أمي يا ملاكي


 

لم تكن السيدة سميحة علي عبد الله ، والدتي الحنون ، سيدة عادية إذ يمكنك أن تسميها بحق سيدة في وجه الريح . تنتمي أمي لعائلتين كبيرتين من الأب والأم ولكن يشاء القدر أن تعيش حياة يُتْمٍ قاسية وهي في العشرين يوما من عمرها لتبدأ رحلة المعاناة الطويلة مع القدر . وأنا لا أسمي أمي كذلك بدافع من العنصرية للأم لأنها تستحق بمحبة وطواعية أن تسمى سيدة السلام والمحبة والواجب والتضحية والسخاء بالروح والدم . أمي حتى اليوم لا تقرأ ولا تكتب وربما انفرد بها القدر وفرّدها لتكون استثناء الاستثناء في عالم يضج بالعموميات فقد استطاعت أن توقع وتكتب اسمها في المعاملات الرسمية وتستخدم الأرقام بجدية وهي في الستين من عمرها . تحفظ أمي القرآن الكريم وترتله وتفهمه وكانت تسألني على مدار عقود عن بعض الأشياء الغامضة التي لم تستوعبها وعندما تجالسها تعطيك الدروس والعبر المستفادة من كل قصة أو آية من آيات القرآن الكريم وترتله لنفسها وكأنها ترنم أغنية تحبها . القرآن الكريم رفيق أمي الأمية وأنيسها وهي في السابعة والسبعين من عمرها كما تحفظ آلاف القصص والحكايات ترويها لك بلغة ونشيج الراوي المحترف وتدعم حكاياتها بالقصائد والأشعار التي سمعتها من خالتها وأمها الثانية أم محمد كلتوم .
يقال أن الولد البكر يكون صديق أمه وأنيس وحدتها وخاصة في حال غياب الأب المتكرر عن البيت وهكذا كنت أنا وهي رفيقان في درب الحب وفي مواجهة القدر وعَواتيْ الزمن وبقيت وحيدها حتى صار عمري خمس سنين . وعندما صرت في الشهادة الإعدادية سأروي لكم كيف علمتني أمي الكثير . كانت تطلب مني أن أقرأ الدرس أمامها قراء جهرية وكانت تسّمع لي بعد الانتهاء وكانت تصحح لي كل الأخطاء وكنت أستغرب مقدار قوة ذاكرتها كما يستغرب من يعرفها حاليا كيف تحفظ تاريخ الأمة العربية والإسلامية والعالم وتحلل الأحداث السياسية بعين ناقدة وكثيرا ما تتصل بي حاليا آخر الليل مستفسرة عن موضوع أو معلومة صغيرة أو تنبهني إلى موضوع ما قد يكون في نظرها خطير للغاية .
للفرح طقوس وللحزن طقوس . وعندما تحتار بين دمعة الفرح ودمعة الحزن عليك أن تنظر في عيني أمي عميقا وتتأمل اللغة التي تنطق بها لينتهي الكلام . عند كل نجاح تبكي وعند كل تفوق تبكي وعندما تسألها لماذا يا أمي الغالية ؟ فتجيب إنها دموع الفرح يا بني . لقد رزقني الله بكم ما حُرمت منه أيام طفولتي . ويوم استشهد أخي رفيقها الذي اعتنت به سنين وسنين في الحرب الظالمة على بلدي سورية ، احترت كيف أخبرها بالمأساة الكبيرة . لكأنها عرفت بالخبر منذ اتصلت بها ذلك الصباح المشؤوم وسألتني : هل هناك أي شيء سيء يخص ابني علي ؟ وقتها بكيت بصمت ولم استطع متابعة المكالمة . عرفت أنها عرفت بالمصاب الجلل والخسارة الكبيرة وبدأت تغني للشهيد . فقلت لها ما قاله محمود درويش لأم الشهيد يوما:
يا أمه !
لا تقلعي الدموع من جذورها !
للدمع يا والدتي جذور ’
تخاطب المساء كل يوم…
تقول : يا قافلة المساء !
من أين تعبرين؟
غصَّتْ دروبُ الموت.. حينَ سَدَّها المسافرون
سُدَّتْ دروب الحزن… لو وقفتِ لحظتينِ
لحظتين !
لتسمحي الجبين والعينين
وتحملي من دمعنا تذكار
لمن قضوا من قبلنا… أحبابنا المهاجرين
يا أمه !
لا تقلعي الدموع من جذورها
خلّي ببئر العين دمعتين !
فقد يموت في غد أبوه .. أو أخوه
أو صديقه أنا
خلي لنا …
للميتين في غد لو دمعتين… دمعتين !

