حقائق فى دولة الخلافة

 

يرى شيخ القرآنيين أحمد صبحي منصور ، في كتابه الموسوم (المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين) ، حيث يورد ما نصه : ” إنّ أبا بكر مات مسموما بمؤامرة ( عمر ) . فقد كان المسيطر على أبى بكر في خلافته ، ثم كان المستفيد من موته فتولى الحكم بعده . و ساعده طلحة و عثمان و عبد الرحمن بن عوف . و قد كانوا مع عمر في مشهد موت أبي بكر و دفنه و مبايعة عمر بعده . و سنراهم في مؤامرات تالية ” ، و يضيف القرآني منصور في موضع آخر من نفس الكتاب : ” و لأنها مؤامرة قتل ، فإن عمر أسرع بدفن الضحية ليلا ، و قبل صباح اليوم التالي ، و دون جنازة يحضرها الناس ، بل و منع النواح عليه . و الروايات كلها تتفق في دفن أبي بكر ليلا بمجرد وفاته ، دون أن ينتظر عمر للصباح ” ! .
و هكذا تنحسر الستارة ، عن مشهدية مقتل الخلفاء (الراشدين) الأربعة ، غيلة و على أيدي الصحابة من السلف (الصالح) ، في حمى الصراع على السلطة و المال ، التي شهدت أبشع فصولها دموية ، في اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان .

و مقتل الصحابي سعد بن عبادة ، في سياقه التاريخي من تنازع السلطة و المال ، بين رموز (السلف الصالح) من الصحابة و التابعين ؛ فإنه ما أن مات النبي محمد ، حتى سارع زعماء الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة ، كما هو معروف (جزئيا) لدى أغلب المسلمين ، لكن ما لا يعرفه الأكثرون ، هو حقيقة ما حصل من تنازع شرس – لا أخلاقي – بين كبار الصحابة ، صراعا على السلطة . فالأنصار كانوا يعتزمون تنصيب كبيرهم (سعد بن عبادة) خلفا للنبي محمد ، في حكم الدولة الإسلامية الناشئة ، لكن خطتهم باءت بالفشل . و هو ما اتطرق إليه فيما يلي باختصار شديد ، نقلا عن كتب التاريخ و التراث الإسلامي ..
عَلِم عمر بقرار اجتماع الأنصار – من طرف واحد – فعمد إلى (جر) أبي بكر للحاق بالاجتماع ، قائلا له في الطريق : ” إنهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر ! ” ، و في الاجتماع وقف عمر ليخاطب زعماء الأنصار بقوله : ” والله لا ترضى العرب أن يؤمِّروكم ونبيها مِن غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تُوَلي أمرها مَن كانت النبوّة فيهم ، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ” . فعمر كان يريد أن تؤول السلطة إلى قبيلته قريش (المهاجرون) ؛ حيث أردف قائلا : ” من ذا ينازعنا سلطانَ محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلّا مدلٍ بباطل أو متجانف لإثْم ومتورط في هلكة ” !
وينهض أبو بكر ليخطب بدوره في المجتمعين بسقيفة بني ساعدة ، ليشق صف الأنصار (من قبيلتيْ الأوس و الخزرج) بقوله : ” إنّ هذا الأمر ، إنْ تطاولتْ إليه الأوس ، لم تَقصُر عنه الخزرج ، وإنْ تطاولتْ إليه الخزرج ، لم تَقصر عنه الأوس ” ، ثم يُردِف : ” نحن الأمراء وأنتم الوزراء ” !!! .
ويحتد الجدل بين (السلف الصالح !) ، فيقف من الأنصار الصحابي الحُباب بن المنذر ليرد على كل من عمر وأبي بكر ، مخاطبا قومه الأنصار : ” إنْ أبى هؤلاء إلّا ما سمعتم ، فمنّا أميرٌ ومنهم أمير ؛ فإنْ أبوْا ، فاجلوهم عن هذه البلاد ” ….. فيرد عليه عمر : ” إذن يقتلك الله ” . ويرد الحباب : ” بل أيّاكَ يقتل ” .
وتفلح كلمة أبي بكر في استثارة الشقاق القديم بين الأوس والخزرج ، فيقوم رجل من الأنصار يدعى بشير بن سعد (وهو من الأوس) ليقول : ” هم – يقصد المهاجرين – أول من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله ورسوله ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك إلّا ظالم ” . ثم يتقدم ليبايع أبا بكر – موقعا بذلك الانشقاق في صفوف الأنصار – فيتبعه عمر بالمبايعة ثم أبو عبيدة .. ثم بقية الحضور .
على أن شخصا واحدا من الحضور ، رفض أن يبايع أبا بكر بالإمارة ، و ظل مصرا على أنه هو الأحق بها دون غيره ، هو كبير زعماء الأنصار ، الصحابي الجليل (سعد بن عبادة) ، الذي اشتهر بالكرم و الجود ، منفقا ثروته في سبيل الإسلام ، إلى درجة انه – في أولى أيام الهجرة – بينما كان الشخص من الأنصار يستضيف على مائدته مهاجرا واحدا أو اثنين ، كان سعد بن عبادة يستضيف بالثمانين مهاجرا من قريش . و فضلا عن كرم سعد و ما أنفقه من ماله ، في دعم الدين الجديد و شد أزر المهاجرين بدينهم ، عندما كان و كانوا في أشد الحاجة إلى الدعم و المؤازرة ، سعد فقد كان مقاتلا مقداما و مقدّما في غزوات النبي محمد ، إذ بينما كان علي بن أبي طالب يحمل راية المهاجرين ، كان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار . لكن كل ذلك لم يؤهله في نظر عمر (القريشي) ليكون خليفة و أميرا للمؤمنين ؛ فالتساوي بين المسلمين في صفوف الصلاة ، لا يمتد ليشمل التساوي بينهم في السلطة و المال .. في دين قبيلة قريش ! و ينقل لنا الرواة قول عمر ، في معرض الحديث عن خلافه مع سعد بن عبادة : ” فقلتُ و أنا مُغضب : قتل الله سعدا ، فإنه صاحب فتنة و شر ، و إنّا و الله ما رأينا فيما حضر من أمرنا ، أمرٌ أقوى من بيعة أبي بكر ، فخشينا إن فارقْنا القوم قبل أن تكون بيعة ، أن يُحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى ، و إما أن نخالفهم فيكون فساد ” . هكذا بكل وضوح : إما أن تؤول السلطة إلى قريش و تنحصر فيها ، و إما الفتنة و الفساد ! .
و عندما تولى عمر الإمارة ، ظل سعد على موقفه المعارض ، فلم يبايع عمرَ . و هنا تبدأ قصة (اغتيال الجن للصحابي سعد بن عبادة) .
و في ذلك يقول طه حسين ، في مؤلفه الموسوم (في الأدب الجاهلي) ما نصه : ” و في الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا حتى اختلف المهاجرون من قريش و الأنصار من الأوس و الخزرج في الخلافة أين تكون ، و لمن تكون ، و كاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين و حزم نفر من قريش ، فما هي إلا أن أذعن الأنصار و قبلوا أن تخرج منهم الإمارة إلى قريش ، و ظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين ، و أنهم قد اجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري ، الذي أبى أن يبايع أبي بكر و أن يبايع عمر و أن يصلي بصلاة المسلمين و أن يحج بحجهم ، و ظل يمثل المعارضة ، قوي الشكيمة ماضي العزيمة ، حتى قتل غيلة في بعض أسفاره . قتلته الجن فيما يزعم الرواة ” .
و تخبرنا كتب التراث الإسلامي ، أنه بينما كان عمر – ذات يوم – يقوم بجولاته المعتادة في دروب يثرب (المدينة المنورة !) ، التقى بسعد بن عبادة ، فبادره بالقول : إيه يا سعد ! فقال : إيه يا عمر ! فقال عمر : أنت ما أنت صاحبه ؟ (أي هل لا زلت على موقفك من رفض المبايعة ؟) ، فقال سعد : نعم .. أنا ذاك ، أما و قد أفضى إليك هذا الأمر ، فو الله لقد كان صاحبك (يقصد أبا بكر) أحب إلينا منك ، و قد أصبحتُ كارهاً لجوارك . فقال عمر : إنه من كَرِهَ جِوارَ جاره تحوّل عنه .
و من ثم فقد اشتعل العداء – علنا وجها لوجه – بين الاثنين ، فما كان من سعد غير أن يخرج من المدينة ، قاصدا الشام ، مبتعدا بنفسه عن طائلة يد عمر للانتقام منه . لكن عمر لم يترك سعدا يعيش بأمان في منفاه الاختياري ، فلربما يستغل سعد وجوده في الشام – بعيدا عن أعين عمر – ليشكل هناك قوة معارضة سياسية مسلحة للإطاحة بإمارة عمر ، و قد يستعين في ذلك بحاكم الشام القوي (معاوية) ، الذي يطمح هو أيضا للانفراد بالسلطة .
و هكذا .. ففي ذات يوم ، وُجد سعد بن عبادة مقتولا (و الفاعل مجهول) ! و حتى لا تطال تهمة اغتيال سعد الخليفة عمر بن الخطاب ، لسابقة ما كان بينهما من خصومة سياسية حادة ، فقد لفق المسلمون (السلف الصالح) حكاية خرافية ، تنسب مقتل سعد بن عبادة إلى الجن ! فتخبرنا المصادر الإسلامية ، أنه بينما كان سعد يبول واقفا ، وقع بوله على نفر من الجن ، فغضبوا منه و قتلوه ! و لم يكتف الجن باغتيال سعد بن عبادة (جرّاء تبوله عليهم) ، بل قالوا في ذلك شعراً ، يفتخرون فيه بقتله !
” نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ .. رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ ” .
و يعقب طه حسين على ذلك بقوله : ” و العجب أن أصحاب الرواية مقتنعون بهذا الكلام من شعر الجن ! ” . و نحن لا نملك إلا أن نتعجب مع طه حسين ، من شاعرية الجن قتلة سعد بن عبادة !
فكم هو تاريخ الإسلام و المسلمين مليءٌ بالدسائس و المؤامرات الخسيسة و الصراعات الدموية على السلطة و المال ، و كم هو تاريخ ملوث لا يشرف أحدا من أتباعه ، وكم هم الصحابة و التابعون و تابعو التابعين سلف غير صالح أبدا ، و كم هو مسلم اليوم ، المبرمَج سلفيا ، كائن شبحيّ ، يعيش منفيا خارج التاريخ ، مستأنسا بصحبة أبي هريرة

لا تعليقات

اترك رد