لحظة الحرية


 

قال الكاتب الصحفي المقتول في القنصلية السعودية بعملية بشعة ومدانة دوليا وإنسانيا جمال خاشقجي في أحد لقاءاته المتلفزة ما نصه ” العالم العربي من ألف سنة ينتظر لحظة الحرية هذه، جائته، فكيف للشخص أن يبقى صحفيا ويتحدث بحذر.” وذلك عطفا على ثورات الربيع العربي وتداعياته المثيرة. إلا أن مسألة الحرية ولحظتها وانتظار الشعوب العربية لها، يبقى أمرا غير صحيح البتة، بل ولا يقترب حتى من الواقع أو نتائج الثورات العربية التى أظهرت حقيقة تفكير وسلوك وثقافة الشخصية العربية في حال الفوضى والتحولات السياسية الظاهرة. فالشعوب التى تنتظر ولا تعمل، وتأكل ولا تصنع، وتنام ولا تفكر .. هي شعوب لن يأتيها سوى التخلف والجهل والإنحطاط. بينما الحرية والحريات وما انبثق منهما من قيم وسلوكيات ومفاهيم وفلسفات تنتزع ولا تعطى، تقام من أجلهم الحروب والثورات ويسجن المثقفين والكتاب وتخرج الشعوب رافعين رايات الكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان ليواجهون بها قوى الإستبداد والفساد والرجعية الفكرية.

فالحرية التى أشار اليها خاشقجي، كمفهوم ومصطلح حداثي، لم تتواجد أصلا في الفكر العربي، بل غالبا ما كان يشار الي الحرية بمعنى كل من ليس عبدا رقيقا. فالتراث الإسلامي لم يطرح قضية الحرية من زاوية ما طرحتها أفكار الحداثة والنهضة الأوروبية منذ بداياتها التحررية، أي أن تعبر الحرية عن الحاجات السياسية والاجتماعية والفردية والإنسانية للمواطن ضمن مجتمع قانوني حقوقي. بقدر ما كان التعاطي الديني مع مسائل الحريات غائبا أو مهملا أو يعتبر من المجالات المنهي الحديث حولها. وبناءا على هذا، تم اعتبار سؤال الحرية وما يقع في فضائه التداولي من مفاهيم وقضايا وأفكار، سؤال يتعلق بالسلطة وزعيم القبيلة وإمام الطائفة فقط ولا يتعلق بالمواطن العادي، لانه الي اليوم لا يزال مواطن لا يعي مصلحته ولا يفهم الواقع ولا يمكن أن يفكر أفضل من الحاكم أو من يقوده فكريا.

فالحرية اليوم مفهوم موضع مساءلة في جوهره كما أشار قاموس الفكر السياسي. كما ويشكل مفهوم الحرية من أهم المباحث التى شغلت مفكري عصر النهضة كأداة لبناء الآليات المقاومة للإستبداد والقمع، بعد أن أعطى أبعادا جديدة تتجاوز ما كان سائدا حول المفهوم في التراث الكلامي والفقهي، ولم ينتقل هذا المفهوم الي العالم العربي بشكل سريع وفلسفي، نظرا لغياب معنى الحرية في العقل العربي، مما جعل من الثورات العربية غير مكتملة النضوج، ومن الحريات وخصوصا حرية الرأي والإعتقاد والحرية الفردية مفاهيم تخضع للتفسيرات السياسية والاجتماعية المتعددة وكذلك لسلطة الدول العربية بالإضافة الي تعريفاتها المتباينة التى تقدمها النخب المثقفة أو رجال الدين، ولكنها، أي الحرية لا ترجع الي مفهومها المجرد حال التعاطي معها. لذلك غالبا ما نشاهد مواقف متباينة ومتضاربة بل أحيانا متصارعة حول العديد من القضايا الخلافية، حيث تتحول الساحة الاعلامية والسياسية والاجتماعية وحتى القضائية الي ساحات نبذ وتعصب وتطرف ومحاكمة حين تطرح قضايا تتعلق بالحريات السياسية والاجتماعية والفكرية، كالمثليين وشرب الخمور وتداول السلطة ونقد الأديان وتواجد المعارضات السياسية ومساءلة الحكام العرب.

فاليوم، وإذا ما أردنا أن نعيد أو نراجع مفهوم الحرية ولحظة الحرية التى تنتظرها الشعوب العربية، علينا الخروج من أسر مفهوم الحرية السابق الذي ترافق معنا بكونه مضمون يتعلق باستقلال الدول العربية بعد الخروج من الأسر العثماني، وبكونه كفاح وطني قومي ضد الإستعمار القديم الي إعادة إنتاج الحرية سياسيا واجتماعيا كأساس لسؤال التقدم والحداثة، ومرتبط تماما مع إنطلاقة أفكار التنوير والنهضة العربية، وعدم التوقف أو وضع الخطوط الحمراء لمناقشة مضمون الحرية في المنطقة العربية.

إن حاجة الشعوب العربية الي النهضة وضرورة التغيير والابداع لا يمكن أن تنجز دون إعادة الإعتبار لمفهوم الحرية ليصبح ممارسة حية تتجاوز قناعاتنا الذاتية لتعطي المجال للآخر المختلف كي يكون مطمئنا وآمنا في كلامه وحرياته وتعابيره المختلفة في

إطار المسؤولية الاجتماعية التى تحافظ على الإنسان وتضعه في قلب الأولويات والإهتمامات. وعلينا أيضا التوصل الي موازنة حقيقية بين ما يبيح الانسان لنفسه من الأفعال المختلفة، ومالا يبيحها لغيره، أي بمعنى أن يلغي الحرية العملية عند الغير ويسلبهم حرياتهم إذا لم تعجبه مثلا أفكار الغير وسلوكياتهم وآرائهم.

لحظة الحرية في عقول غالبية الشعوب العربية ووعيها لا يتطابق على ما هي عليه مشخصه في الحداثة باعتبارها الواقع النهائي المشخص للحرية، فالمشكلة هنا أكثر تعقيدا مما هي عند الغرب، لأن لدينا جذورا تاريخية تمنعها وتكمن وراء أزمة الحرية والديمقراطية في وجداننا المعاصر، فالمشكلة تمتد الينا، في عقولنا الفردية وعقلنا الجمعي بل وفي معطيات العقل العربي المكبل بالقسر والاستبعاد والمنفعة والمصلحة الفردية. هنا تتعلق بثنائيات الأنا والأخر، الحرية والدين، الحرية والحكام المفروض طاعتهم، الحرية والتقاليد، الحرية والحقوق الفردية. وهكذا نجد بين مفاهيم الحرية كما نراها نحن، اختلافا مع مفاهيم الحرية كما انتهت مع افكار الليبرالية والعلمانية والديمقراطية، وهذا مرده، ليس لأن عقولنا تختلف، بل لأن الموروث في وعينا لا يزال يشكل مرجعيتنا النهائية في إطلاق المعايير والأحكام ووضع المصطلحات وحدودها القانونية والسياسية والاجتماعية. وهذا معناه أن علينا واجبا رئيسيا يتمثل في مفهوم إعادة البناء، أي ثمة أنظمة ومؤسسات وتقاليد وأفكار لابد من تغييرها وثمة مفاهيم لابد من إعادة تفسيرها وتأويلها.

وبناء على ما تقدم، نقول لا توجد الحرية الحقيقية الا في مجتمع حر والمجتمع الحر لا يتكون الا من أفراد أحرار يتكلمون دون أن يخشى احدهم ان يتم اعتقاله او سجنه او قتله كما انتهت قضية الكاتب الصحفي جمال خاشقجي.

لا تعليقات

اترك رد