تحولات العقل فى فلسفة نيتشة

 

تمكن نيتشة _فى كتابه هكذا تكلم زرادشت_ من معالجة تحولات العقل الإنسانى فى مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة ،وذلك فى سبيل خلق قيم ومبأدى جديدة تٌمكن الإنسان من مواصلة حياته فى ظل حالة التمزق والإنفصال عن القيم المجتمعية من حوله ،وعلى الرغم من اختلافى مع فلسفة نيتشة الوجودية وتصوره عن الإنسان الإعلى (الإنسان السوبر مان) لا املك سوى التسليم بجمالية طرحه لبناء عقل انسانى يتلقى الإوامر الإخلاقية من نفسه دون الحاجة الى قيم دينية وتقاليد وعادات اجتماعية .
وقد بدأ نيشتة فى تصوير العقل البشرى فى ثلاث مراحل اولها مرحلة الجمل وفيها ً يفتش العقل السليم عن أثقل الأحمال؛ فينيخ كالجمل ظهره متوقعا رفع خير حمل إليه.
فيقول نيتشة ” إن العقل السليم ينادي الأبطال قائلا: أي حمل هو الأثقل لأرفعه فتغتبط به قوتي؟أفليس أثقل الأحمال هو في الاتضاع لإنزال العذاب بالغرور؟ أفليس أثقلها أن يبدي الإنسان اختلالا لتظهر حكمته جنونًا؟أم أثقلها في تخلي الإنسان من مطلب حين يقترن هذا المطلب بالنصر، أم في ارتقاء قمم الجبال لتحدي من يتحدى؟أم أثقلها في أن يتغذى الإنسان بأقماع السنديان والأعشاب ويتحمل مجاعة نفسه من أجل الحقيقة.ّ أم أثقلها في احتمال المرض وطرد العوّاد المعز ين، أم في مخادنة الصم الذين لا يسمعون ولا يعون ما تريد؟أم أثقلها في الانحدار إلى المياه القذرة إذا كانت الحقيقية فيها والرضى بملامسة الضفادع اللزجة والعقارب التي تقطر صديدا.ّ أم أثقلها في محبة من يحتقرنا وفي مد يدنا لمصافحة شبح يقصد إدخال الرعب إلى قلوبنا. إن العقل السليم يحمل ذاته جميع هذه الأثقال المرهقة، وكالجمل الذي يسارع إلى طريق الصحراء عندما يُرفع الوقر عن ظهره هكذا يندفع هو أيضا نحو صحرائه.
ويتضح من نص نيتشة ،ان العقل الإنسانى فى رحلته المعرفيه الإولى (الجمل )يطلب العبء الأثقل لكى يتمتع بكل صفات الجمل .فإذا كان هذا العبء الأثقل –حسب قول نيتشه-الخوض فى الجنون فما عليك إلا أن تستجيب لنداء الجنون بوصفه ظاهرة الانفصال الكلي عن القائم من العادات والتقاليد، وإن كان السعي إلى الإنصراف حالة الانتصار فى القضية كإشباع لحالة الكبرياء فما عليك سوى ترك سلاحك يسقط لحظة الانتصار أمام العدو والقضية والسعي نحو قضية وعدو أكثر بسالة.و إذا كان هذا العبء عطش الروح إلى الحقيقة فلا تتردد فى حمل هذا العبء فوق أكتافك .و إن كان ما يسعى إليه العقل الجمل أن نحب محتقرينا ونصافح الشبح فمد يدك إلى العدو قبل الصديق لتريح هذا العقل الذى يجوب الأرض بحثا عن هذا الحمل الذى لم يحمله يوما. وفى هذة المرحلة يدعونا نيتشه ان نخوض فى كل الهموم الوجودية التى قد تعترض العقل الانسانى فى مرحلة تكوينه الإولى ، بل و يحتم عليه أن يرمى بنفسه فى دوامة تلك الإشكالات الوجودية ليظفر بأشدها ليكون له شرف حملها .

