اعدام بلبل

 

في قريتنا الغافية على اكتاف نهر دجلة كنا مجموعة من الصبية نجتمع مع بداية العطلة الصيفية كل عام، فنملأ القرية بصراخنا وصخبنا الذي لاينتهي متنقلين بين بيوت اعمامنا واخوالنا صباحا ومضيف القرية مساءً، كانت مشاكلنا كمراهقين لاتنتهي واشتباكاتنا مع بعض تفضي الى عراك قد يشترك فيه الكبار احياناً، حتى ان عمنا الاكبر كان يختلق لنا اعمالا من تحت الارض لالهائنا وتشتيت طاقتنا بما يراه هو نافعا لنا، مثل ان يطلب منا رفع الثيل في الحديقة الكبيرة امام المضيف واستبدال طبقة التراب الخفيفة تحت الثيل باخرى جديدة تم كريها من جدولٍ صغير يخترق القرية، يظل يشرف على عملنا واقفا يوزع الاوامر حتى يتأكد ان قوانا قد انهكت وانه انتصر على الشيطان فينا واطفئه تماما.

الصيد ببنادق الصجم كان اللعبة الاحب الى قلوبنا والاكثر اثارة بين كل هراء الكبار الذي كان يتساقط على رؤوسنا كأحجار سجيل كلما اجتمعنا بهم في المضيف حيث تبدأ سلسة المغامرات المكررة والعبر والنصائح التي يسكبونها في ادمغتنا الفتية، ويتواطأ الكبار في تأييد بعضهم بعضا، رغم انهم يعلمون اننا نعلم انهم يكذبون وان شيئاً من هذا لم يحصل يوماً.

كنا نستيقظ فجرا والضوء يشق الافق بصعوبة فتبدو القرية وكأن نصفها قد تشرب خيوط الضوء بينما لازال نصفها الاخر غارقا في العتمة، تستثير حواسنا روائح الخبز الذي بدأت تفور وتعبق في سماء المكان منبعثة من تنانير نساء القرية، نتراكض لنجتمع معا وقد حمل كل منا رغيف خبز او اثنين وقطف خيارة وبضع حبات من الطماطة ستكون فطورنا حتى منتصف ظهيرة اليوم الحافل بصيد العصافير والبلابل والحمام والتنافس من منا يصيب الطيور على ارتفاع اعلى .. لكن احد البلابل الذي اسقطته بندقية ابن عمنا الاصغر سقط بين سلايات سعف النخلة التي لم تكن طويلة بل تعلو مترين في الاقل، حاول ابن عمنا الصغير بكل السبل التقاط البلبل الجريح لكن محاولاته باءت بالفشل، فاضطر للصعود وسط السعفات لعله يلتقط البلبل من بينها، هرولنا راكضين على صوت صراخه، فقد انزلقت رجله ودخلت سلاية سوداء كبيرة من احدى السعفات في ركبته وبدأ الدم ينز غزيرا من موضع جرحه حتى تلطخت النخله بكاملها بدم ابن عمنا الصغير والجريح، حملناه وتراكضنا به الى اهله، فخرج ابوه كالمجنون حاملا مفاتيح سيارته، يضع ساقا في البنطال واخرى خارجه قاصدا مستوصف القرية.

جلسنا واجمين وقد قبض الحزن صدورنا لما اصاب اصغرنا رغم شجاعته، واخذنا نلوم بعضنا بعضا لاننا لم نساعده في التقاط صيده وانشغلنا عنه حتى حدث ما حدث. فتقدم احدنا وكان طويلا فارعا واخرج البلبل الجريح من بين السعفات والبلبل يرتجف ويحرك جناحه بصعوبة، ووضعه على البرميل ثم قام برميه ببندقيته مرارا وتكرارا … ثم تجمعنا نحن ايضا في طابور وصرنا نصوب البنادق على البلبل بالدور فتحول الى عجينة لحم مخلوطة بالدم والريش، تعالت اصواتنا بصراخ كان يعلو ويعلو كعواء مكبوت يصهرنا في روح واحدة تشتعل برغبة متوحشة تنز من كل مسامنا وتقودنا الى ذلك البرميل، فصرنا ندور حول البرميل (منصة اعدام البلبل) كالذئاب الجامحة وقد زاد منظر الدم والريش المتطاير حماسنا وتملكنا الاحساس بالرضا لان البلبل الذي تسبب بالاذى لابن عمنا قد نال ما يستحقه.

تعالت اصوات عصافير البستان وحمائمه وطارت اسراباً كثيفة تلوذب عضها ببعض، وغادرت بعيداً عن اصات بنادقنا، وكأن احدها يدعو الاخر، وقد ملأت المكان بهديلها وزقزقتها التي كانت اشبه بصافرات انذار.

لا تعليقات

اترك رد