بعض التفاصيل الصغيرة

 
لوحة للفنان علي رضا سعيد

كنت أرتشف قهوتي في مقهى السحابة كعادتي كلّ صباح قبل التوجّه إلى عملي.

المكان هادئ تحيطه حديقة ظريفة منمنمة، اجتهد صاحبه في جعله يشبه واحة ظليلة الأفياء، وسط مكعبات البناء الرمادية التي تحيطه من الجهات الأربعة.
لا أدري منذ متى اكتسبت عادة شرب القهوة على الريق صباحا. كما أجهل منذ متى لازمتنى جملة من العادات الأخرى. مثل ارتداء تبّان حريمي تحت بذلتي الرمادية. وتلوين أظافر قدميّ، وغيرها من التفاصيل الصغيرة الأخرى التي لا أرغب في الحديث عنها.

هذا المقهى هو حديقتي الصباحية السرية. سحابتي التي أستظلّ بها.

كنت قد أوشكت على إتمام قهوتي، عندما اقترب مني طفل يبدو في العاشرة من عمره ضئيل الحجم، جميل القسمات، يرتدي معطفا أزرقا وقبّعة صوفية سماوية اللون، وحذاء جلديا سميكا، رغم أننا كنا في عزّ الصيف. فاجأني وجوده بشكل كبير.

ولا أدري لماذا خفق قلبي بسرعة، وارتعشت فتحتي أنفي.
نظر في وجهي مليا ثم ارتمى في حضني وعانقني مطوّلا.

كانت صدمة لطيفة. أن يعانقك طفل لا تعرفه، خاصة عندما لا يكون متشرّدا أو متسوّلا أو لا يحاول أن يبيعك الياسمين. وتنبعث منه رائحة النظافة والعطر الخفيف.

بادلته العناق بقلب خافق، وأنا أنظر حولي استرق النظر إلى ردّ فعل بقية روّاد المقهى. لقد كانوا غارقين في تأملاتهم الصباحية غير مبالين بما حدث معي للتوّ. بحثت عن أمّه أو أبيه، أو أي شخص كان برفقته. لكن ما من أحد بدا لي مهتما.
أبعدته عني برفق وقلت له مبتسما في لطف: “صباح الخير أيها الجميل! ، أين أمّك؟ هل أنت بمفردك؟”

نظر إليّ غاضبا وكأنه يخترق جمجمتي بعينه النافذة، وقال وهو مازال قريبا مني بشكل خطير: “هل تمزحين معي؟ أنت أميّ!”.

أبعدته عني كمن يبعد فأرا يحمل الطاعون، حتى كدت أسقطه أرضا:”اسمع ليس لدي وقت لمثل هذه الحيل”. ونهضت واقفا أبحث عن أمه أو أحدا يبدو مهتما به.

بدا لي وكأن ستارا ثقيلا وشفافا يفصل ما بيني وبين بقية رواد المقهى. كانوا أشبه بظلال مجمّدة على شاشة عرض بتقنية خماسية أو سداسية الأبعاد. لا أحد يلتفت نحوي. بل كاد احدهم يدوس على قدمي في مروره قربي دون حتى أن ينتبه إلى وجودي.

لكزني الطفل الغريب في جنبي فالتفتّ إليه. وجّه سبّابته نحوي وقال لي دون أن يرفّ له جفن وقال: “أعرف أنك وقعت في مشكلة كعادتك؟. وأنا هنا كي أساعدك.”

في تلك اللحظة الفارقة التي تسبق مرحلة فهم الموقف واستيعابه، وهي مرحلة التقاط الأنفاس وتثبيت الأقدام على الأرض، خطر لي فجأة أن أجد نوعا من الإجابات المشاكسة، كما لو كنت أتحدث مع طفل صغير عادي، فأمسكت بأنفه وأوهمته أنني ألقيه بعيدا. لم يكتمل القوس الذي رسمته يدي في الفضاء لتلقي الأنف بعيدا، فقد أمسكها بقوّة كادت تكسرها، وقال بصوت متحشرج ينبئ بقرب عاصفة من الغضب : “تعرفين يا أمي الحبيبة أنني لا أحبّ هذا المزاح الثقيل.”
فأجبته بخوف غلّفته ببعض الثقة: “وأنا أيضا لا أحب مزاحك الثقيل. ولست بأمّ لك!” ثم بصوت مرتفع علّ أحدا يسمعني: ” ابحث عن أمّك بعيدا”.

غير أنه أمسك بتلابيبي وقال معاتبا: “هذا ما قلته لي عندما مسخك سيّد اللعنات فتركتني في شتاء العام الماضي وهربت إلى قلب الأرض بحثا عن شبح الظلام.” ثم أضاف وهو يكشّر عن أنيابه: “لكنني اليوم بعد أن وجدتك لن أتركك تذهبين.”
استجمعت شجاعتي، تنفّست بعمق، ثم قلت له وأنا أنظر مباشرة في عينه: “اسمع، لدي شغل هامّ، فلا تعطّلني. لأنك بدأت فعلا تزعجني.” صمتّ لحظة، تأملت وجهه الجميل وجسمه الضئيل، ثم أضفت بلطف:” حقيقة أنا لا أستسيغ مسألة شبح الظلام، أو سيد اللعنات، وقلب الأرض. ومن الأفضل لك أن تعود إلى بيتك مسرعا ولا تتسكّع في مكان يعجّ بالكبار.”

فأجابني بتحدّ وثقة:” عرفت أنك ستقولين هذا. أنت حقا لا تتغيّرين.”
وهنا بدأت أفقد أعصابي. فقلت له وأنا أحاول أن أبتعد عنه:”اسمع أنا لست أمّك.” وأضفت ضاحكا: “قد أكون والدك. ربما. لكن أبدا لا يمكنني أن أكون أمك. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق، أنت كبير كفاية لتدرك ذلك بالتأكيد”.
فأجابني متحدّيا: “أجل أعرف الفرق تماما. مثلما أعرف أنك الآن ترتدين التبّان الحريمي الأصفر ذي الزهور البنفسجية الصغيرة. الذي كنت ترتدينه عندما تخرجين في موعد. وهو تفصيل صغير يصنع الفرق مثلما تعرفين.”
وهنا أسقط في يدي. توقّف لولب الزمن عن الدوران. مثلما توقّف قلبي عن الخفقان. كيف عرف هذا الطفل المجهول – غريب الأطوار – المخبّأ ما بين الجلد والثياب. فصرخت فيه، وقد تأكدت أن لا أحد ممن حولنا يشعر بوجودنا: “من أنت؟ ماذا تريد مني؟”

فأجابني مبتسما: “لقد أخبرتك، أنا ابنك، يا أمي وجئت لأستعيدك. لقد بحثت عنك طويلا حتى وجدتك.”

ومدّ نحوي يدا تدعوني للتشبث بها بعد أن اختلّ توازن الكون أمام بصري. أحسست بقشعريرة وبرد يسري كالسم في أوصالي. تجمّدت أطرافي، وكأن ندفا خفية من الثلج قد تساقطت للتوّ. وهممت للحظة بالتصديق. وأوشكت أن أمدّ يدي نحوه. لولا أن انعكاس حركة غريبة على بؤبؤ عينيه جعلتني أتراجع. تلفتّ خلفي فوجدته. مثلما عرفته منذ زمن لم أعد أذكره.

لقد كان هنالك. معلقا من قدميه في سقف المقهى وقد تحول الزبائن إلى نصب من حجارة صماء. جناحاه مثل خفاّش وله وجه قرد بأنياب بارزة. يتدلى لسانه مثل أفعى مكسوة بالريش. جسمه الأسود مرقط بالأبيض ويكسوه الزغب. يحرّك ذيله الطويل فيخرج الثلج من مؤخرته المكشوفة فيتحوّل كل شيء إلى جليد.

ابتسم لي، فامتقع وجهي وكاد يغشى عليّ. كان هو سيّد اللعنات بعينه. استدرت إلى الولد علّه يساعدني. فلم أجده.

فقد تحوّل في نفس اللحظة التي أزحت عنه ناظري إلى شجرة. كان أمرا عبثيا. لكنه هو ما وقع بالضبط. وتحوّلت يده إلى غصن صغير تنبت عليه براعم زرقاء غضّة تحوم حولها الفراشات التي تسكّعت في حديقة المقهى كما لو كانت منزلها الأبدي.
“ألم تتوقّعي أن أكتشف سرّك الصغير يا ليلي. هل تعتقدين أن بإمكانك الهروب.”
لم أجبه.
أعرف تماما ما عليّ فعله. فقد تدربت مطوّلا على المسألة.
سوّيت سترة بدلتي. نفضت عنها غبارا وهميا. تركت ثمن القهوة على الطاولة. أمعنت في طرق البلاط تحت حذائي اللمّاع. وخرجت من دون أن أكلّم أحدا. ومن دون أن ألقي نظرة خلفي.
في أوّل منعطف قابلني شبح الظلام. كان يلتحف ظل سحابة ضائعة في سماء يوم قائظ. حاول أن يستوقفني. لكنني كنت على عجلة من أمري. كان لدي اجتماع عاجل في قلب الأرض.
فقد كنت انتهيت بالأمس من وضع الخطوط العريضة لتفاصيل خطّتي الجديدة. وهي حتما ستعجب عزرائيل.

انتهت
من مجموعة “نساء صغيرات مذعورات” قيد البحث عن ناش

لا تعليقات

اترك رد