أسْمَع أرَى لا أتكلمْ


 

ما عساك تفعل أيها الانسان؟
أجلس في الشمس أفكر . أنا أفكر منذ مئة ألف سنة ضوئية . يقال أن الشمس تنتج العبقرية . ويقال أيضا أن الشمس أنتجت الكثير من العبقريات والأفكار والتطلعات . يقال الكثير عن تأثير الشمس والقمر علينا منذ فجر التاريخ ويروي التاريخ حكايا التعليم والتلقين والتطويع وتعليم الخضوع وربما كان أقسى هذه الفلسفات هي ” أسمع أرى لا أتكلم ” وهي الفلسفة التي اتقنها كل العالم شرقا وغربا وهي ذات الفلسفة التي شجعت القراءة بين السطور والغموض والتلميح والتورية والسخرية والعبث . “أسمع أرى لا أتكلم ” فيها من الاغراق في التغييب ما لا يستطيع قلم أو مداد أن يكفي لوصفه .
هي شمس العالـم الذي يحتوينا ، ويجب أَن يتجدَّد العالَـم كي لا نَـموت من رتابته . شَـمسُ الـحُب نـحن نَـحتويها في ذاتنا الـجوَانية فلا تغيبُ بل تَــتَــجَــدَّدُ في عالَـمنا الداخلـيّ طالـما نغذِّيه بالـحُب اليوميّ و الشَغَف الـمتواصل والـنَهَم الوَلُوع والشَوق الدائمِ اللَهَب وانتظارٍ لا يَـمَـلُّ الانتظار لأَنه رجاءٌ أَقوى من الأَمل . الأَمل قد ينكسر إِذا وقَع في اليأْس من بُطْءِ الزمن ، أما الرجاءُ فانتظارٌ دائمٌ يُصاحِب الزمن. ولا يمكن للشمس التي تعطي النور أن تشجع فلسفة ” أسمع أرى لا أتكلم ” لأنها تعاكس ثقافة الموت والذبول والانزواء .
على طاولتي تمثال مصنوع من النحاس الجميل لثلاثة قرود الأول يضع يديه على عينية والثاني على أذنيه والثالث على فمه ، وكل من دخل منزلي ينظر إليه بتأمل ويسألني السؤال المعتاد : ما حكاية التمثال ؟ سأجيب بحب وطواعية :
يحكى أنه في اليابان القديمة ، بلاد الشمس المشرقة ،عاشت ثلاثة قردة حكيمة، استمدت هذه الحكمة من مبدأ “وقائي” يقول: “إذا كنا لا نرى أو نسمع أو نتكلم، سنبتعد بأنفسنا عن كل شرور الدنيا”، وجسّد القردة الثلاثة مبدأهم في حركات «مزارو» الذي يغطي عينيه (لا أرى) و«ككزارو» الذي يضع يديه على أذنيه (لا أسمع) و«زارو» الذي يغطي فمه (لا أتكلم) .
ولتخليد الثلاثة وُضعت تماثيل لهم أمام أحد الأضرحة في اليابان ، يعود لمؤسس سلالة التوكوغاوا ، التي حكمت البلاد طيلة 250 سنة كاملة ، لكنه لم يصل لنا سر الربط بين القردة الثلاثة وبين الضريح الياباني القديم .
القصة لا تنتهي عند ذلك، لأن أمثالا يابانية قديمة أشارت إلى وجود قرد رابع للثلاثة ، هو «شيزارو» الذي يُغطي أسفل بطنه وعضوه التناسلي، أي أنه يقول «لا أفعل شر»، وفقا لرواية عالم بريطاني يدعى دارين كيلوري.
تبقى الرواية رواية تلحق نفسها في عالم الخيال . النسخة التي وصلتنا من القولين اليابانيين : ” أسمع أرى لا أتكلم ” أو ” لا اسمع لا أرى لا أتكلم ” كلها أفكار مخيفة ومثيرة للجدل في عالم يضج بالفلسفات والحرية وتمجيد القيم الإنسانية . الأولى تنتمي إلى عالم النفاق الذي يسود حاليا ويعاني ما يعانيه من تناقضات أخلاقية ودينية والثانية تنتمي إلى عالم الأنانية والانطواء وسلام الجبناء . لأننا إن لم نتحد جميعا في وجه الظلم والشر الظليل سيصل إلينا يوما ومتى انتهت الأنهار سيتجه الظالمون نحو الجداول والسواقي .
أي الفلسفتين تنتمي ؟ أتنكر أنك عشت في جزء من حياتك الأولى ثم عشت الثانية . في كلتا الحالتين أنصحك يا صديقي بقراءة ” الأدب الكبير والأدب الصغير ” لابن المقفع لأنه سيجد لك من الحكمة حلا لكل المشكلات وستجد نفسك في المرآة أمام شخص آخر لا تعرفه .
ويحكى أن أسمع أرى لا أتكلم وقفوا في جلسة حوار صريحة . قال ” أسمع” : هنيئا لي أنا أعلم كل شيء في هذه الحياة وأعلم حقائق الأمور. أما ” أرى” فقد وقف منتصبا وقال : أنا أرى كل شيء أعلم بخائنة الأعين وما يجري تحت الطاولة وفي الكواليس . عندئذ تنهد ” لا أتكلم ” وقال : ضميري يرتجف من شدة البرد يلبس قميصا داخليا شفافا في أوج البرد . أشعر بالقهر لأنني أعرف الحقيقة ولا أستطيع أن أبوح بها .
ويحكى أن “لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم” وقفوا في جلسة حوار صريحة : تنهد “لا أتكلم” تنهيدة من القلب تطايرت معها أوراق كانت على الطاولة ثم وضع يده على خده منصتاً إلى حديث أصدقائه “لا أرى” و” لا أسمع” . لفتت التنهيدة نظر أصدقائه وقطعت حديثهما فالتفتوا إلى “لا أتكلم” قائلين : ” ما بالك يا هذا . لقد مللنا تنهداتك تكلم أو أكرمنا بسكوتك المعتاد .”
تدحرجت دمعه من عين “لا أتكلم” وأتبعها بكلمات مرتعشة . قال “لا أتكلم ” : ليتني أملك لسان أحدكما . لي عينان أنظر بهما إلى كل خير وأيضا أنظر بهما إلى بعض سلبيات زماننا وبــصمت. ولي أذنان أنصت بهما إلى كل طيب ولكنني في نفس الوقت أرى من الخبائث الكثير و اصمت . وما يمنعني من درء الشر هو لساني . فأنا أمتلك لسانا ولكنني لا أتكلم وأرى الخطأ ولكنني لا أتكلم وأسمع السيئ ولكنني لا أتكلم . اسمع نقاشكما الذي يحوي من الأخطاء كثيراً ولكنني لا أتكلم . أشعر بثقل وبنقص في شخصيتي يمنعني من أن أحرك لساني. أشعر أن الجميع يستصغرونني . وأن الجميع يهزأ بي . وإنني لا أقوى على فعل شيء سوى الاستماع والنظر والسكوت. إذا أنا “لا أتكلم” . أرى الحقيقة وأنكرها .
“لا أرى” يقول: إنني أرى ولكني كالذي لا يرى . أرى الأشخاص ولكنني لا أرى ما بداخل الأشخاص. أرى النور ولكنني أسدل ستاراً أسوداً فلا أرى . أرى الخير والنعمة والمال أمامي ولكنني أغمض عيني وأترقب وأطمع بخير و بنعم وبمال أكثر . أرى نفسي في المرآة ولكنني في كل يوم أزداد بشاعة فأفضل كسر المرآة فأصبح كالذي لا يرى. أشعر أنني أنتمي إلى بلد العميان وهي الحقيقة .
كثيرون منا يتصرفون تصرف ” لا أرى ، لا أسمع ، لا أتكلم ” وهو سلوك بغيض ينسجه عالم من المنكرات والبؤس والفقر العقلي . والأكثر بؤسا هو أن تنتمي إلى عالم ” اسمع أرى لا أتكلم ” لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس صاحبه يسير في ركاب الشيطان إلى غير رجعة .
