الحنين إلى الماضي

 

قرأت ذات في احد التعليقات لصديق لي على منشور أننا ربما نكون الشعب الوحيد الذي يعيش على هذا الكوكب يحن إلى ماضيه ويعتبره أفضل من حاضره وربما سيبقى أفضل من مستقبله فالأجيال التي تجاوزت الستين من عمرها تطرح ذكرياتها بشيء كبير من الحنين إليه رغم بساطة مفردات الفترات التي يحنون لتفاصيلها بالقياس إلى التطور العلمي الهائل الذي تشهده البشرية الآن بما فيها بلادنا العزيزة التي دخلتها الكثير من عوامل التطور العالمي والحضاري وخصوصا بعد أن دخلنا ضمن القرية العالمية الصغيرة وتبادل المعلومات ونحن بلد يمتلك الكثير من الثروات بل ربما نحن نعتبر من بين أغنى بلدان العالم لكن المواطن البسيط في كثير من المدن العراقية يعيش تحت خط الفقر إذا تجاوزنا المقاييس العالمية واعتبرنا مدخول الفرد لا يوفر له تغطية حياته اليومية البسيطة وليست المتوسطة بشكل يحفظ له كرامته ويغنيه بالكفاف عن الحاجة إلى مد يده إلى الآخرين وامتلاكه القدرة على العمل .

ولكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا الذي نسعى إلى مناقشته حيث نستخلص منه سؤال بسيط لماذا يحن الإنسان إلى الماضي ويتمنى عودة الأيام الخوالي ويستغني عن كل عوامل الحضارة والتطور العالمي الذي نلاحظه اليوم فماذا وفرت تلك الفترة وما ينقصه اليوم؟ وما هي الأسباب التي جعلتنا في هذا الحال ؟

إن هذا الموضوع حقيقة شائك ومتشعب ولا يوجد له جواب واحد يمكن الخوض فيه ونعتبره سببا واضحا فنظرة سريعة لواقع اليوم بالمقارنة بالأمس (والمقصود هنا منتصف القرن الماضي أو ما قبله) فربما العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي نشأ عليها مجتمع تلك الفترة أصبحت غير موجودة اليوم وساعد على اختفائها التجهيل المتعمد والأمية والتخلف ليس في القراءة والكتابة فحسب بل في تحجيم عقولنا وقوقعتها والانحراف بها باتجاه معين فأصبحنا لا نواكب ولا نستوعب طريقة التطور العلمي وحركة التنمية العالمية وتأثيرها على الفرد وربما البطالة التي يعاني منها الشباب اليوم وما ينتج عنها من تسكع من هم في سن العمل وضياعهم في البحث عن فرصة التكسب الشريف دفعهم إلى ذل الحاجة أو الاندفاع والانخراط في ممارسة الرذيلة رغم امتلاكهم للتحصيل الدراسي المناسب أو ربما ضعف تطبيق القانون وسيادة الأعراف العشائرية (على أهميتها في الالتزام الأخلاقي الاجتماعي) ولا أرى أن العامل الديني من احد الأسباب فالجميع يعتبر نفسه ملتزم دينيا ويمارس طقوسه في التعبد بشكل لا يخضع للمراقبة أو المنع دون استثناء لطائفة أو دين مع انتشار المنابر والجوامع وحتى من غير المسلمين فان وضعهم الآن أفضل بكثير بانتهاء فترة الصراع التي سادت بعد عام 2003 وحملات التصفية باستثناء ما قامت به عصابات داعش القذرة في المناطق التي احتلتها وقد زالت الآن والحمد لله .

يتبادر إلى الذهن سؤال فيما إذا كانت بلادنا تتعرض لحملة خارجية ممنهجة لتدمير المجتمع العراقي وقيمه أم إن شعبنا هو من يسعى إلى تدمير ذاته من خلال فرض عادات وتقاليد غريبة تعمل على تفتيت أواصره الاجتماعية وهل إن للحكومات المتعاقبة منذ ما بعد عام 2003 لحد الآن دور فيما يحصل وما هي سبل المعالجة التي تحفظ للعراق وللمواطن الحياة التي يطمح إليها في بلاده مع ملاحظة الرغبة خصوصا عند سن الشباب بالهجرة إلى الخارج .

هناك معادلة أطرافها المواطن الفرد والعائلة مجتمعة والدولة كمؤسسات تقع عليها وفق الدستور واجبات كثيرة لحماية مواطنيها والمحافظة عليهم من الانحراف والضياع فألف باء الدستور وأولوياته البديهية اوجب عليها كحق للمواطن أن توفر له الأمن والحماية وفرصة العمل والدراسة والسكن والعلاج وحرية الفكر وممارسة طقوسه الدينية التي يؤمن بها بالإضافة إلى باقي الخدمات وهي ليست منة أو فضل من احد فالعراق الذي يعتبر من اكبر مصدري النفط في العالم تتوفر له ثروة مالية طائلة تكفي لتغطية كل حاجاته ولعشرات الأجيال إذا أحسن استخدامها وإنفاقها بشكل مدروس .

لقد تحول العراق من بلد منتج ومستقطب للأيدي العاملة مكتفي ذاتيا إلا في بعض الجوانب خصوصا خلال فترة الحصار إلى بلد مستهلك يعتمد على الاستيراد في كل شيء فلا زراعة ولا صناعة وتحولت التجارة إلى القطاع الخاص الذي يهتم بتنمية ذاته على حساب الآخرين أفرادا أو حكومة وتنامت طبقة من التجار أصبحت متخمة وانحدرت طبقة أخرى إلى أدنى مستويات الحضيض وأصبح البلد طارد لخبرات أبنائه وأيديهم العاملة وكل جانب منها يحتاج إلى مناقشة تفصيلية بموضوع خاص لا يغطيه مرور سريع في مقال شامل من جانب ومن جانب آخر تحولت اغلب معامل الدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص وبذلك فقد يسبب هذا الحال في حرمان الأيدي التي كانت عاملة من فرصتها في الحصول على مدخول مناسب وبالحد الأدنى ومع تنامي واضح في أعداد السكان دون تدخل الحكومة ودون مساهمة التخطيط للمستقبل فقد ارتفعت أعداد العاطلين وحتى الخريجين وصولا إلى أصحاب الشهادات العالية عن العمل وبدلا من أن يكونوا منتجين أصبحوا عالة على أنفسهم وعائلاتهم وكذلك ثقل إضافي على الدولة أضف إلى ذلك الهجرة من الريف إلى المدينة مع ملاحظة الفرق في أنماط الحياة بين المدينة والريف وانتقال بعض العادات التي ربما لا تتقبلها المدينة كما ساهم إلغاء التجنيد الإلزامي في إضعاف تنظيم الحياة اليومية وضياع النظام وسادت الرغبة في حب التمرد على كل شيء والتطلع إلى بناء مستقبل شخصي للفرد وبالتالي للأسرة والمجتمع مع غياب تام لدور الإعلام الموجه في الإصلاح الاجتماعي .

نحن الآن جميعا نعي أننا في اشد الحاجة إلى تدارك الواقع لإنقاذ أنفسنا من الضياع ورسم صورة مشرقة لمستقبل واعد لبلادنا ولشعبنا والاستفادة من ماضينا لنؤسس عليه حاضرنا ومستقبل أبنائنا .

لا تعليقات

اترك رد