اِلتقط لي صورة سيلفي فقد صارت الأيام خلفي

 

اِلْتقط لي صورة سيلفي هكذا قالت. أعيد ثانية و ثالثة… سأسوّي من أمري… اِلتقط الصورة إذن أنا موجود.
إذا كنت وحيدا و التقطت لنفسك صورة سيلفي، فأرسلها عبر صفحتي الالكترونيّة أو على الخاص… فقد صار الخاص عامّا لمجرّد استثمار الوقت الضائع. فنحن شعوب تلعب في الوقت الضائع و لا تخشى النظر إلى صورتها في المرآة.. المرآة تعرّينا والفيس يفضحنا و يحتوينا… ما أجمل الفتيات بصدور عاريات بحجم أنفي.
و ما أجمل وجهي و أنت خلفي…
في باب التحليل الاجتماعي لظاهرة تنامي صور سيلفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهي الوصول إلى قمّة التشويق و الاثارة و الانتباه المفرط.. الطعام أحلى مع صورة سيلفي و السّادية أحلى مع صورة سيلفي و الأنانية و النرجسيّة أحلى مع صورة سيلفي و الجنس أحلى مع صورة سيلفي.. هكذا تعجبنا ذواتنا..
تقول “إيلزاقودار” في كتابها:” التقط سيلفي إذن أنت موجود ”
إنها صورة لمجتمع رقمي افتراضي أضاع ذاته تحت تأثير سطوة الصوّر، فالمسافة تجعلنا نحضن الصّور.. و السّماء تمطر صورا…لقطة سيلفي تكفي لنقبض على المكان و الزمان و المخيّلة أو هكذا نظنّ..
لا دليل على أنني موجود، لذا فصورة سيلفي تشير إلى أزمة هويّة… هويّة نتقاسمها
و نشاركها مع الآخرين وهي دليل على نوع من الاستيهام يحضر فيه الشخص المرغوب. و يحقق رغبته ليسكن القلوب.. تعوّض الصورة في زمننا هذا أوقات فراغنا التي كنا نقضيها في تصفّح الوجوه الحقيقية و تقشير القلوب. و لم نكن نتحدّث بيننا على ما في الجيوب. صورة سيلفي توقف ذاكرة الزمن و تجعلنا أصدقاء بمنتهى الحبّ
و الودّ، أحبّاء بمنتهى الصّدق و غرباء بمنتهى الألفة. فأين منّا الحقيقة؟
و التلفزة تعرض صورنا، فتتمدّد فوق شاشة الهاتف و نتقاسمها مع الأصدقاء و نبثّها في برامج الواقع و الأقارب، نرسل صورنا لمن نحبّ، ليعرف العالم حجم هشاشتنا…
الصورة مثل القصيدة تبتسم فوق جروحك. تقبل عليك في الرّيح و تحت المطر و تجلس بمعطفها و تخاف من الضّجر..الصورة حنين للأماكن و الأشخاص و الذكريات… نلتقط صورا لكل زهر أو شجر… لكل بحر أو مطر … مثل نحل يلثم الرّحيق ثم يسافر بعيدا عن الحريق… الصورة فن تغنيك عن ألف طريق ، تعود إليها عند الضيق… هل تعيد لك الرفيق و تمنحك سعادة كالصلاة عند المضيق..؟
فقط لتظهر اِبتسامة مشرقة لفجر من حنين أو بريق.
سأترك صوري فوق طاولاتكم و أحمل معي منديلي ثم أصاحب حلمي متّكئا على وحدتي.
عندما لا يبقى لنا شيء سوى الحب، سنقول مع الفنان الفرنسي “ليوفيري” leo ferri في أغنيته المشهورة:” مع الوقت كل شيء يمضي”« Avec le temps tout s’en vas »
انّهم مع الوقت لا يرحلون، فهم باقون في ذاكرتنا، نعيش مع صورهم، يزوروننا في الحلم و نأمل دوما في لقاءهم كما نأمل في الله، في المطلق و في الكون الفسيح….
الوداع مادام لنا أمل في اللقاء، فحافظوا على صوركم في ذاكرتنا، ذاكرتنا الموجوعة.
و الآن هيّا أِلتقط لي سيلفي فسأترك الأيّام خلفي.

لا تعليقات

اترك رد