مخاضات الدولة العراقية

 
الصدى - العراق

لم يحسم شيعة العراق بعد امرهم مع زعاماتهم التي خيبت الامال حتى وقع عليهم خبر خيبة جديدة في اجتياح داعش لاهم مدن العراق الشمالية وتهديد العاصمة و مدنهم ومقدساتهم…… نكسة حزيران العراقية عام ٢٠١٤ تفوق في اثارها واسبابها نكسة حزيران العربية عام ١٩٦٧ ولكنها تعيد من جديد مشاهد الذل العربي وبنكهة طائفية هذه المرة وبطبيعة وحشية أنعشت ذاكرة الشيعة بممارسات ازلام النظام السابق ووضعتهم امام خيار وجودي ولحظات مراجعة وترقب … أسراب الأسرى المصريين المقادين الى السجون في صحراء سيناء امام شاشات التلفزيون تقابلها قوافل الجنود الشيعة المقادين الى منصات الموت في تكريت تحت صيحات الانتقام الطائفية و امام شاشات التلفزيون !!!

رمزية المدينة ورمزية الضحايا ورمزية الخطاب ورمزية الفاعلين اجتمعت سوية في ذاكرة الشيعة لتعود بهم الى زمن مرعب وتعدهم بمصير اكثر رعبا !!!!

ساعات وأيام ثقيلة مضت انطوى الشيعة خلالها على انفسهم في رحلة مراجعات ولوم ونحيب ارتفعت خلالها أثمان السلاح والعتاد والطعام وانكشفت بين ثناياها عورة النظام السياسي الذي طالما حلمو به كخلاص من الماضي وشكل مغاير له !!!
وفي لحظات القلق والانتظار تلك دوى صوت المرجعية معلنا فتوى الجهاد الكفائي لينفر الشيعة هذه المرة خفافا وثقالا في (رحلة الوجود )….

تحركت عشائر الوسط والجنوب على وقع الخطاب الجهادي وصيحات امهات سبايكر واصطف الشباب فرادى وجماعات في مَناطقِهم وهرع رجال الدين وتزينت السيارات باعلام العراق ورايات الفصائل المقاتلة ودارت عجلة القتال وفتحت مقابر وادي السلام ابوابها..

ومن رحم تلك المحنة تشكل الحشد الشعبي تحت أهداف عدة منها :
– محاربة داعش وتحرير الاراضي
– حماية السيادة العراقية
– حماية المناطق المقدسة
– مساعدة الجماهير المهجرة من مناطق النزاع

وتحت هذه الظروف كذلك وجدت القبائل السنية التي تئن اصلا من اثقال الماضي القريب و مشاعر التهميش من قبل الحكومة العراقية, نفسها بين نارين : نار داعش ونار الفصائل الشيعية التي تراها بعين الريبة والقلق والقرب من الجارة ايران …..ايران المغروسة كعدو تقليدي في ثقافة المجتمعات السنية العراقية .

وعلى الرغم من حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع العراقي والأجواء الطائفية التي جرت بها عمليات القتل والسبي التي قامت بها عصابات داعش وما تبعها من تعبئة لفصائل الحشد الشعبي فلقد تخطت تجربة التعبئة الجماهيرية العراقية مثيلاتها في البلدان الاخرى للاسباب التالية :

١- الطابع الوطني للإطار الايديولوجي الذي تميزت به فتوى المرجعية الدينية (“ان طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن الوطن واهله واعراضه ومواطنيه وهو واجب كفائي بمعنى ان من يتصدى له وكان فيه الكفاية بحيث يتحقق الغرض وحفظ العراق”…. من الفتوى ).

وقد دفع هذا الإطار الوطني الفصائل الشيعية التي كانت تعيش على هامش الدولة العراقية ومحل نقد حقيقي الى التموضع في قلب الدولة من خلال الدفاع المباشر عن هيبة هذه الدولة وسيادة أراضيها.

٢- الطابع الوجودي للحرب مع داعش دفع شرائح المجتمع المختلفة في المساهمة بأشكال مباشرة او غير مباشرة في النشاطات العسكرية ومن هنا فقد توزعت الأدوار على النساء والشيوخ بمختلف مهنهم ومشاربهم ..

٣- رفع معنويات الشعب العراقي بشكل عام وابعد شبح التقسيم .

ومع هذه الملاحظات الإيجابية فإن هذه الحرب التي تدور رحاها مع عدو عقائدي متطرف ومتمرس وتحت اجواء ملبدة بالانقسامات المجتمعية والسياسية لا بد لها ان تحتوي على اخطاء والام وجروح تتطلب المراجعة والاعتراف والتقويم .
علينا ان نعترف كذلك ان حسن النوايا والطابع الوطني لجهود الحشد الشعبي ( وان لم يخلو من تعبئة عقائدية قد تكون مناسبة لمقاومة عدو عقائدي ) لا يمكن ان يحل المشاكل النفسية والثقافية والمجتمعية التي تقسم مجتمعنا الحالي الى خنادق متقابلة وان أزمة انعدام الثقة التي زرعتها السياسات السابقة باقية تعد العدة لجولة قادمة وقد تتضخم لتشكل تحدي خطير خلال مرحلة ما بعد داعش !

ان نظرة سريعة على تكاليف حرب العراق على داعش التي تبلغ حوالي ثلاثين مليار دولار سنويا اي ربع موازنته المالية (استنادا الى بعض المصادر) ترينا حجم سوء الإدارات الحكومية المتعاقبة التي اهملت التنمية في جميع مناطق العراق ومنها المناطق المشمولة بالغزو وأساءت تحقيق المصالحة الوطنية ووضعت الشريحة السنية من شعبنا موضع التهميش والتشكيك وحولت قطاعات واسعة من الجماهير الى أهداف سهلة للفكر المتطرف.

التحدي القادم لا يمكن إذن في تحرير الاراضي من داعش بقدر تحقيق المصالحات الوطنية المتنوعة ( عشائرية – سياسية – طائفية وغيرها ) ودمج الفصائل المسلحة بالدولة وتوزيع الثروات والفرص بالتساوي بين شرائح الشعب وقمع الفساد وهو امر لا يقتصر على المناطق ذات الاغلبية السنية بقدر ما يشمل المناطق الاخرى التي تكثر فيها حالات التذمر والصراعات المهياة لانتاج نسخ جديدة من داعش وبجميع الالوان الطائفية المعروفة !!!!!

لا تعليقات

اترك رد