يقول الصديق المرحوم الدكتور أحمد زكي : اكتب فكل حرف منك يبقى حبرا على ورق …ويقول أيضا : الكلمات وإن بهت لون حبرها تبقى أفضل من الذاكرة الجيدة . وذاكرة أمي قرطاس ودفتر . وقد دهشت في يوم من الأيام ، إذا أتيتها من المدرسة وكنت في الصف الأول الثانوي وبيدي مجلة ” هنا دمشق ” وفي صفحتها الأخيرة كان هناك قصيدة جميلة لنزار قباني بعنوان ” حكاية ” وكانت أعجبتني كثيرا وكنت في بداية طريق المعرفة . تقول كلماتها:
كنت أعدو في غابة اللوز .. لما
قال عني ، أماه ، إني حلوه ..
وعلى سالفي ، غفا زر وردٍ
وقميصي .. تفلتت منه عروه
قال ما قال ، فالقميص جحيمٌ
فوق صدري ، والثوب يقطر نشوه
قال لي : مبسمي وريقة توتٍ
ولقد قال : إن صدري ثروه
وروى لي عن ناهدي حكايا
فهما جدولا نبيذٍ وقهوه ..
وهما دورقا رحيقٍ ونورٍ
وهما ربوةٌ تعانق ربوه ..
أأنا حلوةٌ ؟. وأيقظ أنثى
في عروقي ، وشق للنور كوه ..
إن في صوته قراراً رخيماً
وبأحداقه بريق النبوة
جبهةٌ حرةٌ كما انسرح النور
وثغرٌ فيه اعتدادٌ وقسوة
يغصب القبلة اغتصاباً .. وأرضى
وجميلٌ أن يؤخذ الثغر عنوه
ورددت الجفون عنه حياءً
وحياء النساء .. للحب دعوه
تستحي مقلتي .. ويسأل طهري
عن شذاه ، كأن للطهر شهوة
وبدأت أشرح لها مزايا وجمال الصور الشعرية في قصيدة نزار قباني الجديدة . انتظرتني حتى انتهيت وأدهشتني عندما أخبرتني بأن هذه القصيدة قديمة جدا وأن المجلة اختارتها لجمالها وأنها تحفظها لأن والدي رحمه الله كان يرددها لها عندما كانا عاشقين وعرفت أنها تحفظها عن ظهر قلب حتى الآن وبدأت ترنم بها وتتذكر أيام عشقها الأول.
أما أعراف أمي فمستمدة من تقاليد الملوك والرؤساء لأنها تأخذ معها حقيبتها الكبيرة حيثما ذهبت وتكون مليئة بالمؤونة والأشياء الشخصية بدءا من الماء وانتهاء بالخبز والفواكه وعندما سألتها عن السبب في ذلك أخبرتني أن الزمن علمها ذلك وأنها يجب أن تبقى حرة كريمة حيثما ذهبت ولا تنتظر من أحد شيئا . وأنا اليوم على يقين أنها في عامها السابع والسبعين لا يزال دمها من فصيلة المعطي العام لأنها تعطي كل من حولها ولا تأخذ إلا من نفسها .
يحكي أنه في يوم من الأيام كان هناك طفل سيولد بعد فترة قصيرة جداً
وصاح الطفل مذعوراً:
يا الهي!
أصحيح ما يقولونه لي……
أنك سترسلني غداُ إلى الأرض؟…
كيف سأستطيع العيش هناك ؟
فأنا صغير جداً وليس لدي أية قدرة أو احتمال!
أجابه الله سبحانه وتعالى :
لقد أخترت لك من بين جميع الملائكة
ملاكاً خاصاً بك.
