الفن بين الأحساس والشكل والمهارة ج3

 

يرى كانط أنَّ الحُكم على شيء ما بأنه (جميل) أمرٌ مستقلٌّ تماماً عن وظيفته أو الغرض منه، ولا يرتبط بكونه نافعاً أو ضرورياً؛ فشروق الشمس ليس جميلاً فقط لأنه يمدنا بالدفء، والمرأة المرسومة في لوحة ليست جميلة لأنها تثير غريزتك؛ فالاستجابة الجمالية تأتي بطريقة مختلفة تماماً. إذاً هو يشير إلى تقدير الشيء بغضِّ النظر عن وظيفته أو غرضه العمليِّ كإشباع الجوع، والراحة الجسدية، أو الرغبة العاطفية.

وفقاً لكانط، نحن نستخدم الفنَّ بغرض تكوين شعور من الجمال أو الرقي، ولا شيء غير ذلك، ومن هنا جاءت المقولة: “الفنُّ لأجل الفنِّ”. وأظن أنَّ كثيراً من الناس يتبنون وجهة نظر كانط، وعندما يُسألون عن غرض الفنِّ يجيبون بأنَّه يثير الإحساسَ (الهادئ) بالجمال أو العظمة في عين الناظر.

وكان أسلوب المذهب الرومانسيِّ، الذي ازدهر في القرن التاسع عشر، أصدقَ تطبيق لوجهة النظر هذه؛ ففي أعمال سيمفونية بيتهوفن، أو قصيدة ويليام ووردزوورث، أو لوحة ديلاكروا “الحرية تقود الشعب”، أو “موت سردانابالوس” يبرزُ هذا النوع من الفنِّ التعبيريِّ الذي وصل لذروة الإبداع في تجسيد مشاعر، أو أحداث أو ملاحم بطولية رائعة ومثيرة.

الأحساس والشعور لقيـاس القيم الجمـالية:
من الصفات الرئيسة التي تمنح الحياة الأنسانية هو التنوع في المشاعر والإحساس بالفن والجمالمن مصادرها الطبيعية..فالحياة بكل ما فيها من بهجة وأمل وعلى الضد من ذلك هناك السعادة والشقاء وهذه الأمور كلها لا تعتمد على المأكل والملبس والنوم الرغيد وحسب، فهي لا تمثل إلا جانباًواحداً من جوانب الحياة السعيدة فقد تجد أناساً تتحقق لهم ألوان شتى من الغذاء والملابس الفاخرة والبيوت والسيارات الفارهة ولكن مع كل هذا لن تتحقق لهم السعادة المطلوبة إذا كانت تفتقد تماماًإلى الجوانب الروحية والأخلاقية والاجتماعية وهذه كلها تلعب أدواراً كبيرة في تكوين الحياة بألوان سارة ومشرقة وقد تكون تلك الألوان رمادية او سوداء وهذه الأمور الأخيرة تتوقف على الجوانب التالية:

مدى إحساس الفرد بالقيم الجمالية ومنذ فترة مبكرة في مراحل نمو الطفل والاستغلال الأمثل لفراغ الإنسان بعمل مثمر وحيوي يزرع في الناشئة قيم العمل والإحساس العالي بالمسؤولية ومدى أداء الإنسان جوانب أخرى من الحياة التي تشمل المثل الروحية والقيمية ولعل في مقدمة تلك الأمور من حيث الأهمية هو مدى « الوعي بالجمال» والإحساس به ومن ثم إدراكه، ذلك ان الوعي الجمالي يلعب دوراً فاعلاً في رفع مستوى الحياة وهي تتدرج من شاب الى آخر كما هي تختلف من مجتمع الى آخر فقد جاء «أفلاطون» بمظاهر أربعة تتحدد فيها مراحل الجمال..

المرحلة الأولى: وقد أطلق عليها الجمال الجسماني.
المرحلة الثانية: وسماها الجمال الأخلاقي.
المرحلة الثالثة: هي الجمال العقلي.

أما المرحلة الرابعة: فأطلق عليها مرحلة «الجمال المطلق» وهي أسمى مراحل الجمال ووجهة نظره هي «التناسق بين الوحدات المختلفة» وسماها – الجمال الاصيل – او الهارموني اذ كان يرى ان التذوق الجمالي لا يعتبر مقياساً للإحساس العاطفي بالجمال فحسب وإنما هو «الإحساس العاطفي للقياس الجمالي في ذات الوقت»..وهكذا فان الجمال الذي نعنيه هو الاعتماد على الذوق السليم ومدى الإحساس بمكامن الجمال والقبح، اما الوعي الجمالي فهو مدى إحساس الفرد بالمحيط الجمالي في كل مكان يحل فيه الفرد.

وهذا يعتمد على اهمية الدور الذي يؤديه الانسان في المجتمع حيث يؤدي نمو هذا الوعي، الى الوصول الى درجة كاملة من النضج، في النظافة والاناقة والصحة العامة وتهيئة الاسباب التي تؤدي الى نموها بين الافراد والجماعات بالتعاون فيما بينهم واذا كان الفقر والجهل يعدان معوقين لظهور القيم الجمالية ونموها الا ان الدور الكبير يقع على عاتق الأم في العائلة بما تزرعه في نفوس ابنائها ومن ثم وهي تستمر برعايتها لأبناءها في غرس تلك القيم الجمالية فيهم، فالنظافة والأناقة ليستا كلمتين تقالان أو انهما تأتيان عن طريق الوعظ والإرشاد وحسب وإنما هما «ممارسة عملية» باستمرار حيث تأتي الممارسة لتصبح عادات مكتسبة في نفوس النشء خصوصاً عندما تعمل الأم على تعويد أطفالها ان تضع لهم مناشفهم وحاجياتهم الخاصة كالأكواب مثلاً لكي يعتنوا بها، لان مثل هذه الأمور وان بدت بسيطة الا انها ستعمل على تنمية القيم الجمالية لدى الصغار والناشئة إضافة الى الحرص على وضع الملابس في اماكنها..كذلك الاحذية والكتب المدرسية وبقية الامور المتعلقة بهم والحرص على عدم رميها كيفما اتفق، وتركها في فوضى رهيبة بعيداً عن التنسيق والترتيب اذا كان الإحساس بالجمال يتدفق من نبع صاف من داخل النفس البشرية فان هناك فرصة للشباب كي يعبروا عن أنفسهم بوضوح مع منحهم ذلك الاستقلال الذاتي بعيداً عن الإملاء الخارجي،الامر الذي يجعل الشاب يدرك كيفية تذوق الجمال وجوهره فالمعاملة الابوية او تلك التي تصدر عن العائلة سوف تنعكس على نفس الشاب فتشرق روحه بالطمأنينة كما يشعر بأنه محاط جمالياً في بيت او عائلة هي اهل لذلك ولكن لابد من التنويه حول الشعور بالملكية بقدر ما تشعر الشاب بأنه يميل الى الأنانية وهذا جانب سلبي فيه، الا ان هناك جانباً ايجابياً آخر الا وهو الشعور بالقيمة العالية لديه فيعتني بغرفته ويرتب اثاثه، وربما وضع فيها من لوحات او مزهريات وبما اضفى عليها من لمسات تذوقية وجمالية خاصة به فقد ترى الشباب وهم يضعون صوراً لرياضيين او فنانين ممن يعجبون بهم وهذه الرموز جميعاً تشعرهم بالهدوء والاستقرار وتنمي عندهم الإحساس بالقيم الجمالية والإدراك السليم في ترتيب خزاناتهم وأثاث غرفهم.

على العموم ان تقديس الجمال والمحافظة عليه لا سيما العناية بالزهور في حديقة البيت وترتيبها ووضع بعض اللوحات هنا وهناك، مع التوزيع الجيد للانارة وطلاء البيت بـألوان هادئة ومريحة والترتيب الجيد للستائر والشراشف المحيطة بالسرير وبقية الاثاث وترتيب الزهور، كلها تأتي كعامل تعزيز مهم في تهيئة النفس وانشراحها وهذه كلها عوامل تدعو الى الإحساس بالقيم الجمالية ورفع مستوى التذوق لدى الشباب والاحداث ومن ثم الكبار.

Sent from my iPad

المقال السابقفشل احتفال التصويت
المقال التالىمفهوم الفساد وعلاقته بحقوق الإنسان
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد