الزفة


 

مشيت مع صاحبى فى زفة مولد سيدى المنصور ، وعندما سألته عنه قال : إنه ولى من اولياء الله وكانت له كرامات وصولات وجولات ، سألته عن إحداها ، قال : كان مجاهدا فى سبيل الله ، حارب التتار والمغول وجاهد بنفسه وبماله حتى استشهد فى سبيله ، ويعود نسبه إلى آل البيت !
واصلت المسير وأنا أشعر بسعادة وبهجة وسط زحام الدراويش والفلاحين والبسطاء وطقوسهم .
شيخ الطريقة يركب فرسه ويرفع سيفه ، يرقص الفرس على دقات الطبول والمزمار البلدى ، البيارق الحمراء والخضراء والسوداء يحملها الدراويش ، وكل طريقة لها لونها و طقوسها وأناشيدها .. وجدت فى نفسي حبا لهؤلاء الدراويش ولشيخ الطريقة الذى كانت إبتسامته صافية وتنم عن طيبة وتسامح فى وجهه البشوش .
وصلت الزفة لساحة المولد الكبيرة،
بدأت حلقة الذكر التى تسبق الغروب وأذان المغرب ، يصطف الذاكرون فى صفوف ، وشيخ كبير يضبط إيقاع حركاتهم مع صوت المنشد الذى يعتلى مسرحا خشبيا صغيرا ، فجاة ظهر وسط الساحة رجل اشعث الشعر ..تلون شعره بلون تراب الأرض والغبار فى الطرقات ، يرتدى ملابس ممزقة من خيش ، فى رقبته علق مسبحة خشبية ذات حبات كبيرة ، فى إحدى اذنيه حلق من صفيح ..حافى القدمين يشق طريقه وسط الحشود ..
وكأنه هبط من السماء أو خرج من باطن الأرض ، فتوقف الدراويش عن الذكر وصمت المنشد ،
أفسحوا له الطريق وتسابقوا لتقبيل يديه !
ماهذا الرجل ؟ سألت صاحبى ..
قال : إنه الشيخ الأكبر وقطب المكان مولانا أبو البركات ، الذي يمشي على الماء ويطير متكئا على عصاه فى الهواء ويراه الناس فى الحج وهو لم يغادر أرضا ولا سماء !
قلت مازحا :
يارجل قل كلام غير ذلك…هل رأيته وهو يطير فى الهواء ؟! .
ضحك وأردف : إمش وأنت ساكت ..
صاح الشيخ صيحات غريبة وردد كلمات سريالية وتحولت حلقة الذكر التى كانت هادئة إلى بحر هائج وموج عنيف من تدافع الناس وحماسهم وتمايلهم مع تصفيق الرجل بيديه وصوته الجهورى ،
وكأنه مايسترو يدير فرقة موسيقية ..بدأ يضبط الإيقاع ويعيد الهدوء لموج كان قد ارتفع ، هدأ من هدأ ووقع على الأرض من كان فى وجد أو جذب ..!
رفعوا أكفهم معه إلى السماء وقرأوا فاتحة الختام ..
سرعان ما تسابق أهل القرية لإستضافة الدراويش الغرباء وتسابق أعيانها إلى يد الرجل وتقبيلها وكل منهم يمنى نفسه برضاه وقبول دعوته
لكنه أمسك فى رقبة رجل لم يسع لتقبيل يديه ولم يوجه إليه دعوة لاستضافته .
صاح فى وجهه : مدد ، مدد ، مدد ،
أنا ضيف هذا الرجل !
وجدت صاحبى يقول : حظك ياعزيز بك ، أبواب السما فتحت لك من الليلة !
من عزيز بك يامحمد ؟ سألت صاحبى .
قال : هو رجل بسيط مازال فى بداية الطريق فى عالم الأعمال .
مضت أيام ونسيت مارأيت بقرية محمد وكلما التقينا صباحا بالعمل سالته :
ما أخبار أبو البركات وعزيز بك يا باش مهندس ؟
يضحك ويقول لى : لاتعترض حتى لايؤذيك مولانا ياعلمانى !
ذات صباح ..كنت أطالع اخبار الصباح ، كانت صورة أبو البركات تتصدر إعلانا كبيرا لشركة إستثمارية كبيرة تحمل إسم العزيز للإستيراد والتصدير .. عزيز بك على يمينه وإمرأة فائقة الجمال على يساره والرجل يقص شريط الإفتتاح .
عرفت من محمد أن المرأة هى اخت عزيز بك ، مضت أيام وانهمرت الإعلانات فى الصحف والتلفاز ويفتتح مولانا شركة الإيمان للتجارة والمقاولات وتأخذ إيمان اخت عزيز بك بيده وهو يمسك بالمقص الذهبى ويقص الشريط الفضى لشركتها.
أمازح محمد : يبدو أن قطبكم الأكبر تفرغ للتصدير والإستيراد !
يرد ساخرا : إنهم يتباركون به ياعلمانى ..
وأكمل : لو تشاهد طوابير الناس كل يوم أمام مكتب عزيز وإيمان وهم يتسابقون لإيداع اموالهم بشركاتهم لعذرتهم وعرفت انه سر البركة .
كانت صدمة لى كبيرة عندما سمعته ،
صحت غاضبا مستنكرا : الناس يصدقون ويشترون الوهم ، ولم لا ؟ ها أنت مثلهم رغم كونك مهندس ومثقف وقارىء !
غضب منى وخاصمني بعض أيام رغم اعتذاري ، حبى له كان يجعلنى أتودد إليه كل صباح مازحا وأداعبه بقولى :
صباح البركات يامولانا .
وجاء موعد
مولد سيدى المنصور واصطحبنا محمد إلى قريته ، كان يوم جمعة. قبيل الصلاة توقفنا على قارعة الطريق لنصلى .
كانت وقفتنا عند مسجد فخم البناء والتصميم ، مئذنته عالية ، كتب على واجهته” مسجد الإيمان ”
يلتصق بالمسجد قصر كبير كتبت لوحة ذهبية على بابه ” قصر الإيمان ” ولوحة أخرى على واجهته كتب فيها ” هذا من فضل ربي ”
انتهت الصلاة وهممنا بالخروج ،
بين باب المسجد والقصر لفت انتباهنا تجمع للناس حول رجل بدت عليه علامات الوجاهة والثراء .
أشار محمد إليه قائلا : أتدرون من هذا ؟
قلت ساخرا : عزيز بك جديد مثل عزيز بك الذى هرب باموال الفقراء للخارج !
كاد محمد ان يقع من الضحك وواصل مازحا ..والله لن تصدقوا ..
قل وخلصنا ..
قال : إنه مولانا ابو البركات فى نيولوك جديد !
يالها من صدمة قاسية ، ألجمت لسانى لكنى دون أن أدري أشرت لكلمة الإيمان ، فأدرك ما أعنيه
وقال : إنها إيمان زوجة مولانا وأخت عزيز بك .
خيم الصمت علينا فقطعته وصحت
فى محمد : أمازال القطب الأكبر أبو البركات يمشي على الماء ؟؟

لا تعليقات

اترك رد