المطران يوحنا إبراهيم ومفهوم التّعدّديّة وقبول الآخر


 

لا ريب في أنّنا بأمسّ الحاجة ونحن نواجه واقع النّزاعات والصّراعات السّياسيّة والدّينيّة إلى وعيٍ حضاريّ وثقافيّ يؤسّس لردع الأجيال القادمة وحمايتها من الانغماس في تلك النّزاعات. ولمقاومة الواقع المتأزّم والمضيّ قدماً نحو تحقيق مستقبل أفضل، ينبغي إعداد جيلٍ مدركٍ لأهمّيّة حضوره الوطنيّ والعلائقيّ الاجتماعيّ، وتعزيز مفهوم قبول الآخر في ذاته حتّى يتمكّن من مواجهة الاتّجاه الرّافض للتّعدّديّة وقبول الآخر. ما أسّس إليه نيافة المطران يوحنّا إبراهيم، وحثّ عليه بجهد كبير أينما حلّت خطاه، خاصّة في وطنه الأمّ الّذي يواجه ظروفاً صعبة خلقت مناخاً من النّفور بين أبناء الوطن الواحد.

ولئن كانت الكنيسة حضور الله في العالم، فلم يكن مستغرباً أن يكون أساقفتها صوت صارخ في برّيّة هذا العالم ليعلنوا الكلمة دون خوف ورعدة. والمطران يوحنا إبراهيم، بحضوره الثّقافيّ واللّاهوتيّ والإنسانيّ العميق شكّل ضميراً حيّاً لكلّ من أراد أن يحيا بسلام الله مع الآخر في الوطن الواحد.

يجسّد المطران يوحنّا إبراهيم تسبيح الملائكة في ولادة الرّبّ: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة” (لو 14:2). ففي هذه الآية تتجلّى السّياسة بأبعادها النّبيلة ومفهومها الممكن استخدامه في سبيل تحقيق العدالة والأمان والاستقرار. إنّ تمجيد الله يثمر سلاماً على الأرض، وبالتّالي يحيا البشر المحبّة والفرح والسّرور. إلّا أن على النّاس أن يدركوا مفهوم هذه المحبّة الّتي لا تعني قطعاً الاستهتار والذّوبان في الآخر تحت شعار “العيش المشترك”. كما أنّ عليهم أن يعوا أنّ السّلام على الأرض لا يحلّ إلّا بالشّركة القائمة بين أبناء الوطن الواحد واحترام خصوصيّة كلّ مجموعة وإعلاء مكانة المواطنة. “الحقيقة الأولى هي أنّ كلّنا نحن المواطنين ننتمي إلى عائلة واحدة، تعمل باتّجاه واحد، عاموديّاً مع الله حيث كلّنا نرفع أكفّ الضّراعة إلى خالق السّماوات والأرض، ونصلّي أوّلاً من أجل أنفسنا، ثمّ من أجل الرّعيّة الّتي نشعر بمسؤوليّتنا تجاهها. وأفقيّاً مع النّاس، أي جميع المؤمنين بالله تعالى مسلمين ومسيحيّين ومن كلّ المذاهب، ونفتّش كيف نسخّر طاقاتنا ومواهبنا لخدمة الإنسان” (المطران يوحنّا إبراهيم)

إنّ دلّت هذه الكلمات على شيء فهي تدلّ على أهمّيّة احترام الآخر والانفتاح عليه وقبوله كشريك فاعل في الوطن، بعيداً عن التزمّت والتّعصّب الأعمى الّلذين لا يقودان إلّا إلى هلاك الأوطان. وحرص نيافته على تحديد مفهوم المواطنة من خلال تعزيز فكرة الوطن كرسالة نخدم من خلالها الله. فلا ينتمي أيّ إنسان عبثاً إلى وطن ما، ولا يشكّل حضوره صدفة ما تستدعي تخلّيه عن مسؤوليّاته عندما يحتاجه الوطن. فكلّ حدث في الحياة الإنسانيّة لا بدّ من أن يرتفع إلى مشروع الله، ويتمّ التّعامل معه كرسالة واجب التّعامل معها بما يتوافق والتّعاليم الدّينيّة وثقافة المحبّة.

