المطبلون

 

هناك حقائق علمية لا تحتاج إلى من يتفق معها. مثلا الجذابية كظاهرة فيزيائية موجودة حتى و لو يتفق معها شخص ما، فذلك الشخص يمكنه أن يجادل حول ماهية تلك الحقيقة إن أراد ذلك لكن الظاهرة تظل موجودة مهما كان رأي الشخص.

و هناك أيضا ظواهر اجتماعية و سياسية، و هي ظواهر اصطنعها الإنسان عبر التاريخ و مجريات الأحداث. و هنا يمكننا أن نتحدث عن امثلة كثير لا حصر لها، فعلى سبيل المثال، العبودية هي شيء منبوذ في وقتنا الحاضر، لكن العبودية كانت أمر طبيعي جدا في ما مضى، لا بل إن العبودية كانت الأساس في بناء الحضارات المختلفة و لم يكن من العيب التحدث عن العبودية أو امتلاك عبيد. أما في وقتنا الحاضر، تجرم و تذم العبودية في القانون و الثقافة العامة. لذا فإن العبودية اندثرت عن الأنظار، فلا تزال العبودية موجودة لكن في الخفاء او تحت مسميات أخرى. على كل حال، اختفاء العبودية عن الظاهر ليس بسبب التجريم القانوني بل إن الثقافة العامة هي التي أزالت العبودية من الظاهر. و هذه الثقافة ليست اكثر من الآراء العامة التي يطرحها الاعلاميون و الكتاب لتتحول مع الوقت إلى ثقافة عامة.
وعلى هذا الأساس تجد الكثير من الظواهر و الحركات التي تظهر و تترسخ من خلال الإعلام لتصبح في ما بعد بمثابة حقيقة. فهذا الذي يقول لك بأن الحقيقة واضحة كالشمس و لا تحتاج الى من يدل عليها، فذلك الشخص خاطئ لا محال، فلا وجود للحقيقة إن لم يتكلم عنها أحد، و هنا اعني الحقائق المصطنعة لنا نحن.

لذا فإن للاعلام دور هام جدا في صياغة “الحقيقة”، و هذا شيء واضح للجميع و طبعا الإعلام ليس آلة سحرية تعمل من تلقاء نفسها، و إنما متكونة من اجزاء مختلفة. و اهم تلك الأجزاء على الإطلاق هم الكتاب، فمهما كان الجهاز الاعلاني متقدم تقنيا و لديه قدرة اقتصادية عملاقة، لا يستطيع أن يعمل بكفاءة ما لم يدخل العامل البشري في ما يتعلق بالتحليل و التنظير و ابداء الرأي.

و هنا نجد ثلاث انواع من الكتاب و المفكرون.
الأول هم الكتاب الذين يكتبون من منطلق فكري بحت و هؤلاء يكونون الأكثر تعقلا لكنهم لا يخدمون أي قوى سياسية او إقتصادية و لذا فإنهم في الغالب يكتبون بأقلامهم الحرة من دون مردود اقتصادي. و تجدهم في الغالب خارج المسرح المضيء، يتحدثون و يكتبون في صحف صغيرة او على الإنترنت.

النوع الثاني هم “المطبلون الفكريون”، و هم مجموعة كبيرة من الصحفيين و الكتاب داخل الجهاز الإعلامي و الذي يخدم جهة سياسية/أيديولوجية معينة و بالمقابل يخدمهم ذلك النظام كما لو كانوا جنود في الجيش. و يتبع هؤلاء جيش عرمرم من الغوغائين من الاشخاص العاديين، من جملتهم “المجاهدون في ساحات الوتساب”.

النوع الثالث هم المطبلون المحترفون و هم كثر في عالمنا العربي/الإسلامي. فهؤلاء يبيعون قلمهم و صوتهم لمن يدفع، أيا كان منهجه. و تراهم يهيمون في كل إتجاه و لا يأبهون البتة بعقول الناس، فهم يعرفون مدى ضعف اكثر الناس في تحليل ما يسمعون و يرون، لذا فإن المطبلون ينجحون إلى حد كبير في التاثير على الرأي العام، في مجتمعاتنا المتخلفة تبتلع العامة كل شيء.

طبعا نحن لا نستطيع ان نستثني المطبلين الفكريين او المطبلين المحترفين في أن يكتبوا و يتكلموا بشكل عقلاني. لكن ما نستطيع ان نفعله هو ان نعزز و نؤازر النوع الأول من الكتاب و المفكرين. فليحمل كل منا رمحه (القلم) و لنحارب من أجل التنوير.

لا تعليقات

اترك رد