دكَة “السادات” في عامها الأربعين


 

الدكَة باللهجة العراقية تعني فعلاُ ناقصاً أو معيباً و هي أنواع ، إذا كانت دكَة خزعلية فهي شديدة الوقع خاصة إذا جاءت من حبيب لا تتوقع غدره و يقول المغني العراقي
ما ريدهم ما ريد جيتهم علية
يا دكَة المحبوب دكًة خزعلية
و سبق أن كتبت في هذا الموقع مقالة عن ( دكَة بوش الخزعلية )

و شهد العراق في تاريخه الكثير من الدكَات أشهرها دكَة رشيد عالي الكَيلاني ، لا يتفق كل العراقيين على أنها دكَة لكنهم ما زالوا يطلقون عليها هذه الصفة

دكَة السادات هي أم الدكَات بلا منازع
ففي مثل هذه الأيام قبل 40 عاما ، كان الشارع العربي من طنجة إلى الدوحة يغلي كالبركان إثر فعلة قام بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات ما سبقه بها أحد من العالمين إذ سافر طائعاً إلى القدس في زيارة قال مؤيدوها حينها و منهم من لا زال يقول أنها ” تاريخية ” ففجع العرب و المسلمين و محبي السلام حول العالم بالإعلان عنها أمام مجلس الشعب المصري ، ( لدعم نصر تشرين 1973 واستعادة كامل أرض مصر دون إراقة المزيد من دماء المصريين ) فكان أن تنازل عن الكل من أجل جزء في معاهدة لم تف ” إسرائيل ” ذاتها بالتزامها بها ، و الأدهى أن رئيس وزراء العدو آنذاك مناحيم بيغن استبق فعلة السادات عشية الزيارة بالقول ( أن إسرائيل لا يمكن أن تعود إلى حدود عام 1967 كما أنها لن تعترف بدولة فلسطينية ولن تقبل بإجراء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية ) لكن هذه ” الطردة ” لم تثن السادات عن القيام بفعلته .

وتم تحديد موعدها ليكون يوم السبت الموافق 19 من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1977 ، في العشرين من الشهر ذاته 1978 عقدت قمة تونس لتعليق عضوية مصر في الجامعة العربية وتعيين الشاذلي القليبي أول أمين عام غير مصري لها و نقل مقرها من القاهرة إلى تونس و تشكلت “جبهة الرفض” بزعامة العراق . المبادرة الساداتية رفضتها الدول العربية عدا السودان و الصومال وعُمان التي يتبختر في ربوعها هذه الأيام خليفة بيغن بنيامين نتن ياهو . بدوره دعا السادات شريكه بيغن لزيارة مصر و بعد لقائهما في الإسماعيلية استشعر أنه خُدع بسبب مماطلات بيغن لدرجة أنه وصفه بلص من لصوص الماشية في خطاب له في تموز – يوليو عام 1978 قال فيه “إن بيغن يرفض إعادة الأراضي التي سرقها إلا إذا استولى على جزء منها كما يفعل لصوص الماشية في مصر” و هكذا حن الراعي الأمريكي لحاله و عقد مفاوضات السلام في منتجع كامب ديفيد لم تفض الى شيء لا لمصر و لا لمنظمة التحرير الفلسطينية .

و رغم الإعتقاد السائد أن السادات بادر بنفسه للقيام بهذه الزيارة الا أن محمد حسنين هيكل يُرجع السعي لهذه الزيارة في كتابه ” مدافع آية الله .. قصة إيران والثورة ” إلى ولاية رئيس الوزراء إسحاق رابين التي سبقت ولاية مناحيم بيغن عندما بعث بأول رسالة إلى الرئيس المصري . أما ” حمامة السلام ” التي نقلتها فلم تكن غير الجنرال المغربي أحمد الدليمي و التي اقترح عليه فيها عقد اجتماع مشترك بينهما ، المغرب أيضاً كان لها دور في إنهاء الإجماع العربي – و كان آخر إجماع عربي على الإطلاق – حيث انتهت المقاطعة رسمياً في المؤتمر الطارئ المنعقد بالدار البيضاء المغربية في آذار/ مارس عام 1990 ، وعاد مقر الجامعة العربية إلى القاهرة وعين وزير خارجية مصر آنذاك عصمت عبد المجيد أمينا عاما للجامعة . لم يعد لجبهة الرفض معنى بعد أن حوصر زعيمها العراق بدل مصر فانفرط عقدها

الآن بعد أربعين عاماً على هذه الزيارة ماذا جنى العرب منها ؟
لا شيء غير الهزائم على كل المستويات و غير جيل كفر بالثوابت الوطنية نتيجة التداعيات التي رسمتها تلك الزيارة على شكل الأنظمة الراضية بالإحتلال و بالتبعية . أمس كتب شاب عراقي ينتقد زيارة نتن ياهو لعُمان فماذا تتخيلون تعليقات أصدقائه ؟

– ماذا جنينا من مقاطعة إسرائيل؟
– الفلسطينيون يفجرون أنفسهم في العراق
– الفلسطينيون باعوا أرضهم لليهود
– دعوا السلطان يبني بلده بعيداً عن عقدنا
– الخ …..

جيل تم إعداده على مهل لعقود و طبخ على نار هادئة .
أما من نظام ، من قائد ، من حزب في هذا الوطن الكبير يقدر على إعادة التوازن لهذا الجيل التعس و ينهي سلسلة الدكَات على أنواعها ؟

لا تعليقات

اترك رد