عفيف الآغا .. منطق العقل


 

بعد مسافة لا تتسع لظمأ الاستمتاع بالطبيعة والأشجار والاستماع إلى ما يخفيه الفنان النحات من خبايا وأخبار وصلنا وبقي علينا أن نتجاوز البوابة لنمر عبر طريق تمتد إلى الحدود النهائية للمزرعة حيث يستقبلك حراس من نوع تشارلو وهم إلى الآن لا يعرفونك لذا عليك أن تكون حذراً هذا ما تنبهت إليه و ما نبهني الآغا عليه فبقيت داخل السيارة إلى أن أذن لي بالنزول بعد أن أبعدت الكلاب عن الطريق وعن المدخل .. ثم بعد ..أخذ يعتريني الذهول .. هنا تستقبلك الفراشات وحفيف الأوراق عندما تلاطفها النسمات هنا مصنع العطر والورود وإلى الجوار مسبح صغير ينعش صيفك الموعود هنا تتفجر الأعشاب من جدران خزان عتيق ينهض إلى جوار الباب وهنا ينمو سلم بمحاذاة شجرة التوت لتصعد أدراجه بسلاسة وتلون راحتيك فكرت ( قد تستهويك الكتابة عن فنان فهم الحياة وأدركها بمنطق العقل فأسس لركيزة مادية تحميه حين يصير الفن خياراً وحين يمضي بعض وقته للفن مختاراً ) أستطيع أن أستوعب هذا ضمن حدود رؤيتي التي أجد فيها كثيراً من الفنانين والمبدعين قد سقطوا على الطريق لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف النقل والعرض ولندرة من يتبنى قضايا الفن والتشكيل في مجتمعات نحو الجهل بتلك القضايا تميل … فأغلب تجار الفن والمروجين له عبر صالاتهم لن يخوضوا في مغامرات غير مضمونة النتائج ولن يسعوا باتجاه الفنان فهم لا يمتلكون تلك الثقافة التي تؤهلهم وتساعدهم على التمييز .. وهم مبهورون بالأسماء .. وآذانهم صماء لا تستمع إلا لمقرب يسيرها دون أن يخيرها

هنا متحف الآغا وأقولها غير مكترث بالبلاغة الحضارة أضفت على العفوية جمالاً وحين تدخلت أفكار الآغا روضها عبر الخيال .. دعاني عفيف آغا إلى متحفه وكنت مسروراً وكان اهتمامي أن يسعفني الوقت لأكشف المستور .. صعدنا الدرج غايتنا المشغل بلا حرج وقبل أن أسأل لماذا إلى هذا المكان .. بادرني بجوابه .. كل شيء محسوب و أعتى الصخور تصعد عبر رافعة جانبية إلى السطح وإلى حيث المكان المطلوب

وصلنا متحفه المكشوف على الفجر والراصد لأطراف مزرعته الجميلة عبر نوافذه العشر يبدو لكل شيء قيمة استثنائية حين يوضع و يتموضع في مكانه بسخاء فلكل عمل طاولة ينهض عليها أو أقفاص زجاجية يلجأ إليها وأعماله تتراوح في حجومها ما بين الكبيرة و الصغيرة والمنمنمات وهي تبدو كما مجوهرات صخرية و أيقونات تلخص نضاله الطويل وفهمه وفلسفته في الحياة فهو كما أظن وخصوصاً عبر منحوتاته التجريدية لا يؤيد فكرة أن الفن اكتشاف وما على الفنان سوى إزاحة بعض القشور دون أن يخاف .. هو يغوص في عمق العمل متحدياً بغض النظر عن شكل الصخرة ومتانتها وهو يسعى للوصول إلى تصوراته الفراغية أيا كانت حالتها وينتزع منها أكثر مما يبقي مفرغاً محتواها في الوسط ومؤكداً على تلك العلاقة الرمزية بين الكتلة والوسط فلكل دلالته عند الفنان وحين تكون النتائج بمستوى روح التحدي لن يختلف على العمل اثنان

فعفيف آغا قادر على صقل وتطويع أقسى أنواع الصخور ثم الولوج إلى داخلها من جميع الزوايا لتحقيق معادلة جمالية تشبه سعيه المذكور و لك أن تتخيل مدى حساسية العمل حين تصير حساباته أكثر هندسية وحين يسعى إليه عبر حركة التوائية
أما أعماله الأخرى التي تنتمي للتعبير الواقعي ولمرحلة أخرى فهي امتداد لمنحوتات الشرق وحين يصير الفنان أكثر اقتصاداً في إزالته للقشور يظهر الفرق

فبضع حركات بسيطة تعطي ملامح غائبة و تدخل للكتلة روحاً ويزيدها جمالاً بضع نقشات مفتعلة تتداخل مع عوامل الحت والتعرية السابقة للطبيعة المشتغلة وتتحقق فيها معادلة الجمال لتبدو كما منحوتة أثرية من صنع الطبيعة والخيال
وصلنا إلى نهاية المطاف وعند مشارف العودة .. نزلنا الأدراج نحو مزرعته الغناء فكلاب الحراسة صارت صديقةً لي وصرت أتجول بلا خوف أو عناء أمضينا بعضا من الوقت .. ثم مضينا لنكمل الحلم مع الوقت

المقال السابقالسيد المطاع
المقال التالىخذ قلبك وارحل
حسين صقور.. (الفينيق) فنان وناقد تشكيلي.. يكتب القصة والشعر وقد صدر له حديثا كتاب شعري بعنوان حين تشتعل الحروف شارك في عدة أمسيات كما أقام عدداً من المعارض الفرديّة والجماعية وملتقيات بالإضافة إلى مشاركاته في معارض الربيع ومعارض الخريف والمعارض السنوية لفناني القطر وكافة معارض اتحاد التشكيليين .. أع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد