نقطة تحول في التاريخ البشري الحديث: نصف المجتمع الدولي أصبح من الطبقة الوسطى


 

مر التاريخ البشري عبر العصور الطويلة بالعديد من المراحل و التطورات في مجالاته المختلفة، و كان للمال و الأعمال و التجارة، و عوامل و عناصر و مكونات الفقر و الغنى أهمية خاصة و متميزة في هذا التاريخ، و كان الغالب أن يكون معظم أفراد المجتمع من الفئات الفقيرة أو دون الوسط، و نسبة معينة من الطبقات الوسطى، و نسبة محدودة جدا هم دائما من يمثلون الطبقة الغنية الثرية المترفة ..

هذا العام، تشير التقارير إلى تحقيق إنجاز و تطور في الجوانب المالية و الإقتصادية و الإجتماعية حول العالم، حيث تصاعد عدد الطبقة الوسطى حول العالم لتكون هي الأكبر على مستوى سكان البسيطة، و ليبلغ تعدادها حسب بعض التقارير حوالي ٣،٦ مليار نسمة، في حين يبلغ تعداد فئة الأثرياء و الأغنياء حول العالم حوالي ٢٠٠ مليون شخص بمختلف الأنواع و المستويات ..

أما الفقر المدقع فيبلغ تعداده السكاني حول العالم حوالي ٦٣٠ مليون شخص، بينما وصل تعداد الفئة المحصورة ما بين الفقر المدقع و الطبقة الوسطى، و هي الفئة التي تحصل على قوتها اليومي لكن بصعوبة و جهد كبير، و هي المجموعة البشرية التي لا تأمن حياتها و مستقبلها و مستقبل أبنائها لمختلف الأسباب، هذه الفئة الكبيرة من المجتمع الدولي بلغ تعداده حسب التقارير حوالي ٣،٢ مليار شخص حول العالم ، هذا بإعتبار أن التعداد العام لسكان الأرض يتجاوز اليوم ٧،٦ مليار شخص ..

هذه المعلومات المفيدة و الممتعة، تضمنها تقرير، نشره قبل حوالي الشهر من الآن ، مركز بروكينغز الأمريكي للبحوث و الدراسات، تحت عنوان، ” نقطة تحول عالمية، نصف سكان العالم الآن هم من الطبقة الوسطى أو الأعلى و الأكثر غنى ” ..

و جاء في مقدمة التقرير، أن هناك شئ مهم و حساس على مستوى العالم يحصل الآن دون أن يعيره الكثيرون أي إهتمام، فلأول مرة و منذ بدء الحضارة أو العصر الزراعي قبل حوالي ١٠٠٠٠ سنة، فأن أغلبية سكان العالم باتت ليست من الفقراء أو تلك الطبقة أو الفئة القريبة

المهددة بالوقوع في الفقر في أي وقت كان، فبموجب حسابات المركز و خلال شهر سبتمر الماضي، فأن أكثر من ٥٠ ٪ من سكان العالم، أو ما يعادل حوالي ٣،٦ مليار نسمة، قد بلغت الحد من الإمكانات المالية و القدرات على الصرف و الشراء لكي يتم إعتبارهم من ضمن الطبقة الوسطى أو الطبقة الغنية، و أن هناك نفس هذا العدد الإجمالي تقريبا يمكن إعتبارهم من الفئات الفقيرة أو تلك المهددة بالفقر، لذلك بعد اليوم لن يكون الفقراء و المهددون بالفقر هم الغالبية العظمى من سكان العالم، و هذا ما يؤشر ربما بداية عصر جديد تقوده و تقرر مصيره مكونات الطبقة الوسطى حول العالم بإعتبارهم هم الآن الأغلبية حول العالم ..

من المعلوم و الواضح أن الطبقة الوسطى في المجتمع تطورت بمرور الزمن، بعد أن كان مصنفا بشكل ما إلى أغنياء و فقراء، لكن بمرور الزمن تمكنت أعداد معقولة من الطبقات الفقيرة الكادحة من التحول إلى فئة أخرى تصنف دون الغنى و الثراء، لكنها طبقة تتمتع بمدخول مادي جيد أو لا بأس به، و بقوة شرائية جيدة، و الأهم أنه بمرور الزمن أصبحت هذه الطبقة الوسطى تضم على الأغلب فئات الموظفين و المهنيين و أصحاب الشهادات و التأهيل العلمي الجيد ، و بشكل عام من غالبية الفئة المتنورة و المثقفة في المجتمع، و طبعا جاء ذلك بالتلازم مع إهتمام الدول بتنمية قدرات و مهارات السكان، و الإهتمام بالتعليم و الصحة، و تطوير الخدمات، و أعتقد هذا ما جعلنا نصل إلى هذه الحالة الجديدة هذا اليوم ..

و لو أن هناك ردة ما في العديد من دول العالم، خاصة الرأسمالية الجشعة منها، من حيث العمل على تقليل حجم الخدمات المقدمة للفئات الوسطى و الفقيرة، و العمل علي تقليص الدخل و الإمكانات المالية لهم، و هذا إن إستمر و تطور و إنتشر، ربما نجد نكسة جديدة حول العالم بإنخفاض أعداد السكان من الطبقة الوسطى و إرتفاع جديد لعدد الفئات الفقيرة و الكادحة، و هذا ربما يهدد السلم و الأمان الإجتماعي العالمي، خاصة في الدول ذات التعداد السكاني الكبير كالصين و الهند و أميركا و روسيا و غيرها، علما أن هناك إرتفاع مستمر في أعداد الأغنياء و الأثرياء، بإختلاف درجة ثراءهم، سواء أكانوا مليونيرية أو بليونيرية، لكن غالبيتهم و على الأغلب جاؤا من خلفيات و مرجعيات الطبقة الوسطى في المجتمع ..

يشير التقرير إلى أن الأرقام المذكورة جاءت في ضوء التقييم العام المعتمد لكون الفئات الفقيرة المدقعة هم من الذين لا يملكون سوى أقل من ١،٩٠ دولار فقط ليصرفوه يوميا، بينما الطبقة الوسطي تتمكن من توفير ما بين ١١ – ١١٠ دولارات للشخص الواحد كمصروف يومي، الطبقتين الأخريتين تأتي واحدة منها ما دون الطبقة الوسطى و أفضل قليلا من الطبقة الفقيرة الكادحة الجائعة، و الأخري هي الأقل من حيث العدد و الأكثر غنى و ثراء، و تقع في قمة هذا الترتيب و الجدول السكاني ..

و يلاحظ هنا حجم التباين مثلا للطبقة الوسطى ما بين ١١ و ١١٠ دولار يوميا ، أي ما بين حوالي ٤٠٠٠ و ٤٠٠٠٠ دولار سنويا، طبعا هذا يتعلق بالبلد و المستوي المعاشي و قوة العملة المحلية، و مستوي التضخم الإقتصادي و أسعار السلع المحلية و مدى توافرها في البلد أو يتم إستيرادها بالعملة الصعبة، و غير ذلك من الأمور ، في حين نجد التباين أوسع و أكبر مع الطبقات الغنية حول العالم، حيث نجد منهم من يحتسب دخله بآلاف الدولارات في الدقيقة الواحدة، و من تصل ملكيته إلى عشرات المليارات، و بعض الشركات التي تصل ميزانياتها و حجمها لميزانيات

عدد من الدول الصغرى الفقيرة مجتمعة حول العالم ..

و يضيف التقرير في توضيحه لمفهوم الطبقة الوسطى، بكونها تلك الشريحة التي يتمكن فيها الشخص من شراء بعض الحاجيات و السلع التي قد لا يعتبرها البعض ضرورية ، مثل الدراجات النارية، الثلاجات الكهربائية، غسالات الملابس، و في يومنا هذا الهواتف النقالة و الكومبيوترات و أجهزة التلفزيون الحديثة، و الذين يتمكنون من توفير الأموال للذهاب إلى السينما مثلا و مشاهدة الأفلام و المسرحيات، و أن يتمتعوا ببعض الأجازات و السفر و السياحة داخل البلد و خارجها، و رغم ذلك فأن لهؤلاء الثقة و الأمان النفسي في أنهم لن يتعرضوا لهزة و مفاجأة في فقدان الدخل أو الحاجة الماسة عند المرض أو العطالة و قلة فرص العمل، و غير ذلك من الظروف التي قد تهددهم بالعودة للوراء و الإنضمام إلى الفئات الفقيرة المدقعة، فهم يشعرون بنوع من الأمان و الضمان في كونهم في منأى عن ذلك و بعيدين عنه كل البعد ..

و من الجدير بالذكر من خلال هذه الدراسة و دراسات و تقارير مشابهة أخرى، أن نسب و درجات الفقر و ما دون الطبقة الوسطى لا زالت تتركز في العديد من الدول الأفريقية و بعض الدول من أمريكا اللاتينية و الجنوبية، في حين تمكنت دول كبيرة من حيث المساحة و عدد السكان من تجاوز هذا الفارق الواسع و تقليص عدد السكان تحت خط الفقر، كما نلاحظ ذلك مثلا في الهند و الصين و روسيا و الأرجنتين و البرازيل و تركيا و غيرها، و هذا ربما يعطي إنطباعا مهما و أملا كبيرا في التمكن من معالجة هذه الحالات المزمنة من الفقر و المجاعات حول العالم، على العكس من ذلك نجد دولا أخرى أقل حجما لكنها تعاني و لا تتمكن من إستغلال مواردها البشرية بشكل سليم، كما نلاحظ ذلك بوضوح في مصر و نيجيريا و أندونيسيا و غيرها ..

و أنا شخصيا أرى في نموذج الصين نموذجا مهما و جدير بالدراسة و المتابعة و أن يكون قدوة للآخرين من دول و بقاع العالم، فهذه الدولة كانت تعد بجدارة من الدول الفقيرة في غالبها ربما لغاية الستينات أو السبعينات من القرن الماضي، تمكنت بعدها من وضع خطط و برامج إقتصادية ضخمة و ناجحة، تمكنت من خلالها قلب الواقع لتصل إلى مستوى الإقتصاد الثاني عالميا، بالرغم من الكثافة السكانية العالية و كونها الأكثر عددا للسكان، لكنها تمكنت و بنجاح ساحق أن تقلب هذا العامل، من عامل محبط إلى عامل للتطور و النجاح و التقدم و التفوق و الإبداع ..

و يعود التقرير ليؤكد أهمية الطبقة الوسطى كونها باتت تعتبر المحرك الإقتصادي للإقتصاد و السوق المحلي و العالمي، فهم يمثلون الجزء الأعظم من حجم الطلب في الإقتصاد العالمي، و هذا ما يجعل الأمر مهما و خطيرا بالنسبة للأعمال و النشاطات التجارية و الأعمال في كل مكان، محليا و دوليا، فهذه الشريحة لا زالت الأسرع و الأكثر نموا و تطورا و توسعا، حيث يتوقع أن يصل عددها إلى ٤ بلايين نسمة عام ٢٠٢٠، و إلى حوالي ٥،٣ بليون شخص عام ٢٠٣٠، و مقارنة مع اليوم هذا يعني إضافة ما يقرب من ١،٧ بليون شخص ، و هذا يعني أيضا أن هناك ما يقارب من ٩٠٠ مليون شخص سيمكنهم الخروج من خانة الفقر و الحاجة و الإنتقال إلى خانة أو شريحة الطبقة الوسطى ..

و تتوقع الدراسة أيضا أن تصل إمكانيات و حجم سوق الطبقة الوسطى عام ٢٠٣٠ في الصين إلى ما يقارب من ١٤،١ ترليون دولار، و الهند حوالي ١٢،٣ ترليون دولار، بالمقارنة مع السوق

الأمريكي الذي يتوقع أن يبلغ حوالي ١٥،٩ ترليون دولار في ذلك العام ..

كما أشرنا، فأن أهمية الطبقة الوسطى تنبع من كونها الأكبر و الأسرع نموا، لهذا فهي تشكل وزنا مهما متميزا في حجم الطلب المحلي، ما يعتبر محفزا و عاملا مهما في نجاح العملية الإقتصادية في البلد و تطورها، و هي بذلك تعتبر الفئة أو الشريحة المحركة للإقتصاد العالمي، حيث يقدر حجم الإستهلاك لهذه الفئة ما يعادل تقريبا نصف حجم الطلب للإقتصاد العالمي، النصف الثاني يتوزع مابين الإستثمارات و الإستهلاك و الصرف الحكومي ..

كذلك فأن ثلثي الإستهلاك العالمي يأتي من هذه الطبقة بالمقارنة مع الشرائح الأخرى، و يعود ذلك لكبر حجمها مقارنة مع الطبقة الغنية الثرية التي تتمتع بقدرات شرائية أكثر كثيرا لكن عددها قليل جدا مقارنة مع الطبقة الوسطى، كما أن الطبقة الفقيرة الكادحة كبيرة نسبيا من حيث العدد، إلا أن إمكانياتها المادية ضعيفة جدا و لا تقارن مع مستوى الدخل للطبقات الوسطى ..

غني عن القول، أن هناك علاقة طردية قوية ما بين إنتقال الأفراد في مجتمع ما ليكونوا ضمن الطبقة الوسطى، و ما بين مستويات الأمن و الأمان و السلام الإجتماعي و درجة السعادة و القناعة لدى هؤلاء، و هذا ما جعل لهذه الطبقة أهمية متميزة لدى السياسيين و الحكومات في معظم أو كل دول العالم، و بات الكل يخطب و دهم و يحاول إسعادهم و توفير أهم الخدمات و الطلبات التي تبرز و تسجل في ذلك البلد ..

علما أن نمو و تطور الشرائح الوسطى و كون أغلبهم من الفئات المهنية الوظيفية المثقفة، جعل ذلم الأمر يبدو صعبا لبعض الدول و الحكومات في إشباع إحتياجاتهم ، نظرا لتعدد و تعقد و تنوع و تشعب هذه المطالب، من صحية إلي مالية إلى إقتصادية إلى تعليمية إلى ترفيهية، و غيرها، و في بعض الأحيان يمكن أن يكون رضا و قناعة الطبقة الوسطى في بلد أو مجتمع ما معيارا لقياس مستوى و درجة نجاح الحكومة و النظام هناك ..

و يحضرني الآن مثلا لآخر المستجدات على مستوي العالم و هو السماح ببيع بعض أنواع المخدرات رسميا و قانونيا في كندا، حيث يتمثل ذلك في طلب شريحة واسعة من الشعب معظمهم من الطبقات الوسطى، باتوا قادرين و متمكنين ماليا لذلك، و باتت السلع و المواد الأخري المشابهة لا تشبع حاجاتهم و طلباتهم، و هكذا يتطور الطلب بين ما نعتبره جيدا و سيئا، لكنه يبقى طلبا لشريحة مهمة في المجتمع، تدفع الحكومة و الدولة لتنظيمها و تنفيذها وفقا لقوانين و تشريعات جديدة ..

لا تعليقات

اترك رد