سَفَرٌ إِلَيْكَ … سَفَرٌ فِيكَ


 

في عالم بارد مقرور مليء بالشّرّ والسّقوط يسافر إليك –أيّها القارئ-الدّكتور رياض جراد على جناح من حبّ يحمل إليك نجوى المحبّين وبوحهم، بثّهم وتباريح أشواقهم.

خواطرُ تطول مسافةً من شعور دافق أو تقصر نفثةَ قلب أو نُكتةَ حِجى تُوشك أن تكون توقيعا أو شذرة لولا بعض إطناب وتفصيل.
خواطر تلبس فيها الكلمات ألوانا وظلالا وحللا من شعر وتحلّق بأجنحة من رمز ومجاز إلى سماوات من لطيف المعاني.
هي خواطرُ صادَها وهو يتصفّح الحياة فيه وفي من حوله بهَدْي من شعور ذكيّ مرهف يُصيخ إلى الخفيّ البعيد، ويعبُر من ظاهر الصّور والأحوال، ومن معتاد الحياة والأحياء إلى الإنسانيّ الصّميم.

مغرمٌ هو بالمعاني” المعتّقة كخمر” يقتنصها بعدسته، عدسةٍ من ضوء (1) أو من حرف يجتمعان في نصّه حرفا من ضوء وضوءا من حرف، مغرمٌ هو بالسّماء تتلاعب بألوانها، بالشّروق والغروب، بالمطر يلاحق غيماتِها وحبّاتِها…ينشئها في نصّه خلقا من فنّ ” فيركب الغمامَ خيولا عتاقا يُسرجها إلى الشّمس”.
هو لا يرى الوجود إلّا فكرة ” سامية أنيقة مبهرة”. وهذا نصّه هو منه:” وميض الفكرة وخلجة الرّوح ونفحة الوجد”
خواطرُ أربعون في الحبّ والعشق يذكّرك عددها وموضوعها بــــرواية “قواعد العشق الأربعون” للرّوائيّة التّركيّة إليف شافاق حيث التقى جلال الدّين الرّوميّ بشمس الدّين التّبريزيّ ليبلّغا رسالة الحبّ الخالدة. خواطر أطلقها الكاتب من عقال نفسه أرسل فيها انفعالاتِه تتدفّق منسابة حرّة وأنباضَه تثرثر كجدول، تتنقّل كحمامة بين مقامات العشق تقفو ما يعرض فيها من أحوال تستعرضها حالا فحالا أو تبدأُها ثمّ تستأنفها كالصوت يزينه التّرجيعُ. مقامات وأحوال طوّقتها مُخاطَبتان بين حِبّيْن أنثى وذكر تعدّدت صُوَرُهما طفلة وأب، طفل وأمّ، امرأة ورجل… ما به يرتفع الحبّ عن العاطفة الّتي تنتاب صاحبها إلى القيمة الجلّى الّتي تنتظم وجوده.

وقد جاءت المخاطَبَتان كالصّوت وصداه، وكالوتر ونغمته وكالحرف ونقطته يُبين هذا عن ذاك، يعطف إليه يُغنيه ويُواصله، يطويه وينشره فهو منه إليه. كذا هما حِبّان إلفان وزوجٌ مزاجٌ تنطق بهذا جميع الخواطر. انظر تجد هذا بين الأمّ وابنها :” يا من صرتِ منّي .. بيني و بيني … أراني.. وأنت عيني وعيني… أنت

نبضي… أنت قلبي.. أنت روحي.. كلّ رّوحي…”، وهو في عينها:” حمل دائم سيظلّ أبدا في أحشائها”، وبين الحبيب وحبيبته روحا تحضن روحا “يمارسان لعبة الوجود معا، فكانا روحا واحدة”، وبين الأب وابنته فصدره دثارها ودفؤها.

خواطر إن شئتَ معانيها العِتاق وجدتَها في عناوينها أدلّة إليّها قُصّدا، أو في متونها توقيعا بليغا، أو في ما شاع في نفسك منها فكرة ترتفع بها وتسمو. تلك خواطره الأربعون وهذا احتيالي في قيد أوابدها:

