منافعُ الـمُوسـيـقَى في حياتنَا

 

لا استغناء للإنسان عن الموسيقَى ، والموسيقَى علم من العلوم الجليلة التي أنتجهَا العقل البشريّ ، ولكن ما سرّ قول أفلاطون (الموسيقَى وسيلة نموذجيّة لشفاء كلّ الأمراض) ؟ هل شرّع أفلاطون بهذا الكلام لقيام مستشفيات بالموسيقَى ؟ وهل فعلاً تشفي الموسيقَى من الأمراض ؟ وكيفَ ذلك ؟ الإنسان هذا الكائن الضّعيفُ،و القويّ برحمة الله تعالى وبمواهبه التي اختصّهُ بهَا ، استطاعَ أن يستخدم الموسيقَى والرّقصَ والغناءَ منذ سالف العصور ، كلغة للتّخاطب والتّعبير وكطقوس استعاذية يطردُ بهَا ما يُعتقدُ في ظنّه أرواحًا شرّيرة يصدرُ عنهَا القبيحُ والمؤلمُ والمخيفُ في الكون . ولا غرابة في ذلك فالكهنة يلتجؤون إلى الأنغام الموسيقيّة الرّقيقة لمعالجة الأمراض المتعصية والغامضة والتي تحفّهَا تساؤلات عميقة عن السّبب ، كمَا حصلَ ذلك مع كهنة معبد (أبيدوسْ) أكبر المعابد الطّبيّة الفرعونية ، و الشفاء الحاصل بعد جلسات العلاج رفعَ الإلتباسَ ، ودفعَ الكثيرين إلى التّعلق بالموسيقَى والمضيّ بهَا لكشف مبهمات الأمور والحياة والوجود وتفسير الباطن . أليستْ الموسيقَى في نظر الفيلسوف الصّينيّ كونفوشيوس هي (الأداة الفعّالة لتحقيق الانسجام في الحياة)؟ بل إنّ الأساطير اليونانية تحدّثتْ عن جرح “أوديوسْ” الذي توقّف نزيفهُ بالموسيقَى والغناء . والمتأمّل لدقّة درجات السّلم الموسيقي ، ودقّة الآلات الموسيقيّة ، واختلاف إيقاعاتهَا يتأكّد أنّ الإنسان صنعَ وابتكر ذلك كلّه وهو ينظر إلى باطنه الرّوحي والوجداني والعقليّ في علاقته بالعالم الخارجيّ ومن فيه ،فمثلما للموسيقَى إيقاع، فلِبدن ابن آدم إيقاع جسميّ يأتي من نبضات القلب ومن التنفّس وشهيقه وزفيره ، والمعدة والأمعاء في انقباضاتهَا المنتظمة لدفع الطّعام ،وكلّ خلل في هذه الإيقاعات الجسميّة للإنسان تسبّب الأمراض والاضطرابات ، والإخفاق في التّواشج مع عناصر الوجود والكون ، إنّه عالم الإنسان العجيب والمُدهش، وإيقاعات الآلات التي صنعهَا الإنسان في رحلة البحث عن وسائل للتّواصل مع العالم والآخر ، أرادهَا أن تنقل أحاسيسه الخافية عن العين المجرّدة وتشرح شعوره وتلبيّ رغباته الوجدانيّة ، وتساعدهُ أيضًا في إعادة التّوازن لإيقاعاته الباطنيّة الجسميّة ، فيتمّ التّوازن في عالم غيرُ متوازن ،وتشاركه إيقاعات الموسيقَى في معانقة لحظة الخلاص من الألم /الحزن إلى الفرح والإبتهاج أوالعكس ، وتثير فيه الأمل حينمَا يبصر الوجود ومن فيه ، فللنّغمات الموسيقيّة الرّقيقة ولحرفيّة العزف والغناء الدّور الكبير في تحقيق الانتشاء والإحساس بلذّة الوجود والبرء من الألم بأنواعه وشُرب السّعادة في كأس الزّمن . ولذلك قال الموسيقيّ العالمي هانز بيلوف 🙁 في البدء كانَ الإيقاعُ) ، وقد كانَ (فيثاغورس) يرَى أنّ الموسيقَى يُمكنُ أن تداوي جنونَ النّاس وتعيدَ إليهم توازنهم النّفسي ، وفي القرن الحادي عشر الميلادي درسَ ابن سينَا أثرَ الموسيقَى على الإنسان، واستخدمَ حلقات الذّكر الدّينيّة لتهدئة التشنّجات النفسيّة للأفراد ،وفي القرن الثانيّ قبلَ الميلاد استخدمَ (أثيناوس النّحويّ ) عزْفَ ألحان المزامير فوقَ الأجزاء المُصابة بعــرق النّســَا ،وكانَ (جالينوسْ) يصفُ الموسيقَى بأنّها التّرياق المضادّ لسموم الأفاعي والعقارب ، واستخدمَ أيضًا العزفَ الهادئ على الكمان للتخفيف من حدّة الألم الجراحيّ ،أما الزنوج فلهم قصّة حبّ أخرى للموسيقَى ،وهم يعتقدون في جدواهَا وتحقيقهَا البرء لمرضاهم ، ولذلك كانوا يوصونهم بالغناء لعدّة ساعات يوميًا بلا ملل ،ويؤثرُ عن( فولتير) مقولة مفادهَا أنّ الهدفَ من الذهاب إلى الأوبرا هو مساعدة الهضم ، كمَا يرَى الشاعر الإنجليزي (بايرون) أنّ سماعَ الموسيقى يحسّن الشهيّة ، وأثبتت تجارب ترفيهٍ بالموسيقَى نجاحهَا ، كانتْ أُجريت على المحاربين الجرحَى أثناء الحرب العالميّة الثانية ،قصدَ إعادة توازنهم النّفسيّ ، وتأكّد تأثيرهَا البالغ والإيجابيّ ، مّما دعّمَ معالم العلاج النّفسي والجسماني بالموسيقَى ، وفي عام 1944 دُرسَ أوّل منهج لتدريب المعالجة بالموسيقى في ولاية متشيغان الأمريكيّة ، وفي سنة 1950 تأسّسَ الإتحاد الوطنيّ الأمريكيّ للعلاج بالموسيقَى ، وفي سنة 1959 تأسسّت أوّل مدرسة للعلاج بالموسيقَى في أوروبَا لتخريج معالجينَ بالموسيقَى ، وفي 1978 برزت أوّل الأبحاث العربيّة في هذا الموضوع ، في جامعة حُلوان المصريّة بإشراف الدّكتورة نبيلة ميخائيل .

لا تعليقات

اترك رد