غياب و تغييب الدولة العراقية ج 2


 

إن التنازع الموازي لسلطات الدولة العراقية لم يكن على المستوى الأمني فقط ، فهناك سلطات موازية لسلطاتها على الصعيد التعليمي و الصحي و الخدمي و الإعلامي و غيرها من القطاعات الأخرى ، ففي مجال التربية و التعليم ، هناك التعليم الأهلي على مستوى الفئات العمرية كافة من ( الروضة إلى الجامعات ) ، و كذلك انتشار الخدمات الصحية و المستشفيات الأهلية الموازية للمستشفيات الحكومية على الصعيد الصحي ، فضلاً عن ذلك ، فهناك سلطة الإعلام غير المنظمة ، و سلطة الشركات و الهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسية و المصارف الأهلية في المجال الاقتصادي ، و سلطة العتبات الدينية و الشركات الامنية و غيرها من السلطات التي تنازع سلطة الدولة أو تفوقها في بعض الاحيان ، بموازاة ذلك ، هناك ضعف و تردي حقيقي في قطاعات الدولة الرسمية المذكورة أعلاه .

هذا التغييب ، قد يكون بعضه مقصوداً لدواعٍ سياسية ؛ لأن أضعاف السلطة الأمنية للدولة العراقية فيه مصلحة سياسية ، و تقف وراءه دول و منظمات و إرادة إقليمية ، تريد من خلاله أن يبقى العراق ضعيف على المستوى الأمني و العسكري و الاقتصادي . و لهذا تعد السلطات الموازية لسلطة الدولة من العوامل التي ساعدت على تفكيك الدولة العراقية بعد عام 2003 م ، و عامل مساعد في شيوع ظاهرة الفساد المستشري في مفاصلها الإدارية ، لاسيما في المجال الاقتصادي ، في عمليات ( الاستثمار و العقود و بيع الدولار و غيرها من الجوانب الاقتصادية ) على سبيل المثال .

أن خطورة هذه المؤسسات و السلطات الموازية لا تكمن بممارستها الظاهرية و نشاطها المعلن فقط ، و إنما تكمن في التأسيس لما يسمى بالدولة الموازية او الدولة العميقة داخل الدولة المركزية أو القانونية ، إذ أن مثل هذا المفاهيم عادةً ما تسعى إلى اختراق كل مناحي الحياة العامة من ( أجهزة أمنية و قضاء و شبكات اتصال و إعلام و مؤسسات اقتصادية و جمعيات و نقابات عمالية ) . و هنا تكمن الإشارة إلى سلطة الزعامات و الاحزاب السياسية ، لا سيما تلك الزعامات المدعومة سياسياً ، و التي تمتلك ماكنة إعلامية ضخمة و قدرة مالية كبيرة ، تكون قادرة على اختراق كل طبقات المجتمع ؛ و لذلك عادةً ما تكون الدولة العميقة أحد مظاهر الدول الفاشلة . و كثير ما تسعى إلى اضعاف سلطة الدولة القانونية من خلال تعدد مراكز النفوذ و السلطة و القرار .

لكن مع ذلك ، ليس كل السلطات الموازية لسلطة الدولة ، هي مظاهر سلبية ، بل على العكس من ذلك ربما تكون بعض مظاهرها إيجابية و صحية ، في حال لم تتجاوز سلطة الدولة و القانون ، و أن لا تتعلى على سلطة الدولة الرسمية ، بكونها اللاعب الوحيد الذي تحتكر الحق في استخدام العنف المشروع . و لهذا على صانع القرار العراقي أن يتفادى تلك الازدواجية التي تتعارض مع سلطات الدولة القانونية ، أو أن يسعى إلى فك الارتباط بين سلطات الدولة و بين السلطات الموازية من خلال الاخضاع السياسي و الرقابة القانونية و فرض سيطرة الدولة الاتحادية ؛ لأن شيوع السلطات الموازية قد يغيّب سلطات الدولة القانونية تدريجياً ، و ربما يضعنا إمام مشهد سياسي و اجتماعي و قانوني معقد جداً ، تكون تداعياته خطيرة على مستقبل الدولة العراقية .

لا تعليقات

اترك رد