“إنّ المواطنة هي السّقف الأهمّ لهيكل البناء الّذي يجمعنا كأعضاء ولكلّ عضوٍ خصوصيّته.” (المطران يوحنّا إبراهيم). وإذ ينطلق المطران يوحنّا إبراهيم من تعاليم القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثس (26،14:12)، فليؤكّد على مسؤوليّة كلّ فرد في الوطن، وأهمّيّة عمله أيّاً كان انتماؤه، ليكون الهدف الأساس الحفاظ على الوطن. من هنا يتجلّى مفهوم المواطنة عند نيافته، وهو أن يحترم كلّ مواطن عضويّته في الوطن الواحد، مسخّراً كلّ طاقاته في خدمة الوطن. فالخصوصيّة الدّينيّة لا تلغي الولاء للوطن وإعلائه الشّأن الأوّل في الحياة الاجتماعيّة. “فالغاية هي بناء حياة مشتركة مبنيّة على التّعدّدية، وهذا يتطلّب بناء مجتمع متماسك، لا تؤثّر فيه الالتباسات الفكريّة، ولا الاجتهادات الّتي تأتي من كلّ الأطراف. خاصّة عندما نتبارى في هضم مفاهيم جديدة دخلت في حياتنا كمؤمنين مثل: العولمة، والتّكنولوجيا بكلّ أبعادها، والتّفوّق العلميّ، وغيرها من الأمور الّتي يجب أن تكون من إيجابيّات القوّة الّتي نطالب بها، خاصّة نحن المؤمنين بالله الواحد الأحد، والحاملين رسالة السّماوات، ولا ينبغي أن نتأثّر بنظريات تأتي من هنا وهناك.” (المطران يوحنّا إبراهيم)

ما يعني أنّ المجتمعات المتماسكة بنت نفسها على أساس الانتماء للوطن أوّلاً مع الحفاظ على الخصوصيّة الدّينيّة والعقائديّة دون أن تتقدّم الثّانية على الأولى. بمعنى آخر، إنّ على المواطن ألّا يعتبر دينه مصدر سلطة بعيداً عن القوانين والدّساتير، وأن لا ينجرّ إلى نبذ الشّريك في الوطن بحجّة الانتماء الدّينيّ. ما يسيء إلى الكرامة الإنسانيّة، وبالتّالي إلى خلق هوّة بين أبناء الوطن الواحد.

إذا كان المواطنون متعدّدي الانتماءات، فذاك يعني غنىً للوطن، لأنّ التّعدّد الثّقافيّ والدّيني ينتج عنه واقع ثقافيّ وحضاريّ من خلال تبادل الثّقافات والتّحاور في ما بينها. وأمّا الانغلاق والاستئثار فلا يؤدّيان إلّا لمزيد من الصّراعات والنّزاعات الّتي ستؤدّي لا إلى دمار الوطن وحسب، بل إلى فناء الطّرفين. “إنّ مفهوم المواطنة يعني المشاركة الفعليّة في سبيل بناء الإنسان والوطن في آن، وذلك عن طريق الحوار الوطنيّ في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعيّة والأمن والأمان، والكرامة لكلّ المواطنين، والعمل من جهة أخرى بكلّ معاني الإخلاص والوفاء ومحبّة الوطن لاقتلاع جميع أنواع الفساد من جذوره، ومكافحة البطالة والفقر، وإقفال كلّ أبواب التّرهّل، وعدم المسؤوليّة، والإهمال، والعمل بيد واحدة لنهضة وطننا الغالي”. (المطران يوحنّا إبراهيم)

المطران يوحنّا إبراهيم، الغائب الحاضر، غرس في نفوس رعيّته تلك الكلمات المدوّية، وتلك المفاهيم القيميّة، وذلك الحبّ للوطن دون الجنوح إلى الشّعارات والتأثير النّفسيّ والعاطفيّ الفارغ. ولعلّ من رافقوه وتتلمذوا على يده عالمين بأهميّة استمرار الرّسالة حتّى يستعيد بها الوطن بهاءه وقوّته. ولعلّنا نحتاج إلى أساقفة قدّيسين يعزّزون في داخلنا الحبّ للوطن والانفتاح على الآخر وقبوله أيّاً كان انتماؤه، فنتشارك معاً في بناء الوطن حتّى يترسّخ حضورنا الفاعل في هذا الشّرق.

لا تعليقات

اترك رد