الطاووسية و أُحاديَّةُ القرار


 

تصدر القرارات الحكومية والمراسيم التشريعية والتنظيمية معللة ومبررة وبناء على قانون ثابت أو مرسوم سابق أو قرار معمول به أو بناء على المصلحة العامة أو اقتراح معلل . ويتم ذلك بعد استشارات قانونية واجتماعية وسياسية أو استطلاع الآراء على مواقع الانترنت أو في المجلات والجرائد واللقاءات التلفزيونية وبعد استطلاع خبراء محايدين يقلبون المسألة من وجوهها المختلفة بحيث يصدر القرار بعد أن يتم التأكد من تحقيقه المصلحة العامة ومصالح القاعدة الكبرى من المواطنين حتى لا يصدر القرار مرتجلا فيضطر مصدره إلى التراجع عنه أو العناد في تطبيقه أو نقضه أو إهماله أو إلغائه . وفي أغلب الحالات تتصدى النقابات المهنية والعمالية والشعبية للقوانين وتفندها وتبرز عيوبها وتقترح على الحكومة تلافيها .

يحدث ذلك في بعض الدول التي تعتمد اللامركزية في الحكم منهجا وسياسية وأسلوب حياة فيخرج القرار معللا لا لبس فيه لأن المعنيين أشبعوه دراسة وتمحيصا وفهما وعندما تسألهم عن مادة فيه لا يعودون إلى معاونيهم في الاستفسار عنه أو توضيح بعض النقاط لأنه أساسا واضح للعيان وضوح الشمس أما في الدول التي تعتمد المركزية منهجا وسياسة فيصدر القرار الجميل بمظهره ليتعطل فترة من الزمن حتى تصدر التعليمات التنفيذية له فتعطله أو تشلّ بعض مواده وتفقده بريقه الأخاذ وما على الآخرين إلا التنفيذ.

للقوانين في كلتا المنظومتين احترامها . ولا يمكنك إلا أن تعمل على تنفيذها . هذا ما يقترحه لنا حس المواطنة في أن نطيع القانون لأنه رمز سيادة الدولة بغض النظر عن رأينا فيه . والفارق بين المنظومة الأولى والثانية هي أنك في الحالة الأولى تسعى لتنفيذ القانون بحب وطواعية وفي الحالة الثانية تنفذ القانون بتذمر وكراهية .

والارتجال في إصدار القوانين آفة من آفات القرن العشرين لأن الكثير من الدول وبحس من اللامسؤولية تصدر قرارا يخص فئة معينة لتؤذي به فئة كبيرة وخاصة في الأمور التي لها منعكس مادي على حياة الناس فيتأثرون بها ويشعرون بالضيق والتململ وعدم الرضا وما الارتجال في إصدار القرارات إلا نوع من الطاووسية يجب تجنبه.

وتكثر الطاووسية في مؤسسات القطاع العام والخاص والمشترك وفي اللجان الكثيرة بأنواعها إذ يتفرد بإصدار القرار شخص واحد أو مسؤول أو رئيس أو مقرر دون الرجوع للآخرين مستخدما ثقافة الاحتلال أو المصادرة أو الانتداب أو المسايرة أو فلسفة حصان طروادة في إصدار قراراته .

ويحدث أحيانا في المجتمعات غير الناضجة للتجربة اللامركزية أن تطرح قضية للنقاش الحر فيبتعد المتناقشون عن صلب الموضوع ويتلهون بالقضايا الفرعية الثانوية أو لا يعالجون القضية بجدية فيضطر صاحب القرار إلى إصدارة مستخدما الدكتاتورية الأبوية التي تلزم الآخرين بالتحرك فيمارس هو دورهم مضطرا لا راغبا وتظهر اللامركزية بأنها مركزية رغم أنه غير ذلك تماما .

ويحدث أحيانا أن الدولة تفقد هيبتها وصدقيتها بسبب عدم جدية مواطنيها وقلة أهليتهم القانونية في ممارسة حقوقهم وواجباتهم ويمارسون نوعا من اللامبالاة وعدم الاكتراث ويظهر ذلك جليا في أوقات الانتخابات العامة أو البلدية إذ يتلكأ المواطنون في الذهاب إلى صناديق الاقتراع لأسبابهم الخاصة أو لعدم قناعتهم بالمرشحين والحل لهذه المشكلات بسيط إذ يستطيع المواطن أن يمارس دوره الانتخابي عبر ورقة فارغة أو ورقة عاطلة أو ورقة رافضة . المهم أن يمارس الفرد مواطنيته . وينطبق ذلك على حالات الفساد الكثيرة في الكثير من الدول المصنفة على أنها فاسدة . وفي هذه الدول يصر المواطن والموظف في وقت واحد على ممارسة الفساد لأنه الطريق الأسرع في حل المشكلات وإيجاد التأويلات والحلول ، ويتجاهلون عامدين قاصدين تنفيذ القانون .وينطبق ذلك على اللجان التي لا تمارس دورها بأهلية قانونية وجدية فتخرج قراراتها غير ناضجة تعاني ما تعانيه من نقص وجفاف وانحراف . وعندما تفقد الدولة هيبتها ومصداقيتها تحترق وتتحول إلى رماد يطويه النسيان .

الطاووسية وأحادية القرار هو من يقود الدولة للفشل في تنفيذ قوانينها ويشجعها على تشريع الضرورة الاستثنائي الذي يصبح بقوة العادة إلى قاعدة يُعمل بها ويصعب التراجع عنها ، والدولة التي تفشل في تنفيذ قوانينها هي بالتأكيد دولة فاشلة وعاجزة .

يوازي الطاووسية وأحادية القرار في الفشل القرارات التي يستغرق إصدارها أشهرا طويلة حتى تنضج وربما لا تنضج تماما كما يحدث في بعض الدول من استشارات ومداولات لتشكيل الحكومة العتيدة التي ينظرها الشعب طويلا كما حدث في النروج منذ سنوات عندما فشل رئيس الوزراء المكلف في تشكيل الحكومة وبقي البلد بلا حكومة قرابة سنتين أو كما يحدث في لبنان حاليا أو دول أخرى لا مجال لذكرها هنا .
شرعنةُ الموجود شيطنةُ للمثل العليا في المجتمع الذي نعيش فيه ولا بد من التنازل قليلا عن الطاووسية والإهمال والارتجال في الحياة والسياسة والإدارة .

ألستم معي في ذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد