أساليب أخرى

 

تمثل اللوحة الثالثة نمطاً آخر وأسلوباً مختلفاً عما سبق في الأسلوبين السابقين، فالبحر هو السمة المشتركة، وفيها تبتعد عن استخدام الكثافة اللونية البارزة، وتلجأ لاستخدام الألوان الزيتية المتمازجة من خلال الفرشاة، وفي هذه اللوحة نجد البحر بلونه الأزرق القوي مع حركة محدودة للأمواج توشحها باللون الأبيض، فتخلق الجمالية فيها، النوارس تحلق في بدايات وأفق اللوحة، قوارب تعتمد على التجديف، وسماء ملونة بألوان جميلة تمازج الألوان الحارة مع الألوان الباردة، فنجد ألوان الأحمر والبرتقالي والأصفر والأبيض، إضافة إلى الأخضر، تعكس نفسها على كتل الغيوم وتراكماتها بشكل ملفت للنظر، والقوارب سمة مشتركة في العديد من لوحاتها التي وجد بها البحر ومنها لوحة متميزة لإمارة دبي، وفي عدة لوحات وفي اللوحة التي تحدثت عنها فيما سبق والتي جردت بها الأمكنة، وواضح في العديد من لوحاتها تأثرها بمشاهد البحر، فالبحر بامتداده وأفقه يعطي للروح جمال خاص ويترك انطباعات قوية لا تزول.

اعتمدت الفنانة في اللوحة الرابعة أسلوبا مختلفا عن الأساليب السابقة، فهي لوحة لونية تثير في الروح التساؤلات العديدة، فليس من شيء واضح كشكل فيها، وهي أقرب إلى رمزية لونية تعكس ما كان يجول في الروح حين نزفتها بالفرشاة واللون، وفي هذه اللوحة كان اللون الأحمر بتدرجاته مع تمازج اللون البرتقالي والأصفر والأبيض يأخذ ربع اللوحة، وهو ينطلق من منتصف اللوحة اليمين بالنسبة للمشاهد، ومن منتصف أسفلها حتى يصبح أشبه برأس لامرأة ترتدي رداءً أحمر، أو كتل غيمية حمراء، وخلف الشكل المشابه للرأس نجد فجوة من اللون الأزرق الغامق بشكل طولي يتجه للزاوية العليا المقابلة، وهي أشبه بكتلة سديمية أو مجرة، ونلاحظ هنا أن هذه المنطقة تمثل بؤرة اللوحة، ومنها تبدأ الحركة الحلزونية حتى تتحول الألوان من الغامقة إلى الفاتحة، تبدأ بالانتشار باللون البنفسجي بتدرجاته من الغامق للفاتح وصولاً إلى الأزرق الموشح بالأبيض في يمين اللوحة العلوي، يقابله في يسار اللوحة السفلي الأحمر الذي يتحول للبياض، وفعلياً شعرت كم أن الوقوف أمام هذه اللوحة يخلق حالة من الإثارة أولاً، ليتحول الشعور إلى سكينة وهدوء وسؤال أيضاً.

في هذه اللوحة نجد تأثير الانتقال من الإقامة في المنطقة العربية إلى أمريكا، فهناك وصلت إلى العالم الجديد المختلف بكل شيء، نمط البناء، العادات، التقاليد، التراث، ناطحات السحاب، المدن المكتظة حتى تحجب الشمس بأبنيتها، فكان هذا بمثابة ثورة في داخلها، وثورة أيضا بفنها، فكونها ذهبت إلى عالم جديد بمكوناته وأفكاره أكملت دراستها للفن هناك، فتعرفت على أساليب جديدة بالفن وعلى مدارس وأساليب معاصرة، تاركة اثرها على روحها وإبداعها، وفي نفس الوقت خلقت صراعا في داخلها بين الانتماء للأمكنة التي عهدتها وتأثرت بها، وبين عالمها الجديد الذي أحبته أيضا، فقالت في لقاء مع الفنانة والإعلامية سميرة عوض في لقاء نشر في صحيفة الرأي الأردنية: “أحببت نيويورك كما أحببت القاهرة والسلط وعشقت البحر والصحراء”.

المقال السابقبدلاً من كسر أقلامهم أو كتم أنفاسهم
المقال التالىسَفَرٌ إِلَيْكَ … سَفَرٌ فِيكَ
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد