جمالية الشكل التراثي في مرسومات اصيل سلوم

 

تعتمد البنية الشكلية وقبل كل شىء حول اقامة العلاقة الاضطرادية بين الشكل وذاته وهو احساس يتبناه الفنان حال شروعه بمهمة التنفيذ , فالشكل بنية خارجية يتوصل اليه بعد اعلان تمحور الشىء وانعكاسه ضمن الفكر التداولي بمعنى فلسفته , والاشكال لا تنتج اعتباطيا بل هي ظواهر ترتبط بجوهرها كالمادة والشكل , اذ وصفها “افلاطون” باشياء تتواجد في اشياء اخرى تمتلك فيزياء طبيعتها وبالتأكيد انها تتصف بموضوعيتها في الفضاء .


وحينما نتناول شكلية مرسومات (سلوم ) فهي عادة ماتشكل توليفة ايقونية لرموز عراقية اجادت في تعبيرها من مما يبدو لها من ظهورات ارتسمتها بفعل ماترآى من ملامح كا(الفلاحة العراقية , البنت البغدادية ,اطفال البؤس , وغيرها ) لتضع قرائها ضمن تجربتها الجمالية في اشارة تقترب من موضوعية التعبير لدى “دوكاس ” في ان الحكم الجمالي يشير الى التجربة التي يمر بها المشاهد “وادراك الجميل الاستمتاع به وهي بلا شك محور النظرية الذاتية التي اشرنا اليها سلفا بين الفنان وذاته , وهو ذات الشىء الذي نقول عنه جميل بمعنى وصفنا لمشاعرنا واننا بذلك لا نشير الى سمات الموضوع لدى (سلوم ) بل الى انفسنا , الا ان عملية الخلط تلك وان كانت لا تقبل التعريف الانفصالي كل على انفراد وانما تشكل الاحساس بالموضوع وتتصل بالعلاقة الواردة بين الموضوع المحكوم عليه والتجربة الجمالية “الاستمتاع ” هكذا ينطلق الاثنان (سلوم ونحن ) ويشتركان فى الاداء والالتزام بأن المشاعر الجمالية تعني الذوق تماشيا مع ما ينتجه الفن من رسم وغيره .


عليه ان اغلب ماقدمته من ذكريات الماضي رسمتها بفاعل الترسيخ والانطباع ولم يتخط ذلك البيئة العراقية المحمومة بتواتر الارث الريفي والغنية بتراسيم الذكرى , فالفن “شوبنهاور” رؤية حدسية لحقيقة الحياة والوجود عن طريق التأمل الجمالي للمثل ” وهو ما ارادت به (سلوم ) ان التعبير لتحقيق جمالية الشكل الذاتي هو اساس عقلي اتصف بالمثالية والارادة في الوصول الى الاشياء الاكثر جمالا والذي يقاس بقدرة الشىء في اظهار مثاله , بمعنى ان تصل بمرسوماتها الى الذات المدركة العارفة وهي اقتران بزمانية الحدث ومكانيته وموضوعيته , وجلها وجودان حسب مانستنتجه وجود تعبيري محصلة عن الرغبة في نشر الفعل البيئى وصورته التي عرضت علينا (تزيين الشال , الوشم , اعلان التبرج , …) و ظهورات الوجود التأملي بوصفه ثاني الوجود المتحرر من الارادة حيث التعبير كيان حدثي تقني واقعي , في حين ان التأمل كيان عقلي , ولا نريد فصل الوجودين لا ن ذلك سيعزل الزمان والمكان عن الموضوع , وهو ما يدفعنا الى بناء القيمة التراتبية في ان ما تستدرجنا اليه (سلوم ) تمثل موجودات عوالمها المقصورة على الارادة .