ويستكمل نيتشة طرحه الفلسفى فى وصف مراحل تطور العقل البشرى ويتصوره فى المرحلة الثانية فى صورة الإسد المنتصر على ما حمله الجمل فى المرحله الإولى
فيقول نيتشة “ً وهنالك في الصحراء القاحلة يتم التحول الثاني؛ إذ ينقلب العقل أسدا؛ لأنه يطمح إلى نيل حريته وبسط سيادته على صحرائه.وفي هذه الصحراء يفتش عن سيده ليناصبه العداء كما ناصب سيده السابق، فهو يستعد لمكافحة التنِّين والتغلب عليه.ومن هو هذا التنين الذي يتمرد العقل عليه فلا يريد بعد الآن أن يرى فيه ربه وسيده؟إن التنين هو كلمة (يجب عليك )وعقل الأسد يريد أن ينطق بكلمة (أريد)إن كلمة (الواجب )تترصد الأسد على الطريق تنينًا يدرع بآلاف الأصداف وعلى كل قطعة منها تتوهج بأحرف مذهبة كلمة (يجب عليك.)ً وعلى هذه الأصداف تشع شرائع ألف عام والتنين الأعظم يعج قائلا إن جميع الشرائع تتوهج عليَّ.
كل ما هو سنَّة قد أوجد من قبل، وبي تتمثل جميع السنن الكائنة، والحق إن كلمة (أريد)يجب ألا ينطق بها أحد بعد! هكذا قال التنين.فأية حاجة لكم أيها الإخوة بأسد العقل؟ أفما يكفيكم الحيوان القوي الجليل الممنَّع بامتناعه؟من العبث أن تطمحوا إلى خلق سنن جديدة، إن الأسد نفسه ليعجز عن هذا الخلق؛ إذ لا يسعه إلا أن يستعد بتحرير نفسه لخلق جديد، لأن قوته لن تتجاوز هذا الحد.
أيها الإخوة، إن العمل الذي تحتاجون فيه إلى الأسد إنما هو تحرير أنفسكم والوقوف ببطولة الامتناع في وجه كل شيء حتى في وجه (الواجب)، ذلك أيها الإخوة هو العمل الذي تحتاجون إلى الأسد للقيام به.إن الاستيلاء على حق إيجاد سنن جديدة يقضي بالجهاد العنيف على العقل الخشوع الصبور، ولا ريب أن في هذا الجهاد قسوة لا يتصف بها إلا الحيوانات المفترسة.
لقد كان العقل فيما مضى يتعشق كلمة( الواجب )كأنها أقدس حق له، وقد أصبح عليه الآن أن يجد حتى في هذا الحق المفدى ما يحدو به إلى التعسف والتوهم، ليتمكن بإرهاق عشقه أن يستولي على حريته وليس غير الأسد من يقوم بهذا الجهاد.”
ويتضح من نص نيتشة ،ان عقل الانسان فى مرحلة المواجهة (الأسد) لم يعد يتحمل العادات والتقاليد المفروضة عليه فقد تخطى مرحلة حمل الأثقال (الجمل)وهو الآن يسعى ل(خلق قيم خاصة)فى وسط المعركة يقف التنين (العادات والتقاليد)فى مواجهة الأسد (الحرية المطلقة واتخاذ القرار)عقل الأسد لأنه يقاتل فى سبيل حريته وفك القيود التى تربطه بهذا التنين بوصفه كل ما هو موجود داخل محيط العقل الإنسانى وبوصفه كل ما أنتجه الإنسان عبر الإنسان.هو لا يريد أن ينصاع بعد الآن .إنه يضع كل شيء قيد التمحيص فهو يريد أن يحيا حياته هو لا أن يكون قالبا لما هم عليه.لقد امتلك الشجاعة وفجر داخله تلك الومضة السحرية التى جعلته يكتشف كم كان سيكون غبيا لو قبل أن يصير نسخة منهم .أكان سيكون وجوده ضروريا فى تلك الحالة؟
فهم يملكون قطعانا لا تحصى، تلك الومضة جعلته يخرج من سجن المفروض علية من قيم مجتمعة لأنه طرح سؤالا بسيطا أحقا لا أستطيع ان أكون غير ما أنا عليه!!
وفى النهاية يفوز الأسد فى معركته ضد المجتمع و ضد كل التقاليد المفروضةعليه ،يخرج من المعركة مضرجا بالدماء و لكنه لا يأبه لذلك لإنه قد نال حريته الآن،وتنتهى وظيفة العقل الآسد هنا بمجرد أن يمتلك العقل الإنسانى القدرة على خلق أشياء جديدة

ويستكمل نيتشة طرحه الفلسفى فى وصف مراحل تطور العقل البشرى ويتصوره فى المرحلة الثالثة فى صورة الطفل الطاهر الذى يمتلك القدرة على النسيان والتطور

فيقول نيتشة ” ولكن ما هو العمل الذي يقدر عليه الطفل بعد أن عجز الأسد عنه؟ ولماذا يجب أن يتحول الأسد المكتسح إلى طفل؟ذلك لأن الطفل طهر ونيسان؛ لأنه تجديد ولعب وعجلة تدور على ذاتها فهو حركة البداية وعقيدة مقدسة.أجل أيها الإخوة إن العمل الإلهي للإبداع يستلزم عقيدة مقدسة، فإن العقل يطلب الآن إرادته، ومن فقد الدنيا يريد الآن أن يجد دنياه.ً لقد ذكرت لكم تحولات العقل الثلاثة فأوضحت كيف استحال العقل جملا وكيف استحال أسدا وكيف استحال أخيرًا إلى طفل.
ان العقل الإنسانى فى مرحلة التطوير والنسيان الطفل حق الخلق. حق أن يخلق ما يناسب الإنسان الجديد، فكلمة “نعم” هذه المرة مقدسة لأنه يملك إرادة الخلق.إنها ولادة جديدة للعقل .فهو يسعى جاهدا أن يبنى عالم جديدا من القيم ب”نعم المقدسة”
على الإنسان أن يموت شوقا لامتلاك عقل الطفل-هذا ما يقوله نيتشه- فأي حياة تعيشها أيها الانسان الأخير إذا كنت تقتات مما ترك من كان هنا قبلك، وجودك مجرد رقم زائد فى معادلة الوجود. أنت كبقية القطيع يولدون ليتقمصوا آباءهم بل هم آباؤهم ولكن لا يعلمون

لا تعليقات

اترك رد