رموز مقدسة: الأكاسيا


 

هل تمتلك الكيانات المقدسة قداستها بذاتها، أم أن الإنسان هو من جعل منها كائنات مقدسة؟… ربما لو انتبهنا إلى النبتة ذات الأشواك الطويلة السامة والتي تدعى الأكاسيا لتضخم السؤال في أذهاننا؟… فما الذي حَوّلَ هذه الشجرة إلى رمز مقدس في بعض الديانات القديمة وفي بعض المعاصرة منها حتى يومنا هذا؟…
قصّت علينا الأساطير الفرعونية حكاية إيزيس إلهة القمر وأوزوريس إله البعث، الذين ولدا من شجرة أكاسيا صارت لدى المصريين بمثابة شجرة الحياة، التي تخرج من جذعها وأغصانها أياد إلهية مسؤولة عن العطاء….. ولعل الإلهة إيزيس استمرار للإلهات القديمات في حضارات مختلفة رسخن التقدير الخاص للأم التي عُبِدَت بأشكال مختلفة.. فإيزيس المصرية كانت الأم الكونية، سيدة عناصر الطبيعة، تحمل عرش مصر على رأسها وتمنحه لكل ملك من ملوك مصر القديمة وتتولى حمايته.. ربط المصريون القدماء بينها وبين شجرة الأكاسيا فإيزيس تحولت في الأسطورة لحدأة هبطت فوق شجرة أكاسيا.. كذلك ارتبط إله الشمس المصري حورس بهذه الشجرة، ودعونا نضع سؤالا بسيطاً، لماذا اختار المصريون الأكاسيا دون غيرها لمنحها هذا التقدير؟… وربما الجواب الأكثر بساطة هو أنها الأكثر شيوعاً في مصر القديمة والحديثة على حد سواء،وهي تنمو على طول مجرى نهر النيل.. كانت تسمى لديهم شجرة الطلح، أو السنط، فهي إذن مما تفاعل بشكل متواصل مع مخيلاتهم التي استثمرت المفردة حين صاغت الأساطير المتعلقة بالآلهة القديمة، وهي بدورها مفردات وأفكار كانت شائعة ومتداولة ثم صيغت بما يضفي عليها قدسية استثنائية… خاصة أن المصريين القدماء كانوا مجتمعاً روحانياً يتداول الأسرار الروحية باهتمام كبير، وكانت الأهرامات العظيمة نتاجا مباشرا لهذه الروحانية فقد شُيّدَت للاحتفاظ بأرواح وأجساد فراعنة تماهوا مع الآلهة.. وهناك احتمال لا يجب أغفاله فقد كشفت لنا التحليلات الكيمياوية احتواء شجرة الأكاسيا على الداي ميثيل تريبتامين ومواد أخرى منحتنا تفسيراً لاستخدام هذه الشجرة في الطقوس الشامانية القديمة بأمريكا الجنوبية مؤيدين المصريين القدماء على أن للشجرة القدرة على الشفاء ومنح الإنسان راحة بدنية وعقلية قد تصل إلى تغييب الوعي.. ربما كان تأثيرها هذا مساعدا في صنع المتخيل الأسطوري للآلهة القديمة وقدراتها الغريبة… وبالتالي صياغة الأديان التي كانت معروفة آنذاك…
الأمر ليس مقتصرا على المصريين القدماء بطبيعة الحال، فنرى أن قاموس ايستون للكتاب المقدس تحدث عن الأكاسيا، الشجرة المشتعلة التي رآها موسى في صحراء سيناء، كذلك استخدمها لصناعة التابوت المقدس حينما أمره الرب بصنعه، وفي التعاليم المسيحية كانت الأكاسيا هي الخشب الذي صنع منها طاولة المذبح ليسوع المسيح، ومن أشواكها حيك إكليل الشوك الذي وضع على رأسه… للأكاسيا إذن تأثير في ولادة الأديان أو الحكايا الدينية، فالإنسان الأول في بلاد مابين النهرين ـ ميزوبوتامياـ اختار الشجرة لتكون معبوده الأول، وما حدد هذا الاختيار هي التصورات البرغماتية المنطقية زمنذاك، فللشجرة ثمار يأكلها الإنسان ومن خشبها يبني بيته ويصنع لوازمه المنزلية، ومن أغصانها يشعل ناره، إنها الحياة بالمعاني التي كان يعرفها ذلك الإنسان، فهي إذن مقدسة بحق.. فالألوهة في مفهومها الأول هي الخلود، والأكاسيا باعتبارها شجرة، تملك صفة الخلود، وقادرة على الابداع.. أي وبمعنى مجازي قادرة على الخلق..
