رموز مقدسة : الأزلام


 

حاول العقل الإنساني دائما أن يراوغ مساحات الجهل وعلامات الإستفهام الكثيرة في ذهنه بإيجاد محاولات طوباوية لاقتراح اجابات مقنعة، وهل هناك ما هو أكثر غموضا من المستقبل؟… الآتي الذي لا يريد الإنسان انتظار قدومه ومفاجأته بما لا يحسب له حسابا، فبحثَ العقل البشري عن آليات توفر له قدرا من الوضوح ولا أستطيع أن أقول الإرتياح لأن بعض المصائر كانت قاتمة.. ومثل هذه المحاولات بدأت مع بدايات الحضارات الإنسانية لكننا سنحاول التطرق إلى بعضها مما هو معروف ومثبت تاريخيا.. فالأزلام مثلا كانت شائعة قبل ظهور الإسلام وهي عبارة عن ثلاثة سهام يشار إلى أحدها على أنه يعني الموافقة على الفعل أو بمعنى أدق (إفعل) والثاني الرفض أي (لا تفعل)، والثالث لا يحمل إشارة معينة، فإذا أراد شخص ما السفر أو الزواج أو التجارة أو غيرها من الأفعال التي كانت شائعة آنذاك، يلجأ إلى من اعتمدوا عليه في رمي الأزلام وغالبا ما كانوا الكهنة والمشتغلين بالشأن الديني، فكان الشخص ينوي نيته المضمرة ويرمي الكاهن السهام فإن ظهر الذي يحمل الموافقة يكون رد الكاهن هو : افعل على بركة الآلهة.. أو العكس، أما إن جاء السهم الثالث الذي لا يحمل أية إشارة، فكانوا يعيدون الأزلام حتى يتضح لهم خيار محدد بالرفض أو القبول، وغالبا ما كان الناس يثقون بما تقدمه لهم الأزلام… حين جاء الإسلام أنكر هذه الممارسة وأحالها إلى التقاعد ولن نقول تسبب في انقراضها، لأنها ظهرت بأشكال أخرى شرعية بعد ظهور الإسلام، كالإستخارة أو القرعة الشرعية باستخدام القرآن أو المسبحة.. ومن يقوم بذلك حتى يومنا هذا هم كهنة شرعيون كذلك، أعني بعض المشتغلين بالشأن الديني الإسلامي، وعوضا عن انهاء استخارته بعبارة : إفعل على بركة الآلهة صار يقول إفعل على بركة الله، والصورة في الواقع مستنسخة بين ما كان يجري قبل أكثر من 1500 عام وما يحدث الآن، فالخوف من مستقبل غامض كان الدافع للناس آنذاك واليوم إلى اللجوء إلى هذه الخيارات، يغذي ذلك الجهل الذي يمنع الإنسان من استثمار طاقات العقل لإقتراح إجابات مقنعة، ربما صار الوصول إليها أكثر سهولة في أيامنا الراهنة بعد أن عثر الإنسان على أجوبة كثيرة وحلولا متطورة لما كان بالنسبة له مغامرة ذهنية ومصيرية كبيرة، ولنضرب مثلا، فلو أراد تاجر من القرون المنصرمة أن يرسل بضائعه عبر البحر، فإن سيكون فريسة القلق بسبب احتمالات غرق السفن الذي كان شائعا آنذاك، إلا إن التجار اليوم يرسلون بضائعهم عبر البحر دون مخاوف وبطمأنينة كبيرة لما تحقق من تطور كبير في بناء السفن وانحسار حالات غرقها من ناحية، ولأن شركات التأمين ستقوم بتعويض التجار في حالة غرق السفينة، فإذا كان التاجر قديما يحتاج إلى ما يطمأنه على مصير تجارته فيلجأ إلى العرافين والكهنة لأجل ذلك، فهو ليس بحاجة إلى مثل هذا الخيار اليوم، وهكذا في الأمور المقلقة الأخرى..

