انطفاء


 

دلف إلى مقهىً صغير قرب ساحل يكتظّ برواد البحر، تديره امرأة مسنّة تتوكّأ على عكّازها ..
إحباط كبير يحس به، لا يزال القلم عصيّاً والورقة عذراء، وشيطان شعره فرّ هارباً بين جموع المصطافين.. أفكاره تحوم تائهةً لا تستقرٌ وسط زخمٍ من كلماتٍ وصور تتقاتل في رأسه، تريد أن تنطلق.
طلب فنجان قهوته السوداء المفضّلة، وانتحى في ركن معتم.. تاهت نظراته تطوف المكان، مذهولةً سقطت على صورة فتاةٍ بعمر الربيع، معلّقةً على أحد جدران المقهى.. انبعث سرب حمامٍ من عينيها إلى عينيه، اقترب منها، وثب قلبه بين أضلعه.. أحسّ انغاماً تعزفها شفتاها على شواطيء مرجان؛ تصالحت كلماته الصاخبة، هدأت وانسابت نبعاً يفيض.. عاد النبض إلى قلمه وعانق الورقة البيضاء.. كتب..
خمرةٌ في مقلتيها
خمرةٌ في شفتيها
و…
ارتطمت كلماته بصوت عميق متهدّج، آتٍ من وراء الضباب..
– قهوتك سيّدي..
مشفقاً على نفسه، رفع رأسه بغضب إليها، سرعان ما تلاشى عند عينيها المنطفئتين، تستجديان كلمةً رقيقة..
– هل أعجبتك ؟
مشيرةً إلى الصورة؛ تعثّرت نظراته على وجهها الذي حاولت جاهدةً أن تعيد له الحياة، لكن غدر السنين أوغل فيه عبثاً وقسوة..
قلمه لا يزال بيده ينبض..
– هذه أنا، ملكة جمال مدينتي كنت..
لا يزال غارقاً في شطآنها، تلك الجميلة..
– أنا يا أستاذ.. أنا في تلك الصورة..
انتفض من حلمه.. تشظّت كلماته، وتوقّف نبض قلمه..

Sent from my iPhone

المقال السابقهكذا نحن خلقنا
المقال التالىأساليب كشف الفساد والرشوة في الشركات
ليلى المرّاني .. قاصة عراقية مغتربة خريجة قسم اللغة والأدب الإنكليزي / كلية التربية / جامعة بغداد عملت في سلك التدريس، درست في مدارس العمارة الثانوية وفِي دار المعلمات الابتدائية، ثم انتقلت إلى بغداد، وواصلت التدريس لحين مغادرتي العراق كتبت القصة القصيرة في المجلة الادبية الصادرة في كلية التربية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد