كيف يؤدي التنوير لتفعيل قدرات الدفاع عن الحقوق ؟

 

مقتبس من المعالجة المقترحة: “إنَّ عواملَ التخلفِ تُشيعُ فرصَ استسلامٍ للقدرياتِ والإيمانِ بالخرافةِ ومنطقِها، بخلافِ التنوير فهو يفعِّلُ قدرات الدفاع عن الحقوق؛ بما لا يتعارض وصحيح المعتقدات. فكيف نقرأُ تلك الظاهرة؟”.

بين الفردي والجمعي من السمات يمثل التخلف استلاب إرادة الذات الفردي \ الجمعي؛ عندما يفقد شخصيته بسبب عزال معارفه وخبراته.. ففي الشعوب التي يسود فيها النمط الاقتصادي البسيط التابع لمنظومة المراكز الاقتصادية الدولية الكبرى، تفتقد الأداء الانتاجي وتصير طرفاً تابعاً لتأثيرات المركز القوي ومن ثمّ أسوأ من سوق لتصريف البضائع تصير بؤرة تصريف نفاياته؛ إلى درجة أنها لا تحظى أكثر من المنتج منتهي الصلاحية أو تحويل أوطان تلك الشعوب إلى مدافن النفايات النووية وغيرها كما حدث ويحدث حتى في قضية تجريب الأسلحة المحظورة وما شابه.. إنها تبعية لا تعود لضعف النظام وممالأته الأطراف الدولية المعنية بل لضعف الدولة المنخورة بمنظومتها القيمية وقدرات وجودها إنتاجيا إنها مجرد إسفنجة امتصاص سلبية خاضعة تابعة..
يعني هنا، أن أنتقل سريعاً إلى موضوعة التخلف وتأثيراته على الفرد وبنية شخصيته وصلابة أو هزال إرادته في ضوء استلاب قدرات التفكير والتدبر وفي ضوء حدود جد ضيقة لخبراته ومعارفه بسبب أميته الأبجدية وخواء العقل وخراب الثقافة التي تتدنى قيمياً سلوكياً فيصير مجرد (تابع) تديره الأهواء والانفعالات الموجهة بطريقة محسوبة من الجهات المتحكمة به…
إنّ مشكلة الجهل لا تكمن في انتفاء قدرات التفكير وانعدام منهجية صائبة يتطلبها ابن عصرنا بل في تسبب تلك المشكلة (الجهل) بفراغ تملأه الخرافة حتى تصير الخبرة الوحيدة الموجهة للفرد الذي سيُساق بطريقة القطيع مع آخرين وهو يظن أنّه يلبي حاجة (روحية) في الغالب بما يوهمه بأنها بديل ما لا يملك من حاجات روحية ومادية تعبر عن العصر وأبنائه…
هنا، نجد أنّ قراءة لجانب من أسباب خفوت الارتدادات الراديكالية لأبناء الشعب تجاه مصائبهم سريعاً.. فمثلا ينتفض ضد ما يصيبه من سحق همجي نتيجة شدة الجريمة وآثارها القاسية ولكنه قبل أن يحظى بمطلبه يقع بورطة عدم معرفته إدارة معركته المطلبية الاحتجاجية أمام هول ما للسلطات الظلامية من أدوات قمع عنفية ومن وسائل شراء أصوات ومن فرص مناورات واتساع ميادينها.. ومع أنَّ المطلب لا يتحقق سرعان ما تخفت الهبّات وعلى الرغم من تزايد آلامها وإفرازاتها الكارثية إلا أنه سرعان ما يجرونه إلى وقائع أزمة أخرى أو يدفعونه إلى انشغال بطقسيات يراها واجباً ملزماً تتأجل مطالبه الحياتية لا المادية الملموسة حسب بل والروحية السليمة أيضاً..
مثال ذلك، مشاركة (جموع) فيي مناسبات يصفونها له بأنها (دينية) واجبة ملزمة وتوفر ظروف التخلف وشيوع منطق الخرافة فرص لا إقناع فقط وإنما إيمان واعتقاد بأن ذلك من الأهمية ما يتجاوز ضمان حيوات الأبناء وحمايتهم من غوائل الزمن المتفشية كارثياً.. انظر إلى أن انتفاضة البصرة كانت لتسمم عشرات كيف تمّ إنهاؤها عنفياً ومع أن الضحايا صاروا بعشرات الألوف بل بما تجاوز حجماً كارثياً من أبناء البصرة ومحيطها إلا أنّ نسبة من الأهالي تتجه صوب زيارة (دينية) المنحى تاركة (حقوق أهل البصرة وواجب تلبية مطالبهم وإنصافهم بعدالة) مما يمثل جوهر من يتجهون لزيارة مقامه الرمز! أليس أجدى وأكثر صواباً الإصغاء لمعاني ثورة ضد الظلم ومن أجل العدل بدل تفريغها من معانيها وجعلها مجرد شكليات طقسية وبكائيات لا تلبي نداء ذاك الرمز الكبير!؟
إن منطق الخرافة حين يتسيّد يتحكم بمجموعة تمت مصادرة إرادتها وعمقها العقلي الأكثر حكمة وتجربة وخبرة ليجري تمرير خزعبلات لا تستقيم لتفريغها من معانيها ودلالاتها.. وحتى تلك الأصوات التي تردد عبارات ماثورة مهمة وعميقة مثل (هيهات منّا الذلة) يحولونها إلى مجرد (ظاهرة صوتية) يتلفظ بها المقهور من دون تحقيق انتصاره على من ينهبه ويسرقه ويذلّه، حيث يترك متابعة ثورته و هبَّته الجماهيرية قبل أن ينجز مطلبها!
إنّ ظاهرة التخلف لا تقف عند حدود انعدام أو قصور حاد في الحاجات المادية والروحية ولكنها أبعد من ذلك قضية قيمية وقضية نظام وألياته ومنهجه وفلسفته ولهذا لا يمكن الخلاص والتحرر من الضيم والظلم بمجرد تحقيق مطلب مادي أو روحي ولكن لابد من تغيير (النظام) وهنا بالتحديد يتم الرد على بعض أناس يتحدثون عن تلبية مطلب أو آخر وكأنه (الانتصار) المنشود ويريدون بذاك التوكيد على سلامة رؤية أو قرار بينما لا يمثل ذلك سوى مجال من مجالات المناورة وإسكات أصوات الحركة المطلبية الاحتجاجية من دون تحقيق شيء جدي يُذكر..
وعليه، ففي الغالب يمهد التخلف والجهل لفرص الإيمان بالقدريات وكأن مصائب الإنسان (والمجتمع) حتمية؛ وكأنها أبدية تنال منه ولا يمكن النيل منها و\أو تغييرها! فيما الصائب أن يعي المرء أن الظلم لا يأتي إلا من ظالم بعينه، يسمح له المظلوم بمتابعة ظلمه يوم لا يتابع اشتغاله دفاعاً عن حقوقه، أما لأنه يخرسه ويسكته بتقديم طُعْمٍ مادي أو روحي أو بمشاغلة (المظلوم) بأداء واجب يظن أنه أهم وأكثر أولوية من مطالبه الحياتية!
إنّ ذلك ينمّ عن مصادرة القراءة الصحيحة الصائبة للدين والاعتقاد كونهما لا يتعارضان وحق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة بل يؤكدان عليها وعلى أولويتها فمثلا لا يجيز الدين تأدية الحج لامرئ لا يسد حاجته أو أنه منقوص الحقوق لا يوفرها له نظام يسرقه بمعنى يوجب عليه أن يفكر في حاجته أولا بخلاف من يدفعونه للانشغال بزيارة أو بطقس صحيح أو غير ذلك.. ألم يقرأ أولئك: أنْ “عامل يعمل خير من ألف عابد” وأنْ “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؟؟
التخلف هنا يدفع لاستسلام للظالم وظلمه والانشغال بقدريات ليس بالضرورة من طقوس دينية ومذهبية ولكن بأمور أخرى تظهر بمجرى كون التخلف جزءا من منظومة اقتصا اجتماعية وفكرية سياسية تثير خطابا استهلاكيا أنوياً لا يفكر بالآخر فيوقع بمطب تراجع المسؤولية الاجتماعية حيث لا مجال للتغيير من دون تغيير النظام برمته وفرض خيار الناس لنظام العدالة الاجتماعية بديلا..
أما المقابل لظاهرة التخلف وما ينجم عنها فسنجده في التنوير وما يعني من فعل عقلي يعمّد الشخصية الإنسانية ويمنحها قدرات التفكر والتدبر، فتمتلك إرادتها في القرار حيث لا تخضع أو تتبع لعناصر مضلّلة تزعم لها أنها وكيل الله على الأرض توصل رسائله؛ إذ لا الله ولا رسائل الديانات تقر تبعية إنسان لآخر واستعباده واستلاب إرادته بل المضامين التي خبرتها البشرية عقلا أن الحكمة تكمن في حرية الإرادة ومنع تبعيتها وخنوعها وأن أول واجبات الإنسان أن يستثمر عقله لإعمار وجوده الذاتي والموضوعي وهنا لا يكون الإنسان استهلاكيا أنانيا بل مثلما يبحث عن وجوده وحقوقه وحرياته يوافق بل يعمل من أجل وجوده الجمعي وواجباته الاجتماعية الأشمل…
إنّ المرء منا يلزم أن يناقش ويحاور بجدلية ومنهجية عقلية لا تسمح باستلاب (سمة التفكير) منه، ما يتطلب ألا يقبل تخريب قدراته وأدواته وأولها تلك التي تعني ألا يكون (أمياً) لأنّ الأمية تعني تجهيله وتمكين منطق الخرافة منه، فيكون بمواضع التخلف ومن ثمّ استلاب الشخصية ومصادرة الإرادة ليفرضوا عليه أن يتبع ويخضع ويخنع صاغراً لكل ما يمرر جرائم امتهانه واستعباده وانتزاع حقوقه وحرياته! في ذلك النموذج يقبع المرء في زاوية يبيع فيها حقوقه \حرياته\\ وجوده مقابل عطايا استهلاكية لا تمنحه إنسانيته وعيشه الكريم…
إذن، ليتحرر ويكون صاحب إرادة وقدرة اتخاذ القرار، لابد للإنسان من أن يمحو أميته ويزيل عوامل تخلفه وتجهيله ويرفض وجوده كائنا استهلاكيا أناني المنطق والنهج، وهنا فقط يمكنه أن يتحرر من استغفاله ومصادرته، ويستعيد إرادته وقدرة اتخاذ القرار مستقلا بما يلبي إعمار منطقه ودحر حالات تخريب معارفه وتشويهها ببدائل خرافةٍ تطيح به..
إن التنوير ليس قراءة وكتابة فقط؛ وهو ليس مجرد بضع معلومات صماء؛ كما أنّ التنوير ليس معارف رياضية جامدة ولكنه أي التنوير ثقافة تمثل وعي وجودنا الإنساني حقوقاً وحرياتٍ ووسائل عيش وآليات دفاع عنها ورفض تحويلنا إلى كائنات استهلاكية كما الحيوان يكتفي بالحد الأدنى والكفاف مما يقوت بدنه وهذا الفارق الخطير نوعيا بين ما يقوت الأناني الاستهلاكي وما يتطلع إليه المرء من أجل أنسنة وجوده هو ما يضيئه التنوير غاية سامية لابد منها…
وهكذا فالتنوير طاقة داخلية للذات (الفردي و\أو الجمعي) للدفاع عن أنسنة وجود هذا الذات وتلبية حقوقه الروحية المادية الملموسة.. وهذا يحقق احترام معنى أن الإنسان تم تكريمه لعقله حصراً… ولهذا يسهل الاعتداء على كرامته إذا ما جرى انتزاع العقل أو حشوه بمنطق الخرافة وقيمها.. عليه فالتنوير يوفر إنهاء سطوة الخرافات وقيمها ويمنح أدوات العيش الكريم وتحقيق إنسانية الإنسان، أو تحقيق أنسنة حيواتنا…
في ضوء هذي القراءة لظاهرتي (التخلف\التنوير) الواقعة بمنطقتي النقيض لكل منهما، يمكننا التعرف إلى دروب الانعتاق والتحرر وتلبية المطالب الحقوقية الأشمل والأعمق. مثلما يمكننا معرفة بعض أسباب انهيار الهبات الجماهيرية والحركات الاحتجاجية الشعبية بمقابل ما نراه من ممارسات طقسية تمنح الأولوية لشكلانيات لا يقرها عقل ودين ولكنها تعبر عن وسائل أَسْر جموعٍ جرى تعطيل التفكر والتدبر عندها بوساطة التجهيل وإفشاء التخلف وسلطان ظلامياته ..
إنّ استمرار انشداد تلك الجموع لأولوية طقسيات مصطنعة وأخرى شكلانية ولثقافة استهلاكية، سيكرر عذابات الجموع في ارتداداتها الاحتجاجية، فتقدم ضحايا أبرياء على مذبح التجهيل وتفشي التخلف وبدل أن تمثل الانتفاضات تجاريب تُراكَم منها الخبرات الثورية للتغيير تعود لتبدأ من جديد، من الصفر في كل مرة وتصير الانتفاضات تفجرات للتنفيس لا أكثر، وبمرور الوقت وحالات التكرار السلبي تطمئن سلطات الظلم والفساد الظلامية إلى أنها بمأمن…
فمتى سنتوقف عند هذه الحقيقة؟
إن المرء بحاجة لمراجعة منطقه؛ وهو بحاجة لتغيير مواضع العقل ومنطقه والخرافة ومنطقها، وهذا يتطلب إقبالا على التنويريين بدل الإقبال على المتجلببين ممن ارتدى العمامة دجلا وزيفا.. ألا يرصد ذاك المرء أن أولئك على الرغم من إقرارهم زيف طقسيات بعينها لا يدينونها ولا يرفضونها ولا يكشفون زيفها بل يعززونها، حتى لو كان بمجرد السكوت عليها والصمت حيث يشيحون بأبصارهم عنها!؟
فالقضية كما يرى المرء منا ليست ضد طقس بعينه ولا ضد اعتقاد أو ما يؤمن به من صحيح الأصل، مما يتفق وتكريم العقل عنده، أي تكريمه إنساناً حراً؛ القضية ليست كذلك وإنما هي ضد ما ظلم ذاك المرء ويديم ظلمه حيث استعباده وإخضاعه بوساطة التضليل بمنطق خرافة تستلبه شخصيته وتصادر عقله وتمنعه من تشغيله للتفكر والتدبر..
إننا بحاجة لوقفة لوهلة بسيطة ونرى كل شيء بدل التمترس خلف من وضع النير على رقابنا وأكتافنا فذلك التمترس هو ما يديم استغلالنا واستعبادنا فيما إعمال العقل يمكّننا من الانعتاق والتحرر من التبعية والخنوع ويجعلنا نرى ونقرر ونعمل ما يؤنسن وجودنا، يومها نحصد ما نزرع لا نزرع ليحصد من يستعبدنا ويذلنا ويصادر وجودنا…
تلك ومضة تضيء، ما يحيط بنا اليوم، وجودنا بين الخنوع بخلفية الجهل والتخلف والخنوع لمراجع هي سبب في تكريس نظام باع الدولة للسرّاق الناهبين وبين أن نستفيد من تلك الإضاءة وحركة التنوير لنستعيد أنفسنا وقدرات التفكر والتدبر والانعتاق في اتخاذ القرار والتحرر في إرادة الفعل واستعادة الحقوق..
إنّ أحدا لن يتعطف علينا كيما نكون.. ولكننا نحن من يكوّن وجودنا، هويتنا العقلية المستنيرة؛ كي نعمّر ونبني وكي نزرع فنحصد… أما لعبة الخرافة وما تفرضه وتفشيه من طقسيات مزيفة فتلك ألاعيب تفرّغنا روحيا لتملأنا باشكال إيمان لا علاقة لها بالاعتقاد بصحيح القيم الروحية وصائب أداءاتها..
فلنتعظ مما جرى ويجري ولننعتق من الضربات الهمجية التي تديم استغلالنا ونهبنا حتى في قطف أرواح بناتنا وأبنائنا واغتصاب حقوقنا بل اغتصاب وجودنا واستباحته مثلما هو جارٍ في العراق، سوريا وبلدان أخرى في محيطنا!
أفلا نتعظ قبل (لات ساعة مندم)!؟؟
لكُنّ ولكُم حريةُ التفاعل إضافةً واستبدالاً وتنضيجا؛ فمرحى بكل ما ينير وجودنا، فحركة التنوير هي حركة التحرير الوحيدة بعالمنا اليوم.. ومن ثم هي حركة الأنسنة واستعادة الحقوق وسليم الدفاع عنها وقويّهُ…

لا تعليقات

اترك رد