الرؤية تختلف من شخص لآخر . فرأى القلبية تختلف كثيرا عن رأى البصرية ويتجسد الفرق بين رأى القلبية ورأى البصرية في الحوار التاريخي المصيري الذي جرى بين الملك أوديب والعراف تايريزيس ، الأول يظهر أعمى البصيرة والثاني يظهر أعمى البصر . ويعد الحوار الذي يجري بينهما آية من الجمال بين السلطة الدينية لمعبد دلفي وبين السلطة السياسية المتمثلة بالملك أوديب لتظهر السلطة الدينية أقوى بكثير من السلطة السياسية . في هذا الحوار بين ندين يظهر أوديب في قمة الغضب من تايريزيس لتقاعسه وتردده في كشف قاتل لايوس . يبدأ أوديب الحوار بالسخرية من عجز تايريزيس ويعيّره بالعمى البصري . عندها ينتفض تايريزس ويرد على الملك قائلا : ” أنت من هو الأعمى الذي لا يرى الفساد الذي يشكل حياته .” وهنا يبدأ التحول في شخصية أوديب . صحيح أنه يمتلك القدرة الفيزيائية على الرؤية لكنه في الحقيقة أعمى عن حقيقة حياته والحوادث التي مر بها وهنا نجد أن الأعمى الحقيقي هو البصير ومن يرى في الحقيقة هو الأعمى الذي لا يرى شيئا من حقيقة الأمور .
شخصية تايريزيس تختلف تماما عن شخصية أوديب لأنه يعتمد على ما يمتلك من رؤية للماضي والحاضر والمستقبل بمساعدة الأرباب والآلهة وخاصة ( أثينا) بينما يعتمد أوديب على قدراته العقلية وذكائه وحصافته وهنا تبدأ السقطة الكبرى والصراع مع القدر والقدرات الغيبية . في حقيقة الأمر أجدادي منذ ألاف السنين يحاربون لتكريس سلطة العقل لكنهم جميعا سُحقوا تحت أقدام قدرة معبد دلفي التي ما زالت مستمرة حتى الآن وستستمر إلى قرون تالية . وفي هذا السياق وفي صراع غير مسبوق بين القوى الدينية المتمثلة في تايريزيس وقوى العقل المطلق المتمثلة في أوديب يسوق تايريزيس اتهامات غير مسبوقة للملك أوديب تقود إلى نهايته الأليمة . يصور تايريزيس عجز أعظم الرجال أمام قدرة الآلهة ومعابدها في سلوك عدواني خطير .
سنخاصر ” أسمع أرى لا أتكلم ” و ” لا أسمع لا أرى لا أتكلم ” و نرافقها في المسير فقد نغير فيها شيئا مع صبح كل يوم وكل شعّة تقترب ومع لمسة البركة كل مساء قبل النوم من قميص ينتظر معي صباحا نورا يجيء بجديد. الحس يخطئ الحدس ، وأنا لا أتعلق بحدسي النابع من الصدق النقي والمعرفة الأصيلة فقط وإنما بإحساسي الذي يفيض حضورا بوجود الحب والمعرفة . ومتى نجحنا في غرس قيم الفضيلة ونحول ” أسمع أرى لا أتكلم ” إلى أسمع أرى أتكلم وأشير للخطأ بغض النظر عمن يقوم به بلا خوف ولا وجل ، يومها يستريح انتظاري ويبدأ الزمن الجديد، زمن السعادة خارج التوقيت والمواقيت ، خارج الحراس والأولياء خارج الظلال الحذرة من الآخرين فنمضي معا إلى الفجر . فجر الحب والحرية والأمان ونحتسي معا خمر النصر المؤجل المنغمس بنور الولاء للواحد الأحد فنستمتع بثمرة الرجاء ومكافأة الانتظار .
ألستم معي في ذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد