جهاد العقل

 

… قد ذبحوك كي يجدوكـ كرسيّا فلا تجلس…لا تجلس فهي مذبحة

هل عبثا نغنّي بين هاويتين؟ هل يمكن أن نتحدّث عن جهاد العقل عوض جهاد النّكاح؟ وعن بؤس الفكر في سفر المكروه والمباح والتّفكير في زمن الجراح؟

إن كان العقل يتعب بغياب التفكير فهو يتعب من كثرة الإسراف في التّفكير وهي جريمة وتهمة في مجتمعات العمالة والتّزوير…

كلمة الجهاد تعبّر عن كميّة التّعب الذي نحن فيه…عن القهر والكبت والأمّية والوليمة فوق السّرير…النّكاح كالاستبداد يحتاج إلى قراءة تحليليّة لا تفرّق بين الأمير وبين الفقير… لا عليك فذاكرتك لا تختزن الأسماء والأفعال فأنت مكمّم كبهيمة بكماء…ومن الجهاد، الاجتهاد. وفي الاجتهاد تكفير وتمرّد وتشهير.

كيف نحرّر لغتنا من التّنميط والتّلوث السمعي، وعقولنا من التّلوث الفكري والصّنمي؟ كيف نحرّر مجتمعاتنا من مرتزقة السياسة والتّاريخ والجغرافيا ومن أرقام “سيقما كونساي” ومؤشّرات نسب النّمو – نموّ العضو الذّكري والعضو اللّغوي وكريم النّواعم لترطيب الشّعر النّاعم والفكر النّائم بجوار الجماجم والبهائم؟

لعلّ البحث وحده يحرّك العقل البشري وقد حرّكْنا الحضارة بفحولتنا وبحْثنا…نعم بَحَثْنَا عن الكنوز المدفونة في المقابر وعن الفضائح والمنابر…واعتقدنا أنّ الله يرانا من عليائه، بينما هو يرانا أيضا من الدّاخل…ويرى قلوبنا وضمائرنا قبل أشكالنا وصورنا…فذاكرتنا ملعونة معطوبَة ومثقوبة بخداء الفكر الأرعن ووجوهنا مصبوغة مستعارة مثل وجوه ممثّلي المسرح الياباني ممنوع أن تظهر عليها أيّ عاطفة وقد تلوّنت بكلّ ألوان الطّيف…

أمّا مثقفونا فقد ركنوا إلى الزّوايا وتعوّدوا الجلوس والاشتياق وتناسوا ثقافة العناد. اِختاروا الاعتياد في ملّة الصّمت في جنازة الكلاب.

نحن من نحن: كائنات الوقت الضّائع بآمال معلّقة وقلوب محنّطة ولم يكذب الظنّ، فلا إمام للعقل أو لسواه، لكائنات خرساء، أموات أحياء. الجميع في البؤس سواء ولا عزاء لشّعب مدجّن مقهور بالغلاء…شعب مغلوب لا يستطيع التّعبير عن نواياه حتّى في غرف نومه…معتوه عاشق للانحناء…اِنتميت إلى جيل لا يعرف الاستغباء، لقد صار اليوم شعبا من الأغبياء السّعداء بربطة عنق وأحلامه هواء…جرّعوه حقنة “صامتين” ودواء جديد لتخدير العضو والشّرايين ليبقى جميلا يكتفي بحراسة العرين.

هذا زمن لا يخصّني…هل يمكن أن أعيش فترة ولو فكرة إلى تلك الحقبة التي كانت النّساء فيها يلقين الشّعر في مجالس مختلطة من الرّجال ومن النّساء ولم ينشغل أيّ واحد منهم بالتّفكير في فقه العورة “وما يجوز وما لا يجوز في نكاح العجوز” بقدر ما كانت تشغلهم القصيدة والأغنية الجميلة العصماء…إلى زمن لم تتغيّر فيه المشاعر المعلّبة إلى تاريخ صلاحيّة أو اِنتهاء…زمن لا يخصّني ولا أشعر فيه بالانتماء…لم أعد أجهش حتّى بالبكاء فدُلّنى على قبري يا درويش”فلاشئ يعجبني”.

قل للسائل المنوي توقّف عن إنتاج مثيلك أو شبيهكـ…لا تنزل، فيكفي تناسلا بالجهل والحروب وبالغباء…يكفي من السّفر والعويل والبكاء…

كيف حالك؟ وتسألني؟ قلها ثانية ورابعة…وعاشرة…لم يبق إلّا القليل…لا تقرأ جريدتك، فالحرف لا يسعفك بالرّحيل…مع الكلمة زواج متعة لا غير! وتضيع كالشّراع بلا دليل…كيف الحال؟ سأرجع إلى ريفنا الجميل…في رغوة الصابون أرجع كي أكون…وألعن بؤس المثقّفين الذين أغلقوا أبواب الدّخول ووقفوا أمامك متفرّجين…لا تذهب إلى عدوّك حافي القدمين ولا تذهب عن البلاد التي أنجبتك وأهملتكـ وأنت تحمل مصرعك…!

فلربّما تنالك في الطّريق مشقّة ولكنّ أسقام الجهالة تُوجعك…

الإمضاء الأخرس بن الأصمت

لا تعليقات

اترك رد