إنه ينتظرك و سيعتني بك
فكر الطفل:
وقال: ولكن…؟
ولكنني هنا في الفردوس لا أفعل شيئا
سوى أنني اغني و ابتسم
وهذا ما أنا بحاجته إليه حتى أبقى سعيدا
أجابه الله سبحانه :
سيغني لك ملاكك كل يوم وستشعر بحبه و تكون سعيدا.
وتابع الطفل تساؤلاته………
كيف سأستطيع فهم ما يقولونه لي…؟
أنا لا أعرف لغتهم.
أجابه الله سبحانه :
هذا أمر سهل.
فملاكك سيقول لك ألطف الكلمات و أروعها
ومنه ستتعلم الصبر الشديد واستعمال ألطف التعابير.
ونظر الطفل إلى الله سبحانه…وقال:
وماذا علي أن أفعل اذا أردت ان أتكلم معك…؟
ابتسم الله سبحانه للطفل وقال:
سيخبرك ملاكك كيف تضم يديك
وسيعلمك كيف تصلي.
وقال الطفل سمعت أن في الأرض أناسا أشرار
فمن يحميني منهم؟
أجاب الله سبحانه بحنان شديد سيدافع ملاكك عنك حتى ولو كلفه ذلك حياته.
حزن الطفل و قال:
لكنني سأكون حزيناً دوماً
لأنني لن أراك.
قبل الله سبحانه الطفل وقال له:
سيحدثك ملاكك عني وسيدلك
على الطريق المؤدية إلي.
لكن…لا تخف…
سأكون دائماً قريباً منك.
وساد في تلك اللحظة سلام عميق
وسمعت أصوات قادمة من الأرض
فعرف الطفل أن الوقت قد اقترب…
اهه…إلهي…
اذا كانت ساعة رحيلي قد حانت
أرجوك قل لي ما اسم ملاكي…؟
أجابه الله سبحانه:
لا يهم اسم ملاكك بابني..
نادي فقط : “ماما ” وسيجيبك بكل ما تطلب .
اعتاد الناس أن يقولوا ” شكرا” لمن يحبون بعد فوات الأوان أو تأتيك ” شكرا” مثل شروق الشمس أجمل اللحظات في أسوأ وقت . للأسف لا تصل كلمة ” شكرا” بكل معانيها للطرف الذي تحبه لأنه يكون في مكان غير المكان وتبقى “شكرا” هذه حبيسة القلب أو تذهب مع نسمات الريح أدراج السماء .
أحببت اليوم أن أقول لأمي الحنون “شكرا” لأنك أنجبت الشهيد الكبير والمفكر والقائد والمعلمة المتميزة . شكرا على كل شيء . شكرا على تربيتي الفاضلة المجبولة بالدم والعرق والدموع . شكرا لأنك كنت أجمل رفيقة لي في هذه الدنيا وكنت الملاك الأمين الذين حماني ولا زال يحميني حتى اليوم . شكرا على كل شيء. سأكتب لك وعنك آلاف الصفحات من الدروس والعبر.
يذهب الناس إلى المعاهد والجامعات ليحصلوا على الشهادات والعلوم ويحصلون على المراتب والدرج ولكن يغيب عنهم الحقيقة المطلقة التي تمتلكينها وتعملين على نشرها بين الناس بحب وطواعية ولا أجد إلا أن امنحك أفضل وسام للجهد المضني عبر كل هذه السنين وشهادة الدكتوراه الفخرية في التربية لأنك نجحت حيث فشل الآخرون رغم حكم وتحكم الأقدار وعواتي الزمن .

لا تعليقات

اترك رد