آخر أساورنا الذهبية

 

هل زرت السودان في شهر رمضان و صادف أن يحين موعد الإفطار و أنت تقطع طريقاً خارجية بسيارتك ماراً بمدنها و قراها المنتشرة حول الطريق ؟ رغم فقرهم تجد موائد القرويين على جانبي الطريق و أطفالهم و صبيتهم و رجالهم ملوحين لك مشيرين لموائدهم المُعدّة على الأرض في الهواء الطلق و سيفرحون لو شاركتهم إفطارهم .

الجميع يحمل شيئاً بيده و يتجه إلى المائدة المقامة على قارعة الطريق فيفطرُ مستطرقاً لا يعرفه ، من لم يستطع حمل صينية رز و لحم فرغيف خبز و من لم يستطع فشربة ماء و ذلك ليس بأضعف الإيمان ، فعلى المائدة يتساوى الجميع و لا أحد يعرف و لا أحد يسأل من جلب و ماذا جلب .

في وَسَطِ العطاء هذا ، في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان وسط السودان ولد عام 1935 قائد عسكري يحمل راية ” ننطيها ” خلافاً لعُرْف ” بعد ما ننطيها ” المتجذر في وجدان العرب و المسلمين ، لا لأنهم عرب و لا لأنهم مسلمون فالرجل كان عربياً و كان مسلماً لكنه عُرْفٌ صنعته ثقافة العشيرة و نزعة العصبية الخرقاء .

في الثامن عشر من الشهر الجاري رحل المشير عبد الرحمن سوار الذهب عن هذا العالم تاركاً الذكر الطيب لشخصية يندر أن يجود الزمان بها على شعوبنا المبتلاة بعشق السلطة و حب الشيخة و لو على عشرة أطفال .

في أعقاب زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس عام 1977 وإلقائه خطاباً في الكنيست ” الإسرائيلي ” لم يرفع أحد من الزعماء العرب يد التأييد له غير الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري و كان يتوقع بفعلته هذه ” عافرم ” أمريكية قد تثمر عن قطعة كبيرة من كعكة التسوية فكان أن كبلوه كما كبلوا غيره قبله و بعده بقيود البنك الدولي التي أسقطته . إلى جانب أسباب داخلية أخرى كان هذا واحداً من أسباب انتفاضة 6 إبريل 1985. كان عبد الرحمن سوار الذهب وزيراً للدفاع عندما اندلعت التظاهرات في الخرطوم ، تظاهر السودانيون ضد زيادة أسعار السكر والبنزين و هي من شروط البنك الدولي هاتفين بسقوط البنك وأمريكا و النميري معاً . كان سوار الذهب عسكرياً منضبطاً مخلصاً لقسمه لكنه لم يستطع الوقوف مكتوف الأيدي و هو يرى بعينه ما وصلت اليه أوضاع البلاد نتيجة سياسة نميري ، و يُقال أن قادة الأحزاب ناشدوه أن ينقلب على النميري ، لكنه اعتذر في بداية الأمر بقسمه على احترام الدستور والقانون و طاعة السلطة السياسية ، قالوا له أن حقن دماء الشعب غاية تستحق أن يحنث بقسمه وليصم ثلاثة أيام بدل القسم ! فما كان منه إلا أن حنث بقسمه و انتصر لشعبه ، و هكذا أعلن سوار الذهب تشكيل مجلس انتقالي عسكري على أن يتخلى عن السلطة لحكومة مدنية و هو ما حدث في نفس العام إذ سلم السلطة طواعية إلى حكومة مدنية بعد عام انتقالي أشرف فيه على انتخابات عامة في البلاد في حادثة نادرة في محيطنا الشرقي عموماً .

عبد الرحمن سوار الذهب ظاهرة نادرة الحدوث في أنظمتنا السياسية الجمهورية الديموقراطية منها و الشمولية فهي أنظمة جمهورية في ظاهرها و ملكية أكثر من الأنظمة الملكية في باطنها .

بعد تسليمه مفاتيح الدولة لحكومة منتخبة اعتزل العمل السياسي و اختير لعضوية العديد من المجالس و الهيئات و كان عضواً في الوفد العالمي للسلام بين العراق وإيران و نائباً لرئيس أمناء مؤسسة القدس الدولية و غيرها من النشاطات ثم تفرغ للدعوة الإسلامية و اختير أميناً عاماً لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية . و ليعلم من يعتقد أنه اكتفى بعمله هذا ببناء الجوامع أنه شيد أكثر من 55 مدرسة ثانوية و150 مدرسة ابتدائية ومتوسطة و حفر أكثر من 1000 بئر للمياه و بنى 6 ملاجئ للأيتام في أفريقيا فما الضير في أن يبني 2000 مسجد في أفريقيا وشرق أوروبا يشكر الناس فيها ربهم و يدعوه أن يمن عليهم كل مائة عام بسوار ذهبي مثل عبد الرحمن ؟

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    صدقت عزيزي عماد وانصفت الرجل الزاهدالمشير عبدالرحمن سوار الذهب الذي يكفيه موقفه التاريخي مع رفاقه في قوات الشعب المسلحه بانحيازه للاراده الشعبيه في السودان ابان ثوره اكتوبر الشعبيه 1964م وبعد ذلك التزامه بتسليم السلطه للحكومه المنتخبه
    تغمده الله بواسع رحمته
    انا لله وانا اليه راجعون

اترك رد