء .
وفى اليوم التالي توجه جحا الى السوق ليشتري حمارا جديدا فرأى الحمار نفسة و قد عرفه و اقترب جحا من الحمار و همس في أذنيه قائلا : من الواضح أنك لم تسمع كلامي و أغضبت أمك مرة ثانية فدعت عليك والله لن اشتريك ابدا .
حمار جبران خليل جبران :
أراد “جبران خليل جبران ” أن يوصل معنى من خلال حوار فلسفي خيالي بين حمارين ( الحفيد والجد ) .
حيث مر كلاهما فوق جسر أنطاكيا ، فوجدا حجراً مكتوباً عليه : ” هذا ما بناه الملك الروماني فلان ” .
فدار حوار بين الحمارين عرف فيه الحمار الحفيد أن الذي نقل أحجار الجسر هم أجداده الحمير. فوجه سؤاله للحمار الجد :  “لماذا لم يكتبوا هذا ما بناه حمير أنطاكيا؟ ” وهذا معنى فلسفي عميق يستحق الوقوف عنده حيث تخيل الحمار الحفيد أن مجرد مشاركة أجداده الحمير في بناء صرح الملك الروماني يستوجب تكريمهم وكتابة اسمهم بجوار الملك . وحمل سؤاله تعجباً واستنكاراً لإهمال ذكر الحمير برغم ما بذلوه من مجهود وما تكبدوه من عناء برغم دورهم المحوري في بناء صرح الملك . لكن الواقع يقول : إن الحمير مسلوبة الإرادة فاقدة الوعي تسير وفق أهداف يضعها قائدها ، فهي في المحصلة مُسَّخَّرة لتنفيذ ما يُراد لها لا ما تريده هي.
المسألة مسألة امتلاك الوعي والإرادة قبل أن تكون مسألة توفر القوة والعدد والعتاد.
فإذا كان الجمل على ضخامته وقوته يستطيع طفل صغير أن يروضه ويوجهه ، فهذا طبيعي رغم فارق الحجم والقوة لأن الطفل هنا هو صاحب الإرادة والهدف ، والجمل مجرد أداة سُخْرَة. وبغض النظر عما قد ينتفع به الحمير من بعض عطايا الملك وما قد يتميز به الحمير ذوو الحيثيات الخاصة . تقوم السياسة الثابتة للملك على سلب الإرادة والوعي عن الحمير بواسطة دعامتين أساسيتين هما : “التجهيل والإلهاء .” فالثور يتم تجهيله بإغماض عينيه وتركه يدور في الساقية بحركة دائرية عبثية بُغية رفع الماء حيث يريد مُسَّخِره . ويتم إلهاؤه بالمنديل الأحمر في حلبة مصارعة الثيران في اسبانيا مثلا وبينما هو يَتَلَهى بمتابعة الهدف الوهمي تنغرس السهام في رقبته حتى يَخِر صريعاً وسط صيحات الانتصار من مُسَّخِرِه .
ومازالت تلك القصة تتكرر وتتعدد أشكالها في الأزمان والأماكن .
حمار جورج برناردشو :
لا يحب الكاتب الايرلندي الساخر الحمير ويعتبرها قبيحة وغبية في جمع مقولاته الشهيرة وخاصة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
لقد ذكر الكاتب الايرلندي الشهير جورج برناردشو حكاية ذات مغزى ومعنى خطير بعد انفجار الوضع بين مصر وبريطانيا قبل إبرام معاهدة الجلاء مباشرة في عام 1954.
وبصرف النظر عن نية برناردشو من تلك المقولة التي سنوردها بغض النظر عن النوايا المضمرة للكاتب الساخر حيث قال : ” إن وضع الدول العربية في الشرق الأوسط بعد ثوراتها يماثل تماماً وضع الغابة بعد نشوب حريق بها.
فحريق الغابة لا تنجو منه الأسود والنمور التي لا تستطيع الاختباء في الجحور وترفض ترك غابتها بسهولة في نفس الوقت الذي تتمكن فيه الحيوانات الأخرى من الهرب والفرار.
فبعد أن يخمد حريق الغابة لا يتبقى بها أسد ولا نمر كي يحكم . فيحكم أقوى حيوانات الغابة حينئذٍ وهو الذئب. ولأن الذئب حيوان شديد الشراسة وشديد الاندفاع بشراسته . يتخذ الثعلب نائباً له لما يتميز به الثعلب من الذكاء والخديعة والقدرة على المراوغة كي يكمل ما ينقص الذئب , وحيث أن الثعلب حيوان أقل حجماً وأضعف قوةً من الذئب فلن يخشى الذئب أن ينقلب عليه.
وبعد أن يموت الذئب يحكم الثعلب و الثعلب برغم أنه حيوان صغير الحجم وضعيف الجسم , إلا أنه لا يعين نائباً قوياً له لعدم حاجته له , حيث أنه بذكائه ودهائه يستطيع أن يروض ويسخر من أقوى منه لخدمته.
ولكن الثعلب لصغر حجمه يحتاج إلى نائب غبي من نوع خاص يستخدمه كركوبة للتجول به في الغابة فيختار الحمار نائباً له , والذي ينحصر كل دوره في حمل الثعلب على ظهره.
وبعد أن يموت الثعلب يحكم الحمار مدى الحياة.”
وهناك مئات الأقوال المأثورة الضاحكة عن جورج برناردشو وصور الحمير في الحياة والسياسة والأدب فهو القائل ” السرج الذهبي لا يجعل من الحمار حصانا .” وهو القائل ” المرآة لا يمكن أن تحول الحمار إلى ملاك .” وهو القائل ” ليس هناك فرق كبير بين الحمير الناهقة والحمير الناطقة” .وهو القائل أيضا :” في ديموقراطية الجهل ، الحمير هي من يحدد مصيرك .”
حمار عزيز نيسين :
يحب الكاتب التركي عزيز نيسين الحمير كثيرا واستخدمها كشخصية وسيطة تظهر غباء الإنسان وأنانيته وفضح الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في المجتمع وكتب العديد من القصص والروايات عن الحمير وحكاياتها مع بني جنسها ومع الإنسان . لقد أراد عزيز نيسين أن يوصل رسالته الساخرة للإنسانية من خلال شخصية الحمار الذي يتحمل الأعباء والأوزار ويعاني الكثير من قلة الاحترام من المحيط الحيوي الذي يعيش فيه . ومن الأعمال التي تناولت الحمير في أعمال عزيز نيسين يمكن أن نذكر التالية : ” الحمار الميت ” و” آه منا معشر الحمير ” و”خصيصا للحمار” وهي أعمال في غاية الروعة ويتجلى فيها حس نيسين الساخر وروعة التقنية القصصية والروائية المستخدمة ولطافة الفكرة .
تحتوي رواية ” الحمار الميت ” مجموعة الرسائل التي كتبها الحمار الميت الذي لا يخاف الذئب من الدار الآخرة إلى صديقته ذبابة الحمار الميت في الحياة حيث يسرد نيسين مجموعة رسائل لذبابة يروي فيها تفاصيل موته ونقله إلى المشفى ودفنه وما جرى خلال هذه الرحلة من الدار الأولى إلى الدار الآخرة وما تحتويه من تفاصيل ومفارقات تنتقد أوضاعا اجتماعية لا تمت بصلة لحقوق الإنسان ولا حتى لحقوق الحيوان تجري مجراها في المجتمع التركي . تصنف رواية “الحمار الميت” في قائمة الكوميديا السوداء التي تنتقد أوضاعا مجتمعية وإنسانية بطريقة ساخرة . أما قصة ” آه منا معشر الحمير ” فتروي قصة الألم الإنساني الذي يعيشه الكثير من الناس في المجتمع والألم الذي يسببه التردد وهي قصة تحتوي شخصيات وسيطة تعكس الواقع المعاش في المجتمع التركي . تقول الحكاية :” كنا، نحن معشر الحمير، سابقاً نتحدث بلغة خاصة بنا، أسوة بكم معشر البشر، هذه اللغة كانت جميلة وغنية، ولها وقع موسيقي جذاب كنا نتكلم ونغني . لم نكن ننهق مثلما عليه الحال الآن. لأن النهيق بدأ عندنا فيما بعد، وتعلمون أن جميع حاجاتنا ورغباتنا وحتى عواطفنا، نعبر عنها الآن بالنهيق.
ولكن ما هو النهيق؟ هاق، هاق.
هو عبارة عن مقطعين صوتيين، أحدهما غليظ وثخين، والآخر رفيع، يصدران الواحد إثر الآخر.
هذا هو النهيق.. الذي بقي في لغتنا ، لغة الحمرنة، لكن كيف تغيرت هذه اللغة حتى أصبحت بهذا الشكل؟
ألا يهمك معرفة هذه الحكاية وكيف حدثت؟
حسناً إذاً ، بما أنكم تهتمون بذلك، سأرويها لكم باختصار، لجم الخوف ألسنتنا وذهب بعقولنا ، وبسبب الخوف نسبنا للغتنا الحميرية.
في غابر الزمان كان يلهو حمار هرم وحده في الغابة، يغني بعض الأغاني بلغة الحمير ويأكل الأعشاب الغضة الطرية، وبعد فترة من اللهو تناهت إلى منخريه رائحة ذئب قادم، من بعيد. رفع الحمار رأسه عالياً وعبّ الهواء ملء رئتيه وقال: لا يوجد رائحة ذئب، لا، لا ليست رائحة ذئب ، وتابع لهوه قافزاً من مكان إلى آخر، ولكن الرائحة أخذت تزداد كلما دنا الذئب أكثر. هذا يعني أن المنية تقترب.
– قد لا يكون ذئباً، قد لا يكون، ولذلك حاول الحمار الهرم أن يطمئن نفسه، إلا أن الرائحة كانت تزداد باطراد، فلما ازداد الذئب اقتراباً، كانت فرائص الحمار ترتعد رعباً، ومع ذلك كان يحاول إقناع نفسه بأن القادم ليس ذئباً.
-إنه ليس ذئباً، إن شاء الله كذلك، ولم يكون كذلك؟ ومن أين سيأتي وماذا سيفعل؟
وهكذا ظل الحمار الهرم يخدع نفسه، حتى بات يسمع صوتاً غير مستحب، صوت دبيب الذئب القادم.

– إنه ليس ذئباً، لا ليس صوت ذئب، ولا يمكن أن يكون كذلك، وماذا سيعمل الذئب هنا، ولمَ سيأتي؟؟؟
ومع اقتراب الذئب أكثر فأكثر أخذ قلب الحمار يخفق وعيناه ترتجفان، وعندما حدّق عالياً صوب الجبل، رأى ذئباً مندفعاً مخلفاً وراءه سحباً من الغبار.
-آه آه.. آه إنه ذئب، وكنت أحلم بذلك؟ قد يكون خيّل إليّ أن ما أراه ذئب أو كنت أحلم بذلك.
وبعد فترة ليست طويلة رأى ذباً قادماً من بين الأشجار، مرة ثانية حاول أن يطمئن نفسه قائلاً:
-أتمنى أن لا يكون ما أراه ذئباً، إن شاء الله لن يكون كذلك، ألم يجد هذا اللعين مكاناً آخر غير هذا المكان؟ لقد أصاب الوهن عيني، لذلك أخذت أرى هذا الشيء ذئباً قادماً.
تقلصت المسافة بينه وبين الذئب حتى أصبحت خمسين متراً. أيضاً حاول طمأنة نفسه قائلاً: إن شاء الله أن يكون ما أراه ليس ذئباً، قد يكون حملاً أو فيلاً أو أي شيء آخر. ولكن لمَ أرى كلّ شيء بهيئة ذئب؟
-أعرف تماماً أن ما أراه ليس ذئباً ، ولكن لمَ لا أبتعد قليلاً.
أخذ الحمار الهرم يبتعد قليلاً ناظراً إلى الوراء، أما الذئب فقد اقترب منه فاغراً فاه.
-حتى لو كان القادم ذئباً ماذا سيحصل… لا، لا لن يكون ذئباً، ولكن لم ترتعد فرائصي؟
جهد الحمار الهرم أن تكون خطواته أسرع، حتى بات يركض بأقصى سرعة أمام الذئب المندفع.
-آه كم أنا أحمق فقد صرت أظن القطّ ذئباً وأركض هكذا كالمعتوه، لا ليس ذئباً… زاد الحمار من سرعته حتى أخذت ساقاه ترتطمان ببطنه ومع ذلك استمر في خداع نفسه قائلاً: حتى لو كان الذي أراه ذئباً ، فهو ليس كذلك، إن شاء الله لن يكون كذلك.
