تلعثم “رحلة إلى منابع الفن” ـ 2

 

هل أعمال الفنانة الشعيبية طلال تعد من الفن الفطري، أم أنها تدرج ضمن حركة الفن الخام كما يصفها جل النقاد؟ لا شك أن الجواب سيتطلب عملا بحثيا مقارنا يتناول الجوانب الجمالية التي تربط ألوان الشعيبية بحركة كوبرا Cobra الأوروبية، وبتجربة الفنان الفرنسي جان دوبيفي Jean Dubuffet (1901ـ1985).
إن الجمع بين الفنانات الثلاث على أنهن يشكلن “رحلة إلى منابع الفن” لهو من باب تعتيم الحقائق التاريخية واختلاس المعلومة وارتجال واضح فيما يخص تنفيذ المشاريع المتحفية. كيف يبرر المنظمون، علميا وتاريخيا وجماليا، كون الفنانات الثلاث من منابع الفن؟ وأي فن يقصدون؟ وعن أي منابع يتحدثون؟ ألا يمكن أن يترجم البعض هذا الكلام إلى محاولة لتقويض النضال التاريخي الذي عرفته مرحلة الستينات للتأسيس لثقافة تشكيلية وطنية؟ ربما قد يظن البعض أنه محاولة لإرجاع عجلة التاريخ خطوة إلى الوراء، واعتبار أن تاريخ الفن بالمغرب بدأ مع خمسينيات القرن الماضي! وهذا ما لم يستسغه أحد من النقاد والمؤرخين والمتتبعين لهذه الحركة. فكما أن الفن لم يقدم إلى المغرب في “حقائب المستعمر”، فيجب التسليم أن حركة الفن الساذج لا يمكن عدها من منابع وأصول هذا الفن. مع الإشارة الى ان ممارسي هذا النوع من التعبير لم يشكلوا حركة فنية، بل كانوا أفرادا معدودين هنا وهناك.

صرح محمد المليحي عام 1977 أنه “لم يعد بإمكان الفن التشكيلي أن يعود خطوة الى الوراء، مثلا تجربة الفن الفطري، ما يسمى بال Naïf قلنا في ملف مجلة أنفاس 1965 إن هذه الحركة سوف تتقلص وتنكمش، وفي الوقت الذي قلنا فيه هذا الكلام ضحك علينا الناس..وقالوا: لا يمكن لهذه الحركة أن تموت وتقف. والدليل أنها وقفت وذلك لأن الناس الذين يمسكون الحركة الفنية في مغرب ذلك الوقت، لم يظلوا هم أنفسهم، تلك الفئة المكونة من أجانب ذوي تفكير يختلف عن التفكير التقدمي الأوروبي الآن والذين كانوا يظنون أن باستطاعة المغرب أن ينتج فقط فنا فطريا وبأن الفنان المغربي المثقف المفكر لا وجود له. وأصبح واضحا اليوم أن الكلام الذي قلناه أصح وأصدق”. (الثقافة الجديدة، ص. 506ـ51)
أقول لمحمد المليحي: إن كلامكم لم يعد أصح ولا أصدق. فقد برزت اليوم فئة لها تفكير “يختلف عن التفكير الأوروبي التقدمي”، تؤمن “بأن الفنان المغربي المثقف المفكر لا وجود له”، وتُثمِّن بعضا من أفكار المستعمر الرجعية.
أنا هنا لست ضد الفن الساذج وأهله، ولكنني أطرح تساؤلات قصد مزيد من التوضيح فقط. ف”ما يهم في تاريخ الفن، في فترة معينة، هو ما فكر فيه أشخاص أو جماعات، وما قالوا وما فعلوا وصفحة التاريخ التي ساهموا في كتابتها. انطلاقا من هذا المنظور، فإن ما أصبح عليه الأبطال Protagonistes لا يهم” (طوني ماريني)
لا ريب أن النشاطات الفنية والثقافية التي ينظمها المشرفون على المتحف تؤسس لتاريخ الحركة التشكيلية بالمغرب، وأن المسؤولية بكاملها تبقى على عواتقهم، لأن المتحف مؤسسة قارة، تخترق الزمن، بينما مؤسسات أخرى كالأروقة مثلا عابرة، تغلق أبوابها وتندثر أنوارها بموت صاحبها أو بتغيير توجهاته وأيديولوجياته…أو بخسارته المادية إذا ما تدخلت الدولة مطالبة بحقوقها الضريبية. فالمتحف مكسب وتراث وطني، بات الجميع، فنانون وجمهور، يلحون على ضرورة وجوده، فهو مصدر للبحوث والتوثيق، ومرجع للأجيال القادمة. لدا من الواجب تدقيق وضبط، بعيدا عن كل ارتجال، أي خطوة تحبو على أرضيته، حتى لا نقع في اللبس والغموض وتزوير التاريخ.
“يتوقع الفنانون والمهنيون المغاربة الأفضل من هذه المؤسسة التي من المفترض أن تمثلهم. نحن في العصر الذي يريد فيه جميع الفاعلين أن يقدموا أفضل ما لديهم من أجل ثقافة وطنية تتجسد في خدمة الهوية المغربية ورأسمالها البشري”. (هشام الداودي)
“رحلة إلى منابع الفن”، ثلاث كلمات يشكلن العنوان.

فالمعرض، في اعتقاد المنظمين، بطاقة سفر لاكتشاف منابع الفن. هو بُراقٌ يرتقي بنا (بالمتلقي) عبر السٌدُم لنستجلي خبايا أصول الفن ونَسْتكْنِه خفاياه. ترى أي فن يُقصَد؟ وأية منابع سيرحل إليها المشاهد من خلال زيارته للمعرض؟
إذا كانت دلالة العنوان تميل نحو الفن الشامل، بصيغته الإنسانية l’Art، فلا ريب في أن أساليب الفن الساذج لم تكن في يوم من الأيام، عبر التاريخ وما قبله، أصلا للتعابير التشكيلية لدى الإنسان الأول. فلا أحد من النقاد ومؤرخي الفن يعتبر فنون المغارات فنونا ساذجة بالمعنى الحديث للكلمة. ولم يوصف إنسان العهد الحجري بالساذج، فالفرق بين الساذج والبدائي في تاريخ الفن الغربي واضح. حقا أن كلاهما يعتمد على العفوية والفطرة والعصامية، لكن الفن البدائي لا يتلاقى جماليا وفلسفيا مع تعابير الفن الفطري الحديث.
وإذا كان المقصود بالمنابع، منابع الفن المغربي، فنذكر المنظمين أن تلك المنابع لم يكن أبدا الفن الفطري أصلا لها. فالمغرب كسائر بلاد المعمور، عرف التصوير la peinture قبل بضعة آلاف من السنين، نتلمس آثاره من خلال كل ما يبرز وتعكسه حقب ما قبل التاريخ، وما ترتب عن التقاء الحضارات وتواتر الثقافات التي وطئت تربة الشمال الإفريقي. فالرسم والصباغة والعلامات الموشومة ما زالت حاضرة على العظام والجلود والأحجار والجداريات الجبلية والمنحوتات الصخرية…(ماريني)
وإذا كان المقصود أن أعمال الفنانات المعروضة تعد من مصادر الفن الحديث بالمغرب، فلا غرو أن من يعتقد ذلك يلزمه مراجعة نفسه. “إن تاريخ الفن الحديث في المغرب لا يتعين في بدايات هذا الفنان أو ذاك، في العقد الثاني من القرن العشرين، (كما يروج له بعض المؤرخون) وحسب بعض النقاد، وإنما قبل ذلك. إذ إنه تاريخ يتعين في أشكال قبول الصورة أو الاختلاف حولها”. (شربل داغر). ف”ممكن أن نأخذ سنة 1920 كبداية محتملة لتاريخ الفن الحديث بالمغرب. بل هناك أبحاث تشير الى نقط تاريخية قبل هذه السنة”. (طوني ماريني). ومن تم يجب التذكير أن محمد بن علي الرباطي (1861ـ1939) أقام أول معرض له عام 1916 بلندن، تاريخ يعده المؤرخون للفن التشكيلي بالمغرب كأول تظاهرة علنية للفنان المغربي وللوحة التشكيلية الحديثة. “لكن هل يمكن أن نؤرخ لبداية الفن التشكيلي انطلاقا من هذا التاريخ”؟ يتساءل الناقد موليم لعروسي، ليثبت أن “هذا ما لا يمكن التسليم به نظرا لأن محمد بنعلي الرباطي تفصله عن الجيل الأول للفنانين المغاربة عدة عقود”، وأن الممارسة الفنية لم تثبت جذورها “في التربة المغربية…بالطريقة التي سوف نقف عليها في نهاية الأربعينيات”. يقصد الناقد بالفترة هذه تلك التي برز فيها فنانون عصاميون هنا وهناك، لقوا تشجيعا من طرف مشغليهم الأجانب. فآنذاك نظم محمد الحمري (1932ـ2000) أول معرض له بطنجة عام 1948، وعرض محمد بن علال (1024ـ1995) بعض لوحاته سنة 1948 بمراكش إلى جانب صديقه ومشجعه الفرنسي جاك أزيما، وأقام مولاي أحمد الإدريسي (1924ـ1973) أول معرض له بمدينة لوزان السويسرية عام 1952، وأحمد بن إدريس اليعقوبي (1928ـ1985) كان معرضه الأول عام 1953. يبقى التساؤل قائما حول الفترة المفصلة بين محمد بنعلي الرباطي والفنانين الذين ظهروا مع نهاية الأربعينيات، هل “حلقة مفقودة” من تريخ الحركة التشكيلية بالمغرب الحديث؟ هل عرفت جمودا إبداعيا وخواءً فنيا من حيث الممارسة التشكيلية بصيغتها الحديثة؟ إن الجواب على مثل هذه التساؤلات الإشكالية يتطلب بحثا علميا (إركيويلوجيا) في الوثائق والمصادر التي خلفتها فترة الحماية الفرنسية، خصوصا وأن أرشيف هذه الفترة يشير إلى غزارة الأنشطة الفنية التي كانت قائمة بتشجيع من مصلحة الفنون المحلية Service des arts indigènes (معارض فردية وجماعية لفنانين أجانب، تتخللها مشاركة فنانين سباب محليين، وتأسيس جمعيات فنية وظهور أروقة للعروض…)
فقد نظمت مصلحة الفنون المحلية Service des arts indigènes التابعة لإدارة الحماية معرضا جماعيا بمتحف الأوداية بالرباط، لفنانين مغاربة، أشرف عليه بروسبير ريكار Prosper Ricard، المسؤول العام لتلك الإدارة آنذاك، كان من بين المشاركين في هذا المعرض الجيلالي بن شلان وامرأة من فاس تدعى كنزة والحاج عبد الكريم الوزاني (1912ـ2002).
مراجع:
Toni Maraini – Ecrits sur l’art, Ed. Le Fnnec,Casablanca 2014culture/tolle-contre-la-fondation-des-musees-pour-une-exposition-impliquant-chaibia
-Khalil M’rabet – Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed. L’Harmattan, Paris 1987
-الثقافة الجديدة، السنة الثانية، العدد السابع، ربيع 77
-موليم لعروسي ـالفن التشكيلي في المملكة المغربية، المنظمة العربية للثقافة والعلومـإدارة الثقافة 2016.
-شربل داغرـ الفنون التشكيلية في المغرب: الصورة والألق، المكتبة الوسائطية الكبرى، الدار البيضاء، بدعوة من “الجمعية المغربية للفنون التشكيلية”، 14-2-2014

لا تعليقات

اترك رد