لو تناولنا لوحة الموضوع “فتاة بغدادية” “ام العباية ” لادركنا تحليل بنيتها وفقا لامرين في التعبير عن المتعة الجمالية الشكلية اولهما الذات العارفة وثانيها الموضوع , فالبنت ام العباية تمثلها مشهد جانبي لفتاة تهم بمشيتها المتغنجة وتظهر مفاتنها باغراء تام تلبس حلي واقراص وقلادة واساور وتمسك بتلابيب عباءتها فضلا عن ثوبها الاحمر وشعرها البني , ان ارتداء العباءة كناية عن الارث العراقي القديم والجديد وان لباس “العباءة ” تراث عراقي يتميز بكونه قطعة من القماش الاسود ذو الملمس الناعم واللماع الخفيف (نصف معتم ) او (نصف شفاف ) ترتديه الفتيات والمرأة العراقية في المحلات والمدن العراقية والمناسبات والمؤسسات وغيرها , والعباءة تعتمد كستار لاخفاء مفاتن المرأة ,تزينت بتبرج عالي , هنا شكل المشهد بمقطعين عموديين بحيث لو قسمناه الى مقطع ايمن متمثل بشكل المرأة وعباءتها اما المقطع الايسر شكل نصف المشهد والمزين بعيون ذئاب ,اشباح , سبع عيون , هيئات ووضعيات مختلفة لرجال سكارى او اعياهم النظر …ان استعارة مظهرية الذئب وعلاقته بالرجل تعبير سايكولوجي عن الشهوة واحلام الرجل بالسيطرة على المرأة كونها ساحرته وملهمته اذ يبدأ من خلال النظرات التي يوجهها نحوها وان التفاتتها في المشهد الى الوراء دليل ذو حدين احدهما على خوفها من الماضي والاخر من المستقبل ومن البيئة التي تعيش فيها ومحيطها وما الى ذلك , الا ان (سلوم ) رسمتها بتعبير الواثقة الماشية الطامعة بالمزيد والتي وان التفتت الى الوراء الا انها تبقى سيادية متسلطة على المكان والزمان .


كما وادخلت الفنانة العديد من الرموز المصاحبة للموضوع واعتمدت جعلها شاشة للمتلقي بأن اضافت “كف الحسد ” او مايعرف باسبع عيون , وكذلك الشبابيك المتناثرة التي يرمز اليها في البيئة البغدادية بالشناشيل , هذا وان الرموز التي لونت بالبني الفاتح والغامق كان يراد بها بسحابة ضمنت العديد من الاحلام والمخيلة الكامنة بما وراء الموضوع , اذ ان المرأة بنت بغداد اذا ما خرجت الى الشارع فأن العيون ترمقها من زوايا عدة واشارت فنانتنا الى وجود عيون الذئاب والشبابيك الا انها جعلت من “السبع عيون ” كفاية لا ستبعاد العيون تلك والتي ملئت بالرغبات والحسد والطمع , وارادت ان المرأة الواثقة هي التي تجوب الحواري والازقة دونما خوف وانها تلهب المكان بنيران الورد التي توزعها على مارتها , نعم انها رسمت التراث وابدعت في تصويره بعد ان ركزت على الموضوع ذو اللونية الصرفة في حين تركت نصف مرسومتها بلون مغاير قاتم وهو احد درجات القهوائي , فالموضوع غايته شد الانتباه نحو الفعل للحصول على ردة الفعل وتحقيق السعادة في تجربتها التشكيلية فيما بعد .


لقد حققت الفنانة1. توازنية المقطعين على الرغم من جعل الاول مشغولا ب(figer)واحد في حين الثاني مجموعة (figers) 2.سيادة اللون البني الغامق والفاتح منه 3.بؤرة التركيز المرأة 4. اقتصار اللون من 3 الى 4 الوان 5. وضوح الفراغ في المقطع الاول 6. استخدام لغة الجسد للتعبير 7.التعبير الشكلي ثقافة مجتمع 8.تكريس الطابع الشخصي للمرأة لذاتها 9. ترصين النسق العقلي والشعوري في تشكسل جمالية الشكل 10. تقديس الارث الشعبي 11. تشكيل الظواهر الشعبية والحفاظ عليها .

 

المقال السابقالشعر العربي بين المعاصرة والتجديد – ج 6
المقال التالىورود في ساحة المعركة
الاسم/ الدكتور حازم عبودي كريم السعيدي التولد/ الديوانية 20/11/ 1960 تخرج في المثنى الابتدائية للبنين في المسيب 1973 تخرج في متوسطة المسيب للبنين1976 تخرج في ثانوية المسيب 1982 الشهادة بكالوريوس فنون تشكيلية /1986 الجامعة والكلية/ جامعة بغداد ـ كلية الفنون الجميلة ـ حاصل على شها....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد