مدركات علي طالب ثيمات ظاهراتية


 

لعل انتماء الفنان الى الوجود يجعله يدرك العالم المحيط بإتجاه حسي ملموس ومن ثم الغور في كينونة ذلك العالم ، وما الفنان إلا منظومة متكاملة عقلياً وتخيلياً وحدسياً ، الامر الذي يمكّنه من ترسيم خارطة خطاباته البصرية .. والفنان (علي طالب) له القدرة على اجراء مسوحات لكل حيثيات العالم الخارجي للافادة منها في بث رؤاه التشكيلية ، واستعادة ثيمات تأخذ الحيز الرئيس ضمن خطابته البصرية التي تعد بمثابة لغة لها كيانها الخاص .. من هنا نلحظ ان الفنان اتخذ من الجسد البشري المنظومة الاستطيقية التي تحاكي الشعور واللاشعور الداخلي للفنان والمجتمع معاً ، وهذا ما جعل جسده النقطة البصرية (العين) التي تدرك الوجود الخارجي ؛ لتتماهى مع اجساد العالم ، ومن ثم الغور نحو ماهية ذلك الوجود الظاهراتي بقصدية توحي الى رسموية التعبير الباطني والوجداني .. لتكون خطاباته البصرية في نهاية الامر علامات دلالية ورموز تحيل الى تأويلات متعددة من خلال تلك الدينامية الحركية بين الوجود الخارجي ورمزية الجسد ..

ان الفنان (علي طالب) يشتغل بقصدية الشعور الذاتي الذي لا ينفصل عن تداولية الموضوعي ، انها الخبراتية التي تمتزج بين الوعي والموضوع بغية تشييد استطيقا لها هويتها الخاصة .. والمتأمل لخطابات الفنان يلحظ هناك استعارات وتشابهات – الى حد ما – مع تراجيديا الجمال السريالي او اشتغالات الرؤى الميتافيزيقية ، إلا ان الفنان يعي بادراكاته واحكامه المسبقة ماهية الصورة الدلالية التي تحتضن السطح التصويري ، وبذات الوقت يجعل منها عالماً مفتوحاً من التأويل ؛ لما لهذه الخطابات من استطيقا منفتحة الأثر على كينونة الذات والوجود معاً ..

يشتغل الفنان (علي طالب) في خطاباته على رؤية جمالية يتنافذ فيها الذاتي مع الموضوعي ، فالرؤوس التي استحوذت تلك الخطابات ما هي إلا رؤوس لأجساد بشرية محمّلة بأعباء قلق الوجود والزيف الظواهري والسوداوية والقسوة ؛ باعتبار ان العالم الخارجي – في كثير من الاحيان – معبأ بالزيف والباطل وعدم التوازن ، وهذا ما جعل الفنان يؤكد في كينونة خطاباته ومعالجاته الاسلوبية على الاختزال والتجريد ، فهو يعمل على تقويض مظهرية الوجود الخارجي بوعي قصدي يراد منها تشييد استطيقا ظاهراتية تحاكي الاصل ..

لذا ان الفنان (علي طالب) بادراكاته الحدسية لماهيات الاشياء يعمل على توثيق الكينونة والجوهر .. انه البحث عن دواخل الشعور الذاتي ، بل البحث عن حوار جدلي يستنطق الذاتي والموضوعي عبر تلك القصدية التي تستند الى الظواهر ، والتي تبحث عن جوهر الذوات والاشياء ، فمنظومة الفنان الشعورية تلامس لاشعورية الثيمات التي اشتغل عليها ؛ لتكون المنظومة اللاشعورية في نهاية الامر ذات قصدية شعورية ، وهنا يكون الحوار بين الشعور واللاشعور منغمساً بقصدية ظاهراتية تتحول فيها الاستبطانات والمكبوتات من عالمها الداخلي الى وجودها الخارجي المتمثل في بنية الخطاب وحراكه الجمالي الفاعل .. انه يصعّد من رؤيته الحسية بمحدوديتها الزمكانية ليتجاوزها نحو التعالي وتسامي ذاته على موضوعه ..

الفنان (علي طالب) لا يبتعد او ينفصل عن عالمه الخارجي ، بل يجعل من هذا الخارجي الثيمة والبؤرة المركزية في رسم خارطة نتاجاته ؛ ليكون نتاجه حاملاً لاسقاطات هذا العالم برؤية ذاتانية ومعالجة اسلوبية تتولّد من رحم المنظومة التخيلية والحدسية ؛ باعتبار ان تلك المنظومة مفتوحة بأفقها نحو صور لا متناهية تحتضن مدلولات ميتافيزيقية رمزية وعلاماتية تثير الدهشة والصدمة لدى المتأمل ، فكانت خطاباته التي ترمز الى علاماتية الرؤوس والجسد بكل اشاراتها الجمالية نحو الوعي واللاوعي ما هو الا تذكير لظاهراتية هوسرل وباشلار ووجودية هايدجر ..

المقال السابقالأدب اليهودي والصهيونية ج 2
المقال التالىالنجاج والفشل
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد