الفن بين الاحساس والشكل والمهارة ج 4

 

الفن عند مستوى الأحساس:
عندما نقارن بين فيزوفيوس وانتصار ساموتراس بغرض أكتشاف التشابه المهم اننا مدركون لهذين الشيئين كأشياء محسوبة. وهذه هي أهم الطرق المألوفة التي نفهم بها تجربة الوعي، وهي تجربة وثيقة الصلة بين كل البركان والتمثال. وعندما نواجه أياً من الشيئين نلاحظ شيئاً ما وهو النموذج اللوني، والنموذج البصري الذي يقدم حقائق من حواس اللمس والأتزان والأتجاه. والأشخاص العاديون أجسامهم مزودة بنفس أعضاء الحس ونحن نفترض بشكل منطقي أنه تحت ظروف متشابهة. فأن أعضائنا سوف تصل الى نتائج متوازية، ومثل هذه الاسس العامة للتجبة والتوقع تجعلنا قادرين على تحليل وتذكر وتواصل الأفكار وأتصالها حول الأشياء المحسوسة بنجاح.
وفي النتيجة فأن الأعمال الفنية والمصادر الطبيعية جميعاً متساوية في كونها نماذج حسية.

الشكل البصري:
إن التحول الذي يجريه الفنان هو المعنى، ودلالة على خلق معادل تشكيلي للغموض الكائن في الكون، ربما نجد ذلك من خلال سقوط ورقة من شجره صفراء، أو اختراق مثلث لدائرة، فالكنيسة التي يصورها فان كوخ يطبع عليها أثره، انفعالاته، فتأتي الكنيسة لديه محاطة بفراغ ثقيل ولون وكتلة توحي بالانهيار، وبنفس السياق أراد بيكاسو أن يعبر عن بكاء المرأة بأكثر من الحالة الواقعية ونجد ذلك في لوحة (المرأة الباكية)، وصور رينيه ماغريت بورتريه لتمثال على رأسه بقعة دم، كما صور ( فرنسيس بيكون ) تشوهات الإنسان الداخلية، من خلال صياغته لها من جديد وفق ما يراه الفنان، ثمة إشارة لبيكاسو ذات أهمية، عندما جلب مقعد ومقود دراجة نارية ووضعهما فوق بعضهما لتأخذ شكل ثور، وقد عبر حينها بيكاسو بأنه يمكن لأحد ما أن يجد هذا التمثال ويصنع منه دراجة نارية وذلك باستكمال عناصرها، كل ذلك لا يلغي الأهمية الكبيرة لجهود فتره طويلة من النقل الحرفي للواقع، إنه لمجرد (مايكل انجلو) استطاع نحت تمثال موسى، هو إبداع هام يأخذ أهميته أيضاً في سياقه التاريخي، لكنه في فترة الحداثة تغيرت الرؤية البصرية للشكل، ولو كان مايكل انجلو حياً لفعل ذلك، وتجاوز الواقع والمشخص، وقد تنبأ بذلك فان كوخ : ( لو صوّر إنسان يحفر الأرض فوتوغرافياً لجاء في النتيجة أنه لا يحفر ).إذاً أضحت الأشياء في فترة الحداثة غير واقعية، لكنها واقعية من نوع آخر، من حيث تجسيد الذات الانفعالية بغية رؤية مالا يرى، فالمكان والإنسان قد تغير شكله الواقعي، فجسد المرأة أخذ تجليات تعبيرية عديدة ممتزجة بالخيال وتصورات بصرية مختلفة، ومن الأهمية بمكان، النظر إلى ذلك التحول في بنية الشكل باهتمام، لأن ذلك لم يحقق الحرية فقط، إنما أشار إلى البعد الحقيقي لدى الإنسان في حريته، طفولته، وحتى بدائيته، وهذا الأمر احتاج إلى تخطي المفهوم العقلاني في الرؤية البصرية للشكل، وهذه العقلانية كانت قد تجذرت في الحياة الاجتماعية الأوربية، التي ليست سوى قناع أراد الفنان نزعه ليكشف تلك الطفولة، إن الطفل يرسم المدرس والعصا بحجمه، وقد أراد أن يرسم كما يرى، وأن يعبر عن الحقيقة الجوهرية التي يعيشها ولكن عبر تحطيم النسب الواقعية للشكل، وأهمية فن الطفل تكمن في تحطيم هذه النسب دون دراية، وبكثير من الصدق، وهكذا كان الإنسان البدائي، حيث لم يفكر بصرياً إلا وفق رؤيته الذاتية بصرف النظر عن الوجود الواقعي للشكل، وهذه هي القوة الروحية التي تنفخ في بوق الإبداع .إن العقل الرياضي قياسي، وهو صحيح بالنسبة له، لكنه ليس صحيحاً بالنسبة للإبداع الذي يرى ما لا يرى، إن التأسيس اليوناني للفن الذي جاء متواشجاً مع النزعة العقلية، استمر قرون عديدة، لم تحتج الحداثة سوى رأي وإحساس ما تجاه الشكل، قد يبعث الراحة أو الجمال وقد يبعث دلالة معرفية أو رمزية ما، هذا الأمر يعني نسبية المعرفة والذائقة ويعكس حالة الاهتمام للمتصل البصري، فعندما يتناول الفنان / كتاباً / ما، يلفت انتباهه الشكل الفني وقد يكون غير ذلك بالنسبة للروائي وقد يكون بالنسبة لآخر لا معنى له سوى كتاب للقراءة. في الواقع ثمة غموض في الشكل، وثمة أسئلة كثيرة تعتمل فينا في حال تجاوزنا الرؤية التقليدية للواقع والشيء، لأن عيننا المعرفية معيارية أحياناً وليست عين إبداعية، وربما ذلك ناتج عن طبيعة وعينا المؤسس على تجربة تاريخية في المعرفة مبنية على العمل الذهني والفكري المحض، بمعنى آخر هناك قطيعة مع الصورة منذ تحريمها من العمل، هذا الوضع لم ينشئ علاقة تأملية مع الشكل في أن تصل بالوعي البصري لأن يكون الشيء أكثر من ذاته. الكرسي والسكين اولطاولة اولنافذة وأشياء أخرى لها معنى في إطارها الوظيفي، لكن بالفن ليست كذالك وحسب، إنما هناك بعد بصري آخر يشتغل عليه التشكيلي والشاعر والسينمائي.