هذه الممارسات لم تكن حكرا على العرب ثم المسلمين بعد ذلك، بل أن شعوبا أخرى مارست الفعل نفسه بطرق قد تتشابه أو تختلف مع شكل الأزلام لكنها لا تختلف عنها في المضمون، ودعونا نأخذ التجربة الأوربية في هذا الشأن، فقد شاع لدى الأوربيون منذ القرن السابع عشر ما يدعى في اللغة الفرنسية (أكوتومانسي)، وخلاصته: أن المشتغل به يستخدم الكثير من الدبابيس ذات الرؤوس المكورة، وبعد أن يضمر الشخص نيته يقوم العراف برمي الدبابيس التي تكون تشكيلات معينة يقوم بتفسيرها وقراءة المصائر… ولا يعنينا بالطبع الممارسة التي كانت شائعة بالتزامن وهي استخدام الإبر في السحر الأسود، حيث يقوم المشتغلون بهذا السحر بغرز بعض الإبر في أماكن منتقاة من دمية ورقية أو مجسدة لتعريض شخص ما إلى الأذى خدمة لشخص آخر، أو ربما جذبه للوقوع في حبائل هذا الشخص، وما يهمنا الآن هو التنجيم باستخدام الإبر، حيث كان استخدامه شائعا في البيوت الأوربية وخرج عن احتكار رجال الدين أو العرافين له فصار الكثير من الناس يمتلكون القدرة على تفكيك الأشكال التي تكونها الدبابيس ليستنتج منها ما يقوله لمن يريد معرفة جوابا لما هو غامض لديه، كل ما على رجل أو امرأة (الأكومانسي) فعله هو رمي ثلاثة عشر إبرة باستخدام يده اليسرى، في حوض ماء نظيف سبق تهيئته لهذا الغرض، وأول إشارة ظاهرة هي إن كانت الإبر مبعثرة في أسفل الحوض فهذا يشير إلى فأل جيد، وإن تكومت الإبر على بعضها وتداخلت فهذا يعني فألا سيئا لأمر سيحدث في المستقبل القريب.. كان بعضهم يرمي الإبر على طاولة أو سجادة أو أي سطح مستو، وهناك اختلاف كذلك في عدد الإبر المستخدمة، فقد استخدم بعضهم سبعة إبر لهذا الغرض.. يخلصون من تشكلها إلى عناوين قد تريح أو تزعج الشخص الذي ينتظر معرفة مستقبله، فقد يكون الزواج أو ولادة طفل أو الموت أو النجاح في مهمة أو الحصول على ثروة.. الخ.. وسأضع في نهاية الموضوع صورة للأشكال المتوقعة لرمي هذه الإبر ودلالاتها التي كتبت بالفرنسية ولكي نعرف ما تعنيه باللغة العربية سأذكر ما شكلته المجموعات الثلاثة الأولى: ( مال ـ طفل ـ رسالة ـ قضاء وقدر ـ ولاء ـ سرقة ـ شئ تريده ـ سفر ـ موت ـ اجتماع ـ حملة ـ عشاء ـ لغة بذيئة ـ أفكار ـ رياضة ـ نجاح ـ رحلة بحرية ـ صلاح حال ـ زواج ـ حمل ـ شك )…. ومن السهل ترجمة باقي التشكلات لمن لديه اهتمام بذلك..
ومن المفارقات التي ذكرها التاريخ الأوربي الحديث أن بعض البلاطات الملكية كانت تتداول هذه الممارسة وهناك نساء اختصصن واشتهرن برمي الإبر بطريقة الـ (أكوتومانسي) وكن يستخدمن المرايا البيضوية كسطوح لرمي الإبر في ليال محددة تلك التي يكتمل فيها القمر بدرا، وتداخلت قراءة الطالع مع استخدام الإبر في إزاحة منافس عن منصب ما، أو استمالة قلب عاشق، لابد في نهاية الأمر أن نذكر أن اختراع أعواد الثقاب أدى إلى استثمار هذه الأعواد كبديل للإبر لدى البعض وقد شهدت في طفولتي بمدينة كربلاء من يقوم بذلك لكني لا أعتقد أنه وصل إلى حد الشيوع….

لا تعليقات

اترك رد