نظر الحمار الهرم وراءه فرأى عيني الذئب تشعان وتطلقان سهاماً نارية، وتابع ركضه مطمئناً نفسه بقوله: لا ، لا يمكن أن يكون ذئباً.

نظر الحمار خلفه عندما شعر بأنف الذئب يلامس ظهره المبلل، فوجده فاغراً فمه فوق ظهره.
حاول الركض إلا أنه لم يستطع ذلك لأن قواه خانته، فأصبح عاجزاً عن الحراك تحت ثقل الذئب، ولكي لا يراه فقد عمد على إغلاق عينيه وقال: أعرف تماماً أنك لست ذئباً. لا تدغدغ مؤخرتي إني لا أحب مزاح اليد.
غرز الذئب الجائع أسنانه في ظهر الحمار الهرم، ونهش منه قطعة كبيرة، ومن حلاوة الروح، كما يقولون، ارتبط لسان الحمار ونسي لغته.
-آه آه إنه ذئب آه، هو آه هو…….
تابع الذئب النهش من لحم الحمار الهرم ذي اللسان المربوط، حيث لا يصدر منه سوى آه هو … هاق …. هاق.
منذ ذاك اليوم نسينا أيها السادة ، ولم نستطع التعبير عن رغباتنا وأفكارنا إلا بالنهيق.
ولو أن ذاك الحمار لم يخدع نفسه، لكنا نجيد الحديث بلغتنا إلى الآن. ولكن ماذا أقول آه منا نحن معشر الحمير.. هاق … هاق …
الحمير في السياسة :
لم يخلو الأدب من السخرية السياسية والتوظيف السياسي لشخصية الحمار وقد استخدم الأدباء الحمير للنيل من السياسيين وتمرير الرسائل التي يريدونها من خلال شخصية الحمار التاريخية . وسأورد هنا قصة “وسام الحمار” للأديب التركي عزيز نيسين الذي كان بحق أكثر من وظف شخصية الحمار للسخرية من سلبيات ونقائص المجتمع التركي من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية . تروي الحكاية قصة وسام الحمار الذي يرى نفسه في نفس المرتبة السياسية مثل كل الحيوانات الأخرى . لنقرأ القصة كما رواها عزيز نيسين :
جاءت بقرة الي باب قصر السلطان راكضة ، وقالت لرئيس البوابين : أخبروا السلطان بأن بقرة تريد مقابلته.
أرادوا صرفها، فبدأت تخور، لا أخطو خطوة واحدة من أمام الباب قبل أن أواجه السلطان.
أرسل رئيس البوابين للسلطان يقول: مولانا، بقرة من رعيتكم تسأل المثول أمامكم.
أجاب السلطان: لتأتِ لنرى بأية حال هي هذه البقرة.
قالت البقرة: مولاي، سمعت بأنك توزع أوسمة، أريد وساماً.
فصرخ السلطان: بأي حق؟ و ماذا قدمت؟ ما نفعك للوطن حتى نعطيك وساماً؟
قالت البقرة: إذا لم أعط أنا وساماً فمن يعطى؟!،
تأكلون لحمي، و تشربون حليبي، و تلبسون جلدي، حتى روثي لا تتركونه، بل تستعملونه، فمن أجل وسام من التنك ماذا عليّ أن أعمل أيضا؟!
وجد السلطان الحق في طلب البقرة، فأعطاها وساماً من المرتبة الثانية.
علقت البقرة الوسام في رقبتها، و بينما هي عائدة من القصر، ترقص فرحاً التقت البغل، و دار بينهما الحديث:
مرحباً يا أختي البقرة.
مرحبا يا أخي البغل.
ما كل هذا الإنشراح؟ من أين أنت قادمة؟
شرحت البقرة كل شيء بالتفصيل، و عندما قالت أنها أخذت وساماُ من السلطان، هاج البغل، و بهياجه و بنعاله الأربعة، ذهب إلى قصر السلطان.
وأخذ يصرُخ بباب القصر: سأواجه مولانا السلطان.
ممنوع.
إلا أنه و بعناده الموروث عن أبيه، حرن و تعاطى على قائميه الخلفيين، أبى التراجع عن باب القصر، نقلوا الصورة إلى السلطان.
فقال: البغل أيضاً من رعيتي، فليأتِ و نرى؟
مَثُل البغل بين يدي السلطان، ألقى سلاماً بغلياً، قبّل اليد و الثوب، ثم قال بأنه يريد وساماً،
فسأله السلطان:
ما الذي قدمته حتى تحصل على وسام؟
فقال البغل : يا مولاي، و من قدم أكثر مما قدمت؟!!!
ألست من يحمل مدافعكم و بنادقكم على ظهره أيام الحرب؟
ألست من يركب أطفالكم و عيالكم ظهره أيام السلم؟
لولاي ما استطعتم فعل شيء.
فأصدر السلطان قراراً، إذ رأى البغل على حق، فقال السلطان: أعطوا مواطني البغل وساماً من المرتبة الأولى،
و بينما كان البغل عائداً من القصر بنعاله الأربعة و هو في حالة فرح قصوى، التقى بالحمار.
قال الحمار: مرحباً يا ابن الأخ.
قال البغل: مرحباً أيها العم، من أين أنت قادم و إلى أين أنت ذاهب؟
حكى له البغل حكايته،
حينها قال الحمار: ما دام الأمر هكذا سأذهب أنا أيضاً إلى سلطاننا وآخذ وساماً، و ركض بنعاله الأربعة إلى القصر،
صاح حراس القصر فيه، لكنهم لم يستطيعوا صده بشكل من الأشكال، فذهبوا إلى السلطان و قالوا له: مواطنكم الحمار يريد المثول بين أيديكم، هلا تفضلتم بقبوله أيها السلطان؟
قال السلطان: ماذا تريد يا مواطننا الحمار؟
فأخبر الحمار السلطان رغبته، فقال السلطان و قد وصلت روحه إلى أنفه: البقرة تنفع الوطن و الرعية بلحمها و حليبها و جلدها و روثها،
وإذا قلت البغل، فإنه يحمل الأحمال على ظهره في الحرب و السلم، وبالتالي فإنه ينفع وطنه،
ماذا قدمت أنت حتى تأتي بحمرنتك و تمثل أمامي دون حياء و تطلب وساماً؟
ما هذا الخلط الذي تخلطه؟
فقال الحمار و هو يتصدر مسرورا ً:
رحماك يا مولاي السلطان، إن أعظم الخدمات هي تلك التي تُقدم إليكم من مستشاريكم الحمير، فلو لم يكن الألوف من الحمير مثلي في مكتبكم، أفكنتم تستطيعون الجلوس على العرش؟!
هل كانت سلطتكم تستمر لولا الحمير؟!
و كذلك لو لم تكن رعيتكم من الحمير، لما بقيت في الحكم يوم واحد.
عندها أيقن السلطان أن الحمار الذي أمامه على حق، ولن يستحق وسام من التنك كغيره، وإنما نفتح له خزائن الاسطبل، ليغرف منها كما يغرف غيره من الحمير .
حقائق تاريخيه عن الحمير :
الحمار العربي قصير العمر بسبب الاجهاد والتعب وسوء التغذية .
الحمار الإسباني له تمثال يخلده ويرتدي البامبرز .
والحمار الإنكليزي له تمثال يطل على هايد بارك .
السلام عند الحمير نهيق وقرع حوافر.
في الغرب ، ثمن ليتر حليب الحمار إلى /40/ يورو. وثمن جبنة الحمير تصل إلى /1000/ يورو .
لا يتضخم ثدي الحمير مع الزمن مثل البقر والماعز بل يظل رشيقا ما عاشت الحمير .
كانت الملكة كليوباترا تستحم بحليب الحمير لما له من فوائد على البشرة ونضارتها.
يعالج حليب الحمير في حالات التسمم ولدغ العقارب وآلام المفاصل والجروح وهو الحليب الأقرب إلى حليب الإنسان ولا يحتاج إلى البسترة لأن البكتريا لا تهاجمه مثل حليب البقر .ويقال أن محفزات المناعة في حليب الحمير مرتفعة ويوجد في جلود الحمير مواد تعالج السرطان .
اليابانيون يستوردون الحمير بسعر /500/ دولار للحمار الواحد.