إنه يعمل على تخطي الوجود الفيزيائي والقياسي للشكل، حيث ( لكل شيء وجهان ) وقد شكلت / الطبيعة الصامتة / للفنان ولا تزال أحد الموضوعات الحيوية التي تعكس ذاته الانفعالية عبر أنسنتها ومنحها دلالات مختلفة، إن الشكل الذي نبنيه بمختلف مجالات الإبداع حتى العمارة منه، نمنحه أثرنا بمعنى آخر هناك أثراً يتركه الشكل المبنى من حجم ولون وخط ، فهناك خط قاس وخط دافئ وآخر قلق وبالتالي هناك أثراً يتركه المستطيل، أو طريق متعرج، وثمة فرق بين منزل من البيتون وآخر من الطين، إن أحياء مدينة قديمة مثلاً بتعرجاتها والتقاء شرفاتها تعكس حاله انفعالية واجتماعية ما لساكنيها، بل تعبر عن منظومة من التفكير، لأن المكان هو انعكاس للإنسان والعكس صحيح، إن إضفاء الذات على بناء الشكل هو الذي يحقق تواصل مع الآخرين بحيث يمكن أن يراك الآخر من خلال ما تفعله بصرياً.

Sent from my iPad

المقال السابقالحنين إلى الماضي
المقال التالىالفساد في العلم والمعرفة
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد