أيتعظ العراقيون مما مضى؟


 

لطالما سمعنا وقرأنا عن تظاهرات تخرج هنا وهناك، مطالبة بحقوق غُمطت، او تعديلات بما شرع من قوانين، او قد تكون تعبيرا عن غضب لحالة سلبية لايرضاها الشعب بمجمله او فئة منه. وفي أغلب الأحيان تأتي التظاهرة أكلها يانعة نضرة هنية، فيستقيم الأمر إذاك وتعود المياه الى مجاريها، والحياة الى مجراها الطبيعي.

قبل يومين اتخذت التظاهرات في عراقنا الجديد شكلا آخر وصبغة أخرى، هي في حقيقة الأمر كانت متوقعة، بل أنها يجب أن تحدث بهذا الشكل، فقد طفح الكيل بالعراقيين من جراء تردي أوضاع بلدهم، في وقت هو يمتلك ثروات تحت أرضه وفوقها، قلما تتوافر مجتمعة في بلد واحد، وقطعا هذا نتيجة انتهاج الدولة العراقية بعد انقشاع نظام البعث سياسة التحاصص، فقد قسم البلد بالمشرط تقسيم جراح حذق، وكان تقسيمه مخططا له قبل سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم بسنين، وآن أوان تنفيذه بعد سقوطه. فأغلب متصدري القرار السياسي في دكة الحكم سباقون في تحصيل غنائم انتصارهم على إرادة المواطن العراقي، وهم يسرعون في تدويرها وتجييرها لحساباتهم، فيما يسير سعيهم في إقرار قانون او إصدار قرار فيه خدمة الشعب والوطن سيرا سلحفاتيا، إذ كما نقول: (لگمة الشبعان على الجوعان بطيّة). فنرى الأخوة السياسيين والمسؤولين ينطبق عليهم بيتا الشعر:

وأخوان حسبتهم دروعـا
فكانوها ولكـن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات
فكانوها ولكن في فؤادي
ولحسن حظي ان لي من الأمثال وأبيات الشعر مايغنيني عن التعليق، فالمثل الشعبي القائل: (ياطابخ الفاس ترجه من الحديدة مرگ)، فيه من التعبير ما أقصده في كتابة عشرة مقالات، وأرى في بيت الشعر التالي تعبيرا عما يعانيه الفرد العراقي حين يسعى لاهثا لطلب النجدة من مسؤول يتحكم بمصيره ومستقبله ومعيشة عائلته:
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار

والكثير من أقوالنا التي تجري على ألسنتنا بالسليقة تعوضني عن عناء إيجاد مفردات تجسد تقصير وزير او مسؤول بايصال حق من حقوق المواطن وهو واجب من واجباته، حتى وصل الأمر بالمواطن حد اليأس والقنوط ممن يتحكمون بـ (خبزته) في بلده، فانطبق فيهم المثل؛ (ترجه من البارح مطر!).

أما ماحدث خلال اليومين المنصرمين فكما نقول؛ (مايلبس عليه عگال)، فالشعب الذي ينفجر بوجه جلاديه، لم تأت انطلاقته من فراغ، كما أن دخول المتظاهرين مبنى أكبر مؤسسة تمثلهم في الدولة ليس بالأمر الهين، ولم يكن وليد نزوة او شهوة او من باب حب المغامرة، بل جاء نتيجة حتمية لصبر طال، وانتظار جاوز الحد، وتحمل فاق كل الطاقات. فبنظرة لمجريات الحدث الجلل هذا، ومقارنة بردود أفعال المتحكمين بأمر العراقيين والمتسببين في حدوثه، أرى أن البون شاسع بين قولهم بالإصلاح ومناداتهم المستمرة به، وبين ماهم عليه من تنفيذ على أرض الواقع والذي لايمت بصلة للإصلاح، فهم بعيدون عن الصلاح والفلاح، ماداموا يلتافون على القانون وعلى المواطن وعلى أنفسهم، في كل ظرف يصادفهم، وهم اللوذعيون في التحايل على القانون، وليست بعيدة عنا خديعتهم في إقناع الرأي الجماهيري العام بمسألة رواتبهم التقاعدية، فكلنا يعلم كيف تم التحايل على المواطن بفتحهم ثغرة في مواد قانون التقاعد، والقانون الداخلي لمجلس النواب، بتعديلاته التي حيكت بحنكة ودراية ومكر منقطعة النظير، وهم قطعا العالمون بأفانين القانون لاسيما وقد شرعوه بأنفسهم، ووضعوا عامدين نقاطا تخدمهم في بنوده وفقراته.
اليوم باتت الكرة في ساحة غير ساحة المواطن، كما أنها فلتت من ساحة الساسة الحاليين، فالمواطن يمتلك النية في التغيير، إلا أن الآلية في تحقيق هذا ليست في يده، فالأمر ليس بهذه البساطة. أما من جانب المتسيدين في الحكم فأظن الأغطية والستارات والحجب التي كانوا يتخفون خلفها، قد أزيلت عنهم تماما، وسقطت أوراق توتهم، وتعروا أمام الجميع، وماعادت لخطواتهم وقراراتهم مصداقية في نظر المواطن. الكرة الآن في ساحة مجهولة قد تكون أدنى من قاب قوسين من ناظرنا، وقد تكون نائية عنا الى مالاتحمد عقباه.

الدعاء وحده لن يكفي للخروج من هذا المأزق، والتقدم خطوة بخطوتي تراجع هو الآخر غير مجدٍ بتاتا، غير أن مفتاح الحل يكمن بانتقاء شخوص وطنيين لمهمة الإنقاذ، وفق معايير مهنية لاتقبل المحاباة والمحسوبية، وعلينا إسقاط وحدات القياس التي تم على ضوئها تقييم الشخصيات الحاكمة في مفاصل البلد فيما سبق بدرجاتها الوظيفية كافة، ومن أهم وحدات القياس التي لاتخدمنا حاليا هي؛ الدينية والعشائرية والحزبية، والتي تسببت بنكوص مستوى مؤسسات البلد، الى مانحن فيه.

لا تعليقات

اترك رد