ترمز الأكاسيا للبداية والخلود، وما هو مخفي من الوحي، واختارها الماسونيون لتكون رمزا للمعرفة والأخوة باعتبارها مبدأ ماسونيا بارزا، اعتاد الماسونيون أن يدافعوا عن أفراد أخويتهم حتى لو اقتضى الأمر أن يظهروا أشواكهم.. فالأكاسيا تدافع بأشواكها الطويلة عن زهورها.. وهي لدى الماسون رمزا للنقاء وثبات الروح، كذلك للبعث والخلود، ويعتقدون أن البناؤون استخدموها في بناء هيكل سليمان.. ويتداولون حكاية طقسية تدور أحداثها عن حيرام آب وهو البناء الأول الذي كان مشرفا على هندسة وبناء الهيكل، وقام بعض تلامذته بقتله بسبب الجهل والحسد، ودلت شجرة الأكاسيا سليمان على موضع قبر حيرام آب، فصارت لحكاية مقتل حيرام آب دلالات رمزية فالفئات عند الماسونيين ثلاثة هي المتدربين، المحترفين، والمعلمين.. وترمز إلى مستويات الخبرة المختلفة.. ولكل رتبة طقوسها الخاصة، فرتبة الخبير الأعظم مثلا، تتلخص طقوسها في الموت الرمزي، عبر تكرار المراحل الثلاثة لمقتل حيرام آب.. ويتمدد خلالها الخبر في نعش ويغطى وجهه بقطعة قماش سوداء، يوضع فوقها غصن من الأكاسيا.. ومن الأسئلة التي تطرح عليها سؤالا عن كونه استاذا؟.. فيكون جواب طالب رتبة الخبر الأعظم: ان شجرة الأكاسيا تعرفني…
رغم ما يقال عن التاريخ الممتد في العمق للماسونية الا انها في الواقع ظهرت بشكل واضح بعد عام 1717م كواحدة من حركات ومنظمات كثيرة نشأت تحت غطاء ما صار يعرف بالهرمسية الجديدة، التي أرادت التصدي للكنيسة وشمولية الأديان الوسيطة والتلميح لنشوء ما يمكن أن نطلق عليه صفة الدين الوضعي.. أو الدين الأرضي الذي ينهل من الفلسفات والعلوم مع نفحة دينية قديمة تمنحه صفة روحانية.. وهكذا نستطيع أن نعتبر الماسونية واحدة من منتجات عصر الأنوار في أوربا..
 ربما حصلت الأكاسيا على قداستها بسبب صنع البخور من جذوعها وهو أساس في الطقوس الدينية القديمة، وكان يعتقد أن الدخان الصادر من بخور الأكاسيا يبعد الشياطين والأشباح ويرضي الآلهة..
تعود كلمة أكاسيا إلى أصل لاتيني مشتقة من اليونانية وتعني من هو بدون شر أو مرض، وهي شجرة تحتمل الجفاف وتعد بمثابة معجزة في الصحراء لأنها تحتمل أسوأ الظروف، لكن قداستها المفترضة هذه لم تمنع صلاح الدين الأيوبي من تقطيع أخشابها بأعداد كبيرة لبناء السفن.. تلك الصناعة التي عرفتها مصر الإسلامية خاصة في مدينة القلزم أو السويس، وفي أوقات الحروب اعتاد الناس أن يخلطوا ثمر الأكاسيا بالحنطة، كناية عن حلو الحياة ومرها.. فثمرة الأكاسيا شديدة المرارة.. وقد شاع استخدامها لأغراض دوائية في الطب الشعبي.. وكانت من الأدوات التي يستخدمها المشتغلون بأعمل فك السحر والشعوذة..

لا تعليقات

اترك رد