إسرائيل في منطقة الخليج العربي


 

تاريخ التواجد الاسرائيلي في منطقة الخليج العربي لم يكن طويلا ولا دبلوماسيا ولم يحظى بالتشجيع والاستمرار إلا من خلال مفاوضات سرية ومعاملات اقتصاية وتعاونات اسخباراتية بعيدة عن الأنظار. حتى تسعينيات القرن الماضي وبعد اتفاقيات أوسلو التي سمحت على الأقل لبعض الدول الخليجية بتخطي ترددها السابق بسبب غياب السلام بين إسرائيل والفلسطينيين على اتخاذ خطوات تاريخية تمثلت في كسر قطر وعمان القاعدة في تعاملها مع إسرائيل بشكل واضح حين فتحت الدولتين مكاتب تجارية في العام 1996 ولكن في العام 2000 اتخذت عمان قرارا بإلغاء مكتبها بينما استمرت قطر حتى العام 2009 وبعدها ألغت عمل البعثة وإنهاء التمثيل التجاري، ليبقى التعاون الإسرائيلي الخليجي يأخذ طابعا، ليس بالهادئ ولكن محتفظا بوتيرته المستمرة وخصوصا في الجانب الاقتصادي حيث كشف تقرير لمعهد توني بلير للتغيير الدولي، أن قيمة التبادل التجاري بين إسرائيل ودول الخليج تتجاوز المليار دولار سنويا، وذلك رغم عدم الاعتراف بوجود أي علاقات رسمية بين الجانبين. وحسب تحليلات المعهد لعام 2016، فإن قيمة المنتجات الإسرائيلية المصدرة إلى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تتعدى الصادرات الإسرائيلية إلى الدول الحليفة والاقتصادات العملاقة كروسيا واليابان.

كما وشهدت العلاقات الاسرائيلية السعودية إنفراجا في مسار العلاقات الاقليمية بعد الضجة التي أحدثها الجنرال أنور عشيقي الذي يحمل منصبا رفيعا في المملكة السعودية بعد لقاءه في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن مع دوري غولد. بينما اقتصرت علاقات بقية دول الخليج مع اسرائيل من خلال التعاون التجاري غير المباشر، بالإضافة الي برنامج الزيارات الميدانية والمشاركات الرياضية لبعض الدول كالإمارات وقطر. بينما حافظت دولة الكويت على موقفها المتحفظ سياسيا من التطبيع

مع اسرائيل لأسباب تتعلق بالهوية القومية والتدين الشعبوي المفرط وخوف الكثيرين من الإعلان المباشر لدعم التطبيع بسبب العقل الجمعي الكويتي الذي يخون ويزدري من ينادي بالسلام والحوار، رغم أن الحكومة الكويتية أعلنت بأنها ستكون آخر الدول التى ستطبع مع اسرائل وذلك في إشارة لعدم غلق باب التطبيع في النهاية.

واليوم، وبشكل واضح وجرئ تم الإعلان عن حدثين يتعلقان بتغيير مسار العلاقات الخليجية الإسرائيلية. فقد قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بناء على دعوة رسمية بزيارة الي سلطنة عمان واستقبل هناك السلطان قابوس وتناول معه مباحثات عملية السلام والاستقرار في المنطقة العربية. والخبر الآخر تمثل في مشاركة منتخب إسرائيل للجمباز في بطولة العالم في الدوحة. وحضور لاعبو الجودو الاسرائيليون في مباريات الغراند سلام في أبو ظبي.

هذه التحركات الأخيرة لتعزيز العلاقات الخليجية الاسرائيلية لم تكن نتاج جهود دبلوماسية حثيثة بين الأطراف المختلفة، ولم تكن أيضا نتاج رغبة الكثير من الشعوب الخليجية التى تعادي اسرائيل من منطلقات دينية. ولكنها بالتأكيد تحركات سياسية اسرائيلية أمريكية لدعم التقارب الاسرائيلي الخليجي بعد وصول ترامب الي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ومواجهة الملف الإيراني الذي تقف فيه اسرائيل مع بعض دول الخليج بموقف واحد مناهض لإيران بل ويدعو الي شن الحرب عليها لما تمثله من تهديد مباشر على أمن المنطقة وخصوصا أمن إسرائيل وهو ما يتفق مع قول البروفيسور كريس ديفيدسون صاحب كتاب “بعد الشيوخ: إنهيار ممالك الخليج القادم” أن دول الخليج سوف تستمر في السعي خلف الدعم الإسرائيلي بفضل تزايد الضغوط الخارجية على دول الخليج في أعقاب الاضطرابات الإقليمية. حتى في الوقت الذي يصف فيه دول مجلس التعاون الخليجي على أنها تتكون من “سكان وطنيين يكونون في أغلب الأحيان معادين لإسرائيل ومؤيدين للفلسطينيين، حيث غالبا ما تثير فيهم موضوعات إسرائيل والصهيونية مشاعر قوية،” إلا أن كريس ديفيدسون يؤكد في كتابه

زيادة التنسيق الاقتصادي والسياسي السري بين قادة دول مجلس التعاون الخليجي ونظرائهم الإسرائيليين في السنوات الأخيرة”.

لا شك أن خطوات اليوم تعتبر بداية عهد جديد من العلاقات الإسرائيلية الخليجية الظاهرة للعيان والبعيدة عن مواقف التأزيم السياسي والتكسب الشعبوي والتى سوف تصب في مصلحة منطقة الخليج العربي لما تعانيه أصلا من تشققات وخلافات سياسية بين الكثير من بلدانها. كما وأن من مصلحة دول الخليج العربية أن يكون هناك نظام اقليمي جديد يختلف عن النظام السابق، خصوصا اذا كانت المعطيات الجديدة قد جاءت نتيجة عمق الخلافات الخليجية وتنمر ترامب على دول الخليج ماديا، مما يدعو الي بناء أوسع لعلاقات سياسية تستفيد منها الأطراف المختلفة، وخصوصا أن إسرائيل تحظى اليوم بمكانة سياسية ديمقراطية وحضور دائم في مجالات العلوم والبحث والمنافسات والمشاركات الدولية.

إن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي حتى اليوم لم تجني منه الشعوب الخليجية والعربية سوى استنزاف الموارد المادية والبشرية والتى كان بالإمكان توجيهها لبناء الدول ديمقراطيا وتثقيف الشعوب وبناء المستشفيات ومراكز البحوث ومكافحة الأمية والفقر بدلا من شراء الأسلحة وانتظار حرب لن تقع ولن ننتصر فيها لأننا لا نملك أسباب القوة والنصر والتفوق. بل ولن تكون القطيعة مع اسرائيل في صالح المنطقة العربية المنكوبة بالتآمرات السياسية والتخلف الحضاري والفكري بعد عقود طويلة من استمرار الحكم الوراثي وغياب الديمقراطية وتداول السلطة واحترام حقوق الانسان.

ما قام به السلطان قابوس يمثل اليوم السياسة الخليجية العقلانية في دعمها لجهود التنمية والسلام، ويقدم الدليل أن شعوب منطقة الخليج الواعية تأمل باستقرار المنطقة وإبعاد شبح الحروب وتقليص مناطق الصراع وفتح صفحات جديدة من التعاون المثمر والعلاقات ذات المصالح المشتركة بعد أن شبعنا من الصراخ واللطم ورفع الشعارات

وحرق الاعلام التى خلقت لنا جماهير غوغائية غائبة عن الوعي وأولويات لا أهمية لها.

لا تعليقات

اترك رد