مؤشر السلام يدين ما يُرتكب بحق العراقيين ويفضح المعاناة ويعري أسبابها

 

مجدداً يطلع العراقيون على مؤشر السلام بوصفه مرصداً موضوعياً خارجياً لا يخضع لتجييش وادعاءات بالانتصارات وبمنجزات في عقول تريد إيهام العالم ولكنها فشلت وتفشل في ذلك.. وربما تنطلي لعبة التضليل على بعض العراقيين، إلا أنّ ذلك عادة ما يكون لمستفيد انتهازي أو لشريك في سوق المافيا والبلطجة وليس للعراقيين جميعاً وكافة…

وها هو مؤشرُ السلام يُظهر على مقياسه المكون من سلَّمٍ بخمس درجات، الأوضاع الحقيقية بلا رتوش ولا تزويقات من أيّ نوع. وهو يقرأ أوضاع السلام في ضوء ثلاثة عناصر بكل دولة هي:

الأمن والأمان في المجتمع.
النزاع المحلي والدولي المستمر فيها.
مدى عسكرة الدولة.

وعالميا حلَّت دول أوروبية وأخرى في أقصى شرق آسيا بالمراتب الأولى، إذ تنشغل تلك الدول بتوفير السلم ونشر ثقافته بما يدفع لأفضل فرص تنمية بشرية واقتصادية واستثمار للعقل العلمي ولطاقات المواطنين الذين تُحترم حقوقهم وحرياتهم فيما يتفاعلون بعلاقات احترام في ضوء القيم السائدة مما يتمسك المجتمع به من قوانين باتت ثوابت تفاخر بها المجتمعات المستقرة الآمنة…

بينما تذيلت الدول الشرقأوسطية والعربية القائمة وهي التي تسيطر عليها حكومات تزخر أعمالها بالادعاء والتمظهر، فيما جوهرها يجسد جريمة نشر قيم العنف والتقاتل والنزعات السوقية لمنطق البيع والشراء والانتهازية.. ولقد حلَّت في ذيل القائمة هذي الدول كالآتي: سورية (163) المركز الأخير، أفغانستان (162)، جنوب السودان (161)، العراق ((160))، الصومال (159)، اليمن (158) وليبيا (157).

ليست هذه التوطئة السريعة الموجزة هي المقصودة بل المقصود البحث في محاور مؤشر السلام عراقياً. فبقراءة موقع العراق في الجدول ستفتضح الحقيقة التي يعتّم عليها الطائفيون وأحزابهم الحاكمة؛ إذ أنَّنا نجد بلداناً مازالت غير مستقرة أو تدور فيها صراعات عنفية بشعة ولكنها تسبقه (أي تسبق العراق) بالترتيب كما ليبيا واليمن والصومال.

وإذا ما أخذنا المحاور الثلاثة بالتسلسل لبحثها عراقياً؛ فإننا سنتساءل أولا: ما هي حقيقة (الأمن والأمان) في المجتمع العراقي؟ ودعوني هنا أجمع بين اللغوي والاصطلاحي في التعريف بأمن وأمان وما يحتويان ثم نتوسع تدريجا لقراءة المشهد بعمقه الأبعد.

فأَمُنَ الإنسان أي وَفَى وَلَمْ يَخُنْ وأَمِن اطمأنَّ ولم يخَفْ و\أو إذا سلِم ونجا من شرّ و\أو إذا وثق واطمأن لعيشه سواء في سكنه، بيته أم في حاجاته. وأمِن الوطن اطمأن أهله فيه ولم يخشوا أمراً. وهنا سيجري الحديث عن أمْنٍ داخِلِيّ عندما يسود القانون وأمْن خارِجِيّ بما يتعلق بحُدود البِلادِ وَحِمايَتَها وَسِيادَتَها. وتبرز مصطلحات في الإطارين من أمن الدولة والأمن العام والأمن القومي الذي سيشمل غير الدولة كل مفاصل المجتمع، كما بالأمن الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق التنمية لضمان الأمن الغذائي والصحي وغيرهما..

إذن البحث في مستويات الأمن تتطلب رصد الأفعال والجهود التي تضمن التحرر من أية مخاطر قد تهدّد السلامة الفردية والجمعية. وتنهض تلك الأفعال بحماية الذات والآخر، وتحقيق الطمأنينة وبيئة مستقرة تشكل الحاضن المناسب للتنمية وخطى التقدم وإنتاج الحاجات الضرورية.

إنّ الحفاظ على كيان الدولة والمجتمع وعلى تماسكهما وظيفياً يُعد جوهرة الأمن بكل أنواعه: العسكري، السياسي حيث انتماء النظام السياسي العام لمنطق العصر والتوازنات الاستراتيجية السائدة وعدم تقاطعها تناقضياً وهو ما يحيل للتفاعل إيجابا أو التعاون تحقيقا للأمن الاقتصادي، بكل ما يخص: الموارد الماديّة: الطبيعيّة والبشريّة.. بالإشارة هنا إلى الأمن الاجتماعي ثم الأمن البيئي والغذائي والصحي وروحيا ثقافيا أو فكريا سيكون لنا وقفة مع القيمي الديني بين اعتداله وسليمه وبين الغلو والتطرف او التشدد وما يعنيه الأمر من تهديد أو طمأنة واستقرار للمجتمع.

وإذا ما تمّ استكمال فعاليات تحقيق الأمن فإن سمة مهمة سيجري الوصول إليها هي سمة (الأمان) التي تعني الشعور الداخلي للأفراد والجماعات بالطمأنينة، الأمر الذي يطلق فرصاً إيجابية لكل الأنشطة بعيداً عن الخوف والقلق والتوتر، سواء تجاه ظاهرة الصراعات الداخلية أم طابع سيادة القانون و\أو تحقق العدالة الاجتماعية من عدمه. وبمنطقنا ستكون معادلة الأمن فعلا يوفر الأمان هي التي تكتمل بالطرف الثاني لها حيث السلام يوفر فرص التنمية والوجود المدني بلا عسكرة تشوهه، كما سنورده لاحقا.

لننظر إلى أوضاع العراق في مجالي الأمن والأمان ولنقرأ ما يجري في دواخل المواطن\ـة فماذا سنجد؟ هل يطمئن على وضعه حتى لو كان في بيته؟ هل يطمئن على أبنائه في مدارسهم و\أو في الشوارع التي يقطعونها باتجاه موائل الدرس والعمل أيضا؟ هل يطمئن الفرد والجماعة على قوتهم اليومي سواء كانوا في مخيم أم في مدنهم وقراهم؟ هل يطمئن إلى استقرار المدينة بظلال (انتشار السلاح، تفشي ثقافة العنف، تعدد الميليشيات والعصابات المنظمة)؟؟؟

ذلك ما قرأه المؤشر الأممي الدولي وجسد فيه حقيقة المجريات عراقيا وهو ما لا يحتاج المواطن إلى من يدله إليه، فهو يعيشه في تفاصيل اليوم العادي لكنه يتستر خلف مناورات من يسطو على المشهد عسى يوفر له أمنه و\أو أمانه ولو نسبياً!

في المحور التالي لموضوع الأمن والسلام ما تعبر عنه، علاقة المواطن بالنزاعات والصراعات القائمة. هنا لا نجدها تنحصر بالمتنافسين على نهب الثروات بل هي تندفع منهجياً لتشمل كرها وقسراً مجموع طبقات الشعب ومكوناته القومية والدينية يوم تجرّ الأبناء، فلذات الأكباد لما يناظر مفهوم الجيش الشعبي بأية تسمية يمررونها مثل الحشد المقدس.. وسابقا أسقطوا القدسية (القومية) المزعومة وراهنيا يُسقطون القدسية (الدينية) المتوهمة المُدَّعاة على تلك التشكيلات المسلحة…

إن جموع الشعب وكل مواطن ومواطنة يعانون من عبث الميليشيات والتشكيلات المسلحة بمصائرهم حيث يُساق الفرد إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.. فمن جهة يجري إلحاق الشبيبة والأنكى تجييش (الأطفال) وطحنهم بالصراعات الدموية.. كما يجري استغلال الفقراء لعوزهم المادي بمثل تلك المعضلات. ويخلقون تمترسات وتخندقات ليس بين (طائفتين) بل بين أبناء الطائفة الواحدة. وكل خندق خدمة لزعيم حرب و\أو مافيا تتجر بقضية من الممنوعات سواء الاتجار بالجنس نساءً، أطفالاً أو غيرهم.. الاتجار بالأعضاء؛ الاتجار بالمخدرات وما شابه من بلاء… هنا لا طمأنينة ولا استقرار إذ لا يمكن لتلميذ أن يلتحق بكلية أو معهد أو مدرسة بتخصص من دون خضوع للتجييش إياه…

وعسكرة الدولة تجري في ضوء النزاعات المفتعلة المختلقة من قبيل منح التقاليد العشائرية القبلية والطائفية والقومية والفردية سطوتها، حيث يحوّلون البحث عن عمل مثلا إلى تطاحن تصفوي بين الأفراد للحصول على مكسب أو مغنم! هنا العسكرة تدفع لاستقبال التجييش للتشكيلات الميليشياوية من جهة وإلى وقف الأنشطة الاقتصادية والوظيفية الجمعية لتكون ظلا مباشرا أو غير مباشر للعسكرة بآلياتها وبمفهومها الأشمل…

وإذا كان الوضع العام يتبدى ولو شكليا بأنه يخضع للقانون فإن الجوهر يتجسد بالعسكرة يوم ندرك أن لا أحد فوق صوت أدنى تدرجٍ في عضوية الميليشيات والتشكيلات العنفية المسلحة.. ففي الجامعة يصادر الميليشياوي الآخرين بسطوته وبلطجته.. وفي المعامل والدوائر الحكومية يصادر الميليشياوي مجمل الأداء الوظيفي بمجرد التصريح بكونه تابع لطرف ميليشياوي والحياة في الضواحي الفقيرة تمضي بظلال دفع الأتاوات والرشى للميليشيا المتحكمة بالمحلة أو الضاحية أو المدينة وصعودا باتجاه المحافظة… القوانين الخاضعة للعسكرة مازالت تحكم البلاد مرة باختلاق بعبع الإرهاب وأخرى باختلاق الانقسامات وغيرها بالابتزاز والتهديد باي عدو متوهم متخيل في الظرف الزمكاني المعين…

العَسْكَرَةُ هي الشِّدَّةُ .والتجمع والاحتشاد لأمر فيه عنف وقرارات فوقية أمرية وبخلفية ذلك يكون من معاني العسكرة بوصفها الشدة معنى الظلم والظلام. إننا هنا إذ نبحث عن معنى العسكرة في بلاد كما العراق نشير إلى الثقافة المنتشرة التي تمثل أو تتجسد في العنف طريقاً رئيساً وربما الوحيد في حل المشكلات وما يجابه من قضايا وهذا بمستوييه الرسمي والشعبي. وطبعاً في إطار المركزة والاحتشاد يجري اتخاذ تدابير لوجستية تعبوية من جهة واستراتيجية تستند لتفعيل أدوار خطاب العنف وأدواته سواء كانت ممثلة بالجيش والقوى الأمنية أم بالتشكيلات المسلحة مثل الميليشيات وهو أبعد تخريباً حيث لا يخضع المدني السلمي للعسكري بسبب ضرورات ربما تكون سليمة عندما تجابه البلدان والمجتمعات مهام التصدي لظرف طارئ لكننا هنا بوجود أحزاب الطائفية ومنطقها، سنجد ظاهرة التخندقات وافتعال أو اصطناع التخندقات وحالات النزاع والصراع المبررة باختلاق بعبع العداء بين طرفين أو خندقين وهو ما يشيع اليوم عراقياً ويسطو على المشهد برمته..

إن فكرة الخضوع لمفهوم العقيدة (الأحادية) المقدسة من أي منبع أتت بنموذجها الإسبارطي أو القبلي المسلح (الذي يدعي البطولة بالعنف والقوة الجسدية) هو بذرة العسكرة وفرض منطقها.. وعندما يكون الحكم لمنطق التكفير وما يتبعه من إجراءات وارتكابات فإن الحياة لحظتها ستخضع للعسكرة بفرض سلطة العنف فيها. وهنا قد لا تتمظهر مؤسسات أمنية بالملاحقة ولا مخابراتية بالسطوة على المدني ولكن آليات التكفير لوحدها كافية لفرض منطق العنف وفحواه الفلسفية وآليات اشتغاله، ممثلة للعسكرة بالنموذج العراقي الإسلاموي حيث الخوف من أجهزة أمنية (قمعية) ولكن الأنكى هو الخوف من الميليشيا وأذرعها وعناصرها كونها فوق القانون وفوق مؤسسات إنتاج الخيرات والتنمية والتقدم…

وفي العسكرة المعروفة بالنظم الدكتاتورية يكون أي شخص عسكري هو الموجّه المتسلط ولكن في النموذج العراقي اليوم، يكون حتى الشخص المدني (بأعلى مسؤولية) تابعا خاضعا لسطوة الميليشيا وزعمائها، زعماء الحرب الطائفية.. ولا تتشكل حكومة أو يُدار عمل مؤسسي ووظيفي من دون صوت عنفي لأمير حرب أو آخر..

ومن طرق الإخضاع، هو التجسس بعضٌ على بعضٍ وإثارة ضغوط تعيد خلق التوازن الذي تبغيه الأطراف الأقوى عسكريا ميدانيا.. وهذا من بين أخطر ما يلغي العمل المؤسسي كما يلغي سلطة القانون وسنجد عراقيا كيف تجسد الأمر بخصوص تهريب الإرهابيين وتهريب المفسدين وفرضهم على السلطة المدنية للدولة المفترض أن تنتمي للحداثة والعلمنة لا إلى قشمريات ظلامية مما يتصل بالعسكرة ويخدمها ويسوق لها..

ولعل أخطر ما سوق اليوم للعسكرة هو خضوع المشهد الأمني لتوازنات العنف (الشدة والرعب) بين الأحياء والمدن والمحافظات.. انظر إلى مشهد المناطق الغربية والشمالية الغربية كيف تدار ومن يديرها فعليا ولماذا؟ والمشهد بالمستوى الوطني مازال يقوم على نشر فلسفة المؤامرات والأعداء المتخيلين داخليا خارجيا وتفاعلاتها في إطلاق العنان للتصفيات الجسدية والتقتيل والاغتيال وجمعيا تستمر لعبة إدامة بعبع العدو المتخفي سواء الإرهابي أم غيره ما يفرض تجييش الأوضاع ميليشياويا لعدم الثقة بمؤسسات دولة تستوعب متنوع المواطنين واحتمالات اشتغالاتهم؛ فيما الميليشيا تظل أكثر تمترسا خلف زعامات الحرب وفوق ذلك تكون المؤسسات خاضعة لمنطق المركزة والإدارة المتشددة.

إنَّ ما يمنح العسكرة الميليشياوية وجودها الأقوى هو إفلات قادتها بل عناصرها من العقاب وإسقاط القدسية والعصمة والحصانة على كل ما يرتكبون كون ما يجرمون به مبرر بالقدسي والمحصن. ضف إلى ذلك ذاك الولع والوله بالرتب العسكرية وفشخرتها من دون ثقافة مدنية سليمة ومن دون حتى ثقافة عسكرية صحية صحيحة وإذ تنتشر الميليشيات وتسيطر على الأحياء وإذ تضفي مزيد عسكرة بدورياتها ونقاطها المتنقلة تسحق آخر فرص التمدين لأننا حتى بلجوئنا إلى التشكيلات والمنظمات المدنية والحقوقية سنجدها مصادرة مقموعة.

إن المشهد يعج بانتشار السلاح، وبتفعيل بلطجته بخلفية ثقافة العنف والتخندقات المفتعلة ويصير كل ما عدا ارتفاع صوت قعقعة السلاح هامشيا لا صوت له ويضطر المواطن أن يلجأ للعسكرة والميليشيا وللتخندق معها لحماية وجوده بعد أن يرى انهيار حماية الدولة الحديثة وتعطيل مؤسساتها وشللها ويكون اللهاث خلف زعيم حرب من زعران آخر زمان أفضل من سماع عالم جليل وهنا التبعية أيضا للمجلببين الأدعياء على أنهم هم العلماء فيما أساتذة الجامعات ومشاعل التنوير ليسوا سوى ضعفاء يُشفق عليهم ويوصفون بالملائكة لكن ممن لا يُتّبع لهم مشورة…

أفي تلك الأوضاع يمكن لمؤشر السلام أن يقرأ طابعا للسلم الأهلي؟ اي سلم أهلي والقضية ليست قضية طرد ميليشيا إرهابية بهذا الاسم أو ذاك؟ ولو كانت بهزيمة ميليشيا إرهابية لانتهت مع هزيمة القاعدة أو بهزيمة الدواعش ولكن السلم الأهلي يقوم على فلسفة وآلياتها وعلى منظومة قيم وحمايتها وعلى استقرار وطمأنينة وكفالة ثباتها وعلى أمن وأمان وضمان استمرارهما..

وليس من كل ذلك شيء يرتجى بظلال حكم أحزاب الطائفية وميليشياتها وهم أنفسهم الخراب الذي يقيم نظام الطائفية الكليبتوقراطي وظلاميته ومن ثم منطق العسكرة الذي يواصل اغتيال الدولة الحديثة وسحق فرص ولادة نظام علماني يجب أن يقام بديلا للعبة تتغطى بدولة مدنية ومؤسساتها وهي لا مدنية وليس لها من مؤسسات إذ السلطة ليست للقانون بل لزعماء الحرب ولعناصرهم العنفية وبلطجتهم..

هنا يخطئ من يتوهم يوما بإمكان إصلاح هذا النظام الظلامي العنيف من داخله أو من داخل هذه الحاضنة العنفية الظلامية لأن الحقيقة تؤكد أن الطرف يمعن بتزكية اللعبة يوم يضع يده بأيدي الطائفيين، ممن يديرون عسكرة البلاد والعباد في عراق اليوم ومنذ 2003 وحتى ينفض الناس أياديهم من اللعبة ويغتسلون من قذارة الطائفية ومنطق عنفها وعسكرتها الدولة والمجتمع..

ذلكم ما نقرأه في بيان مؤشر السلام وذلك ما نعرفه من معايشة وجودنا اليوم وما يجري من مزيد تكريس له وضمنا انجرار بعض الطيبين إلى اللعبة بقصد او بغير قصد. وحتى تنتصر إرادة العقل العلمي وقراءته سنواصل محاولاتنا التنويرية ويقينا النصر بالنهاية للعقل وسلامة الخيار…

لا تعليقات

اترك رد