ابن عربى وسيرة الشعر المحرم

 

أن الاقتراب من النصوص الشعرية لمحيي الدين بن عربي -الشيخ الإكبر وإمام ائمة الطرائق الإسلامية _اقتراب محفوف بالمخاطر .وذلك لما تتطلبة تلك النصوص البديعة من بحث عن دلالة القول لا جماله فحسب ،فلغة بن عربى لغة توحي ولا تقول ،وتحتمل التأويل والبحث عن المعنى الرمزى،ولذا نجد ان لنصوصه الشعرية قراءتين :قرأة تأخذ بالظاهر ،ونجد فيها غزلآ واطلالا وأسماء عربية ،وقرأة تتأنى وتجهد نفسها لتسبح مع الأفق الصوفى الكاشف والمكشوف ،ولتلك القرأة طبيعة شديدة الخصوبة والحساسية لما تحتويه من فكر عميق يجول ويصول فى طبيعة العلاقة بين الإنسان والذات الألهية ،فنجد ان من يقرأ لمحيي الدين بن عربى يتوحد مع ذاته ويقبض على قلبه وعلقه معآ الى حيث يتسع الوجود الأشمل و يظهر النور الكلى للوجود
لذا يتواجب علينا الأنتباه الى حقيقة الظاهر والباطن فى نصوصه الشعرية واقواله وشروحه ،فقد يكون الظاهر غزل من الممكن ان ينطبق عليه مفهوم الغزل الحسّي ،اما الباطن فالهداية كما يقول _محيي الدين بن عربى- ” إلى أسرار الهيام بالمعارف الإلهية والواردات الباطنة والأسرار الجمالية العليا “.
وليس من العجيب ان يحذرنا ابن عربى نفسه فى مستهل ديوانه “ترجمان الإشواق” من الوقوع فى الزلل والوقوع فى المحظور من القول والفعل حين يقول “إنى لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين (1201 م)، ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر الأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبى شجاع زاهر بن رستم بن أبى الرجا الأصفهاني، تعالى، وأخته المسنة العالمة شيخة الحجاز فخر النساء بنت ظاهر ،وكان لهذا الشيخ، بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحّاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبها، من العابدات العالمات السايحات الزاهدات شيخة الجرمين، وتربية البلد الأمين الاعظم بلا مّيْن، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وان أوجزت أعجزت، وان أفصحت أوضحت. أن نطقت خرس قس بن ساعدة، وأن كرمت خنس معن بن زائدة، وأن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى بظهر الغرر وامتطاه. ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الاغراض، لأخذت فى شرح ما أودع الله تعالى فى خلقها من الحسن، وفى خلقها الذى هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة واسطة عقد منظومة. يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم”.
ويتضح من النص السابق استخدام _محيي الدين بن عربى _الرمزية الصوفية فى التعبير عن حالة الوجد التى تصيبه عند كتابة نصوصة الشعرية فى وصف فتاة بغزل حسّي ظاهر ،وهو ما يستدعى التركيز الشديد والبحث الدائم عن الدلاله الرمزية للنص ومدى صدقها وبلاغتها على الرغم من كونها مستترة خلف المعنى الظاهر .
ومن الن القصص الشعرية التى تفيض بالدلالات والمعانى الرمزية وتتوهج بحقيقة الحب الإلهي والوجد الصوفى يحكى بن عربى ويقول :
“كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أُسمع بها نفسي ومَنْ يليني لو كان هناك أحد، وهي قوله:

ليت شعري هل دروا… أيَّ قلب ملكــــوا
وفؤادي لــــودرى…أيَّ شِعب سلكـــــوا
أتراهم سلمــــوا…أم تراهم هلكـــوا
حار أرباب الهوى …في الهوى وارتبكوا

ويستطرد قائلاً: “فلم أشعر إلا بضربة بين كتفيَّ بكفٍ ألين من الخز، فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن منها وجهاً، ولا أعذب منطقاً، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالآومعرفة ”
فقالت: يا سيدى كيف قلت؟ فقلت:
ليت شعرى هل دروا أي قلب ملكوا
فقالت: عجبى منك! وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا! أليس كل مملوك معروفا، وهل يصح
الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك
أن يقول مثل هذا؟
قل ياسيدى فماذا قلت بعده؟ فقلت:
وفؤادى لو درى أي شعب سلكوا
فقالت ياسيدي الشعب الذى بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة فكيف يتمنى مثلك
ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة ؟ والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثل ان يقول مثل
هذا ياسيدي فماذا قلت بعده ؟ فقلت :
أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا.
فقالت : أماهم فسلموا ولكن اسأل نفسك هل سلمت أم هلكت ياسيدى فما قلت بعده؟ فقلت:
حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا.
فصاحت وقالت : ياعجبا كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها والهوى شأنه التعميم يخدر الحواس
ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار الطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق؟ فقلت يابنت الخالة ما اسمك ؟ قالت قُرة العين . فقلت لى،
ثم سلمت انصرفت ثم انى عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الاربع ما لايصفه واصف.

هذا هو ابن عربى ،صاحب الخيال الشعرى الخصب والوجد الصوفى الخالص فى حب الذات الإلهية ،فهو لم يحب احداً فى الحقيقة الإ الله وان احتجب هذا الحب بحب زينب وسعاد وهند وليلى ،فكلها رموز لحقيقة الحب الإلهي لدى بن عربى ،فكل هذه الضروب من الحب ليست الإ صوراً أو رموزاً لحقيقة كبرى لا يمكن التعبير عن جمالها بصورة مباشرة فيلجأ الى الرمزية الشعرية .

لا تعليقات

اترك رد