ميخاس والحمير:
في قرية ميخاس الإسبانية عادات غريبة ، إذ أن اقتصاد ميخاس يقوم على الحمير وفي مدخل المدينة الصغيرة يستقبلك تمثال مهيب للحمار. يزور السائحون هذه المدينة الجبلية الصغير للاستمتاع بركوب الحمير الضخمة التي تعادل البغال في الحجم ويتجولون في الطبيعة الجبلية للريف الاسباني . أما ذوو الأوزان الضخمة فلا يسمح لهم بركوب الحمير في ميخاس لأن ذلك يسيء للحمير وعليهم ركوب العربات التي تجرها الحمير ولها كراج رسمي ورقم تسجيل لكل حمار في البلدية وقد فرضت بلدية المدينة الصغيرة على مالكي الحمير أن يضعوا لكل حمار بامبرز خاص لمنع تلويث الشوارع بروثها .
الحمار في آداب الشعوب الأخرى :
استخدمت آداب شعوب العالم الحمار مادة لإلقاء موعظة أخلاقية أو فلسفية على الإنسان أو تلقينه حكمة معينة. وعلى مدى عشرين قرناً تعددت أشكال ظهور الحمار في الأدب، فحضر في عشرات الأعمال التي خرجت من بيئتها المحلية إلى العالمية، لتصبح جزءاً مهماً من التراث الثقافي للإنسانية. “الحمار الذهبي” أقدم رواية في التاريخ: رواية “الحمار الذهبي” تعدّ أقدم رواية في التاريخ كتبها “لوكيوس أبوليوس” في القرن الثاني الميلادي. تحكي هذه الرواية المستمدة من أصل يوناني قصة رجل يتحول بفعل السحر إلى حمار. صاغها المؤلف بصيغة المتحدث وكأنها مذكرات. وإذا كان المؤرخون قد أولوا هذه الرواية أهمية كبيرة لجانبها التاريخي والفلسفي فإن حيزاً كبيراً من قيمتها الأدبية يتمثل في قدرة الكاتب على تقمص شخصية الحمار وتصوير حياته وما يعانيه على أيدي البشر الذين تعاقبوا على امتلاكه ما بين واحد اشتراه ولصوص سرقوه. فكتب في هذا الإطار صفحات مؤثرة عن الظلم والقسوة.
وهناك حمار كليلة ودمنة خلال القرن الثامن الميلادي ويتضمن هذا الكتاب مجموعة حكايات أبطالها من الحيوانات البرية والداجنة الذين يتفاعلون فيما بينهم وكأنهم من البشر، وتهدف كل حكاية إلى إلقاء موعظة أو استخلاص حكمة معينة، ولذا سميت كل حكاية مثلاً. وفي مَثَلِ الأسد وابن آوى والحمار، يظهر هذا الأخير بصفتين: المظلوم والأحمق
غير أن ذروة الأدب الذي أنسن الحمار لإلقاء المواعظ والحكم كانت في أعمال الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين الذي كتب ثلاث مجموعات من الحكايات الشعرية عرف كيف يسخِّر فيها الحيوانات لتوجيه أقسى أنواع النقد لأحوال المجتمع الفرنسي وقيمه وعاداته آنذاك. ويظهر الحمار في أعمال لافونتين في أشكال عديدة. فهو مرة ضحية عاجزة ومرة حكيما وأحيانا معتد بنفسه بغباء أو جبان واحمق.
حمار فيكتور هوغو يواجه كنط: في القرن التاسع عشر، حضر الحمار على أقرب مسافة من الفلسفة، إذ أجلسه الأديب الفرنسي فيكتور هوغو في مواجهة الفيلسوف عمانوئيل كنط. أمضى هوغو مدة طويلة من الزمن في كتابة قصيدته المسماة: الحمار. وفي هذه القصيدة نستمع إلى حمار يدعى باسيانسpatience أي صبر بالفرنسية يحاور على مدى خمس وستين صفحة الفيلسوف كنط، الذي كانت مكانته الفكرية في ذروتها آنذاك. يرسم الحمار في هذه القصيدة من خلال مرافعته العنيفة والانفعالية صورة للإنسان الميؤوس منه . ولا يجد عذراً وجيهاً يسوِّغ تصرفات هذا الإنسان. فيقول إن العلم ينحني أمام السياسة. ويتحدث عن إحراق العالمين جيوردانو برونو وكامبانيلا بدلاً من الاستماع إلى استجوابهما، ويشير إلى غاليليو الذي تنكر ليقينه العلمي خوفاً من المصير نفسه. ولا يجد الفيلسوف كنط أية حجة عقلانية يقارع بها مرافعة الحمار الانفعالية فيعلن في نهاية القصيدة اقتناعه بصواب آراء الحمار ويعبِّر عن قلقه من صورة الإنسان: عالِمٌ ولكنه خبيث، جبانٌ أمام الكبار ، ولكنه من دون رحمة أمام المساكين.
سأبقى حمار ابن حمار
كان يا مكان في أحد الاسطبلات العربية معشر من الحمير وذات يوم أضرب حمار عن الطعام مدة من الزمن فضعف جسده وتهدلت أذناه وكاد جسده يقع على الأرض من الوهن . أدرك الحمار الأب أن وضع ابنه يتدهور كل يوم وأراد أن يفهم حالته وسبب ضعفه .
أتاه الحمار الوالد على انفراد يستطلع حالته النفسية والصحية التي تزداد تدهورا.
قال له : ما بك يا بني؟ لقد أحضرت لك أفضل أنواع الشعير. وأنت لاتزال رافضا أن تأكل. أخبرني ما بك؟ ولماذا تفعل ذلك بنفسك؟ هل أزعجك أحد؟
رفع الحمار الابن رأسه وخاطب والده قائلا :نعم يا أبي . إنهم البشر. دُهش الأب الحمار وقال لابنه الصغير :وما بهم البشر يا بني؟
قال له: إنهم يسخرون منا نحن معشر الحمير.
أجاب الأب: وكيف ذلك؟
قال الابن: ألم ترَهم كلما قام أحدهم بفعل مشين يقولون له يا حمار. أنحن حقا كذلك؟
وكلما قام أحد أبنائهم برذيلة يقولون له يا حمار. ويعير الأستاذ الطالب الفاشل قائلا : يا حمار . يصفون أغبياءهم بالحمير ونحن لسنا كذلك يا أبي. إننا نعمل دون كلل أو ملل. ونفهم وندرك ولنا مشاعر.
عندها ارتبك الحمار الأب ولم يعرف كيف يرد على تساؤلات صغيره وهو في هذه الحالة السيئة ولكن سرعان ما حرك أذنيه يمنة ويسرة ثم بدأ يحاور ابنه محاولا إقناعه حسب منطق الحمير. انظر يا بني إنهم معشر خلقهم الله وفضلهم على سائر المخلوقات لكنهم أساؤوا لأنفسهم كثيرا قبل أن يتوجهوا لنا نحن معشر الحمير بالإساءة. فانظر مثلا يا بني: هل رأيت حمارا في عمرك يسرق مال أخيه؟ هل سمعت بذلك؟
هل رأيت حمارا ينهب طعام أخيه الحمار؟
هل رأيت حمارا يشتكي على أحد من أبناء جنسه؟
هل رأيت حمارا يشتم أخيه الحمار أو أحد ابنائه؟
هل رأيت حمارا يضرب زوجته وأولاده؟
هل رأيت حمارا يذبح حمارا بسبب الاختلاف في الرأي؟
هل رأيت زوجات الحمير وبناتهن يتسكعن في الشوارع والمقاهي؟
هل سمعت يوما ما أن الحمير الأمريكان يخططون لقتل الحمير العرب من أجل الحصول على الشعير؟
هل رأيت حمارا من دولة عربية لا يفهم كلام أخيه من دولة عربية أخرى؟
هل رأيت حمارا عميلا لدولة أجنبيه ضد بلده؟
هل رأيت حمارا يفرق بين أهله على أساس طائفي؟
هل رأيت حمارا يشع حقدا ولا يشبع من التفرقة والقتل؟
هل رأيت حمارا يعبد إلها دمويا لا يشبع من شرب الدم ؟
طبعا لم تسمع بهذه الجرائم الإنسانية مطلقا.
إذن أطلب منك أن تحكم عقلك الحميري وأطلب منك أن ترفع رأسي عاليا وتبقى كعهدي بك حمار ابن حمار.
واتركهم يقولون ما يشاؤون. يكفينا فخرا يا بني أننا حمير لانقتل ولا نسرق ولا نغتاب ولا نسب.
أعجبت هذه الكلمات الحمار الابن فقام وراح يلتهم الشعير وهو يقول: نعم سأبقى كما عهدتني يا أبي . سأبقى حمار ابن حمار وهذا أفضل بكثير من أن أكون إنسان ابن إنسان .

لا تعليقات

اترك رد