شيزوفرنيا الدولة العراقية


 

انتهيت تواً من مشاهدة فلم Denial الذي يتحدث عن الكاتبة والمؤرخة ديبورا ليبستاد (راشيل وايز) التي تخوض معركة اكاديمية ضد ديفيد إرفينج (تيموثي سبال) المتخصص بدراسة تاريخ هتلر والذي ينكر الهولوكوست، تتطور الأحداث حين يرفع دعوة قضائية ضدها في لندن متهما إياها بالسب والقذف، وبعد حرب وثائق وبحث في تاريخ المحرقة، تنجح ديبورا وفريق المحاماة في إقناع المحكمة والرأي العام بصدق مدعاها.

لا أهدف هنا لتقييم الفلم أو موضوعه فهو فلم عظيم بنظري، لكن الفلم حفّز عندي أمنية قديمة بشأن تأسيس محكمة فكرية في العراق، تنظر في انقساماتنا التاريخية ورموزنا المختلف فيهم وتقول كلمتها في هذه المسائل، أكيد لا ينبغي أن تكون على غرار المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام في الكوفة بحق الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (691 -743 م) بتهمة قتل الشهيد زيد بن علي، لكن نحن بحاجة لمحكمة تفصل في موضوعات لها انعكاس كبير على واقعنا الاجتماعي والسياسي ، نحن لا نعرف هل الباشا نوري السعيد شهيداً وزعيماً ينبغي أن نعظمه أم عميلاً خائناً ينبغي أن نشكر ساحلّيه؟!

الأمر الذي يستدعي أن نحدد موقفنا الوطني إزاء ثورة 14 تموز وقادتها هل هي ثورة ضد ملك ظالم ونظام فاسد عميل أم انقلاب مدمر قاده مجموعة ضباط خانوا ثقة الملك وحنثوا باليمين الذي أقسموا عليه بحماية الملك والمملكة العراقية.

قد يتصور بعضهم أن هذه المواضيع ينبغي أن تبقى مشاعة للرأي العام وموضوعاً للباحثين والكتاب يقولون فيها قناعاتهم، وليس من الصحيح البت فيها، ولكن هذا الكلام غير صحيح البتة، لأن هذه المسائل تتصل بشكل جوهري في مفهوم الدولة المضطرب بالعراق منذ تأسيس الدولة عام 1921 كما يتصل بطبيعة تقديم الدولة نفسها لمواطنيها، ليس من المعقول مثلاً أن تحتفي مناهج التعلم في المدارس والإعلام الرسمي بذكر الملك الشهيد فيصل الثاني وهو (عميل) مثلاً، ولا من الطبيعي أن تحتفي دولة ديمقراطية برلمانية بذكرى انقلاب عسكري على حكم شرعي منتخب، أسس لسلطة دكتاتورية يحكمها العسكر!

كما لا ينبغي أن يتوقف الموضوع عند حدود شخوص هذه المرحلة فحسب، بل ينبغي النظر بشيء من الموضوعية إلى الآثار المترتبة على هذا الحدث، وما نتج عنه من خراب وعقائد اجتماعية مقدسة وملايين الضحايا والحروب.

نحتاج في العراق لنقطة شروع صحيحة، لأننا نعاني من القبول بالشيء وضده، نحن نقدس العسكر ونتوجع من تاريخ الدمار الذي سببوه لنا، نحن نحب الملك، ونحب قاتليه، نحن نريد الديمقراطية، ونَحنُّ لأيام الدكتاتور.

تشوهات كبيرة تقف في طريق نهضتنا وازدهار مستقبلنا، ليس بمقدورنا الفوز في سباق التقدم اقتصادياً وسياسياً، بل وأمنياً برجل عرجاء ووعي مشوه، ولعل هذه النقطة بإمكانها الإجابة عن تساؤل يثير الاستغراب دائماً، لماذا العراق هو البلد الذي يقف في ذيل أية قائمة دولية تتحدث عن النجاح، ويتصدر أية قائمة للفشل بينما يحصد العراقيون أهم الجوائز والشهادات عالمياً في مجالات العلوم والإبداع والفنون وغيرها، الأمر ببساطة لأن العراقي (الفرد) شخص مبدع عبقري خلاق ، لكن العراق (الدولة) معاقة مشوهة متناقضة تعاني من شيزوفرنيا وجودية.

لا تعليقات

اترك رد