سفري إليك سفر دمائي في الوريد إلى الوريد، نحن مزاجٌ من رُوح في لعبة الوجود، هاتِ يدكَ أُنصتْ إلى قلبكَ، حبيبي، أهذا أنت أم رؤاي؟، قالت له: قدَمَيْك وهذه الموجةَ الأنثى”، ليس أصفى من طلّ على ورد، قلبي جناحاك حتّى تطيرَ، أحبّك: العبارة خمرةٌ مهراقة، قلبي وترٌ أنت زريابه، أُحبّكَ فأجتمعُ فيك، أنتِ جهاتي السّتّ، أبتِ، صدرَك يقيني الصّقيعَ، كلماتُكَ وعيناكِ، شفتاك لوحي المدرسيّ وأنا أحلم بكتابة أوّل حرف، أنتِ فيّ أنفاس والتباس، أغمض عينيّ فأراكِ، جدير بالعينين الجميلتين أن تأرقا، أنا وخيلٌ تُسرجها عيناك، الحبّ طفل لا ينسى، أنت فيّ أكاليل من جمال، الحبيب مرآة الحبيب، قد شاق الطّالبُ والمطلوبُ، “أنت منّي وميض الفكرة وخلجة الرّوح و نفحة الوجد”، في حضن حُبٍّ طفلٍ، “أنتِ كلّ الّذين أحبّهم”، حبّك خمر عتّقتها الأيّام، هل لي بحرف لا ذاكرة له يقولُكِ؟، اسقِني من دَنّ القلب، أنا بأمّي أملأ ما أكون، حبيبتي سماء ممطرة، الحبّ البكر، أحبّك ملء الرّوح، يا قهوة الرّوح ، حبيبي وجهي البهيّ وحرفي الشّهيّ، “الذّاهبات بعيدا في شراييني”، بكِ إعْرابي وبياني، حبيبتي محراب جمال، أقحوان الحبّ والكلمات، تُشرقين في قلبي وتَغربين في عيني، قد شغفَتْني حبّا، كلّ المسافات مختصرة في نبضة قلب.

وإنّك إذ تقرأ هذه الخواطر تأتيك أصوات من ساحق الأزمان ومن أثيل النّصوص ومن شجيّ الأطراب أصداؤها، وتتراقص أمام عينيك صور من بدائع الأكوان أطيافها.

أصخْ تسمعْ فيها رنّات العشّاق العذريّين والصّوفيّين والقدامى والمحدثين:

“تعلّق روحي روحها قبل خلقنا             ومن بعد ما كنّا نطافا وفي المهد”. جميل بن معمر
“والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت          إلا وحبّـك مقـرون بأنفاســــــــي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثـــــــــــهــم         إلا وأنت حديثي بين جلاســي” الحلّاج
“حظيت يا عود الأراكِ بثغرها             أما خفت يا عود الأراك أراكَ” من مأثور ما لم تثبت نسبته.

“أخافُ أن أقولَ للّتي أُحبُّها
أُحبُّها
فالخمرُ في جِرارِها
تخسرُ شيئاً
عندما نصبُّها..” نزار قبّاني
“شربنا على ذكر الحبيب مدامة                 سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم” ابن الفارض

واقرأ يملأْ مسمعيك شدوُ أمّ كلثوم:
“هل رأى الحب سكارى مثلنا    كم بنينا من خيالٍ حولنا
وضحكنا ضحك طفلين معاً       وعدوْنا فسبقنا ظلّنا”

“إلّي شفته قبل ما تشوفك عنيّه       عمر ضايع يحسبوه إزّاي عليّ
إنت عمري الّي ابتدي بنورك صباحه”

ويهزّك صوتُ عليّةَ تشدو بساحرة جعفر ماجد:
“سئمت الكلام الذي حفظوه عن العشق والعاشقين
فقل لي كلاما بلا ذاكرة”

… ونصوص غيرها ثاوية فيك تنجم كضالّة بين يديك هداك إليها هذا النّصّ الحميم.

وبعد، ما حاجتك إلى هذا النّصّ الّذي يتغنّى بعاطفة الحبّ يحلّق بك في سماء أحلام وأخيلة؟ أتراه ينتزعك من واقعك الّذي تكابده جرحا ووجعا وفاقة؟ أتراه يردّك إلى ماض لك عفا وانقطع؟ أتراه يضاعف اغترابك في زمان لا قلب فيه ولا روح؟

بل يردّك إلى إنسانيّتك وأصيل سجاياك، ويقي عينيك من أن تعشيا في ظلمات الجهل والجهالة عن النّور وهدى السّبيل، ويساعدك على إعادة اكتشاف عاطفة هي نسغ الحياة وجوهرها، وهي المعنى الّذي إليه يؤول كلّ فعل حيّ خصيب، وهي ما به كونك وكيانك؛ عاطفة الحبّ سبيلك إلى أن ترى نفسك ” تذكّر أنّك لا تستطيع أن ترى نفسك حقّا إلّا في قلب شخص آخر”، سبيلك إلى ” أن تنظر إلى الشّوكة وترى الوردة وأن تنظر إلى اللّيل وترى الفجر” سبيلك إلى أن ” تسافر في داخلك فيكون بوسعك اجتياز العالم الشّاسع من حولك”، سبيلك إلى أن تبحث عن الحبّ ” فتتغيّر من الدّاخل ومن الخارج” هذا غيض من فيض العشق رسولاه التّبريزيّ والرّوميّ وهذا الدّكتور رياض جراد وقد أهدانا ” حروفه باقات عطرات نضرات امتلأت بها جهاتنا” يوقّع في نفسك وفي نصّه: ” وحدها هزّات الوجدان تحدّد معاني الكلمات و تنحتها في عتمات الرّوح مشكاة فرح و قناديل نور… ”

(1) انظر الصّور المرفقة الّتي التقطتها عدسته.

المقال السابقأساليب أخرى
المقال التالىفساد المسؤولين ج3
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد