الرموز المقدسة ـ التعويذة


 

كنت في طفولتي أنظر باستغراب إلى جارنا الذي اعتاد أن يربط مثلثاً من القماش الذي خيطَ ليخفي شيئاً طالما أثار فضولي، قالت أمي انه البازبند، فطلبتُ منها أن تضع لي مثله، لكنها تجاهلت طلبي مكتفية بالرد: أنت لست مريضاً.. وخلال سنوات دراستي الجامعية أهدت لي صديقتي فنانة السيراميك، قطعة فخارية صغيرة خطّت عليها مقطعا شعرياً، قالت انها تعويذتك، البازبند، الخضرمة، الحرز المصوّر، وأنواع أخرى من التعاويذ التي عرفها المجتمع العراقي ولعل البعض ما زال يتداولها، واكتشفت فيما بعد بأن شعوباً أخرى كانت وبعضها ما زال يؤمن بها ويحرص على الحصول عليها لكنها تحمل لديهم أسماء وصفات أخرى.. فالأوربيون القدماء مثلا كانوا يتداولون صيغة حروفية لها تأثير سحري حسبما يرون وهي مجموعة حروف تكون كلمات معينة منها مثلا كلمة:
ABRACADABRA
وكانوا يكتبونها على شكل نجمة تُلبس حول الرقبة لعلاج الأمراض والحمى، الشكل (1) و(2) وفقا لما ذكره الطبيب سيرونوس سامونيكوس الذي عاش في القرن الحادي عشر، وتتردد هذه الكلمة في الكثير من حكاياتهم الخرافية، واشتهرت بشكلها الهندسي كمثلث يتكون من أسطر متوالية عليها الكلمة ذاتها إلا إنها تفقد في كل سطر حرفا، لتصنع مثلثا قاعدته إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل، الشكل (3):

وكانوا يرمزون بشكل المثلث إلى الطبيعة السماوية فكل شئ ينزل من الأعلى إلى الأسفل كالمطر.. وهناك صيغة أخرى لهذا المثلث السحري تتناقص الكلمة بعد سحب حرفين من طرفيها في كل سطر لتكون على الشكل التالي:

ABRACADABRA
BRACADABR
RACADAB
ACADA
CAD
A

هذا التناقص في الحروف ذو رمزية غنوصية تهدف إلى درء الموت الوشيك والتخلص من المرض، مثلما تتناقص الكلمة تدريجيا سينسحب الشر والمرض حتى يتلاشى، وهناك صيغ أخرى تم استخدامها بكلمات لاتينية أو ألمانية أو انجليزية أو روسية، وكان من الشائع حملها على شكل يشبه البازبند الذي عرفه العراقيون للحماية من الأمراض.. خاصة الملاريا..

كانت كتابة الحروز والأدعية والطلاسم مهنة يعتاش عليها الكثير ممن أَطَّرُوا أنفسهم بالإطار الديني، ولو أمعنا النظر في الأشكال الموجودة أدناه (4ـ 9) لرأينا بعثرة لكلمات ذات دلالات دينية وأخرى لا معنى لها وأرقام طلسمية تجمعها أشكال مختلفة منها الدائري والمربع والمثلث وغيرها، في جميع اللغات تمتلك الأبجدية قوة سحرية،

فتراصف عدة حروف يصنع الكلمة واللغة ثم الإدراك، وهناك من شكّل الصيغ الطلسمية نفسها من الطين، واضعا نفسه في موضع الله في لحظة خلق الكون، لكنه لا يملك النفحة الإلهية التي يختص بها الله.. وليس غريبا أن تجد اليوم مشتغلا بالعلاج بالرقية الشرعية كما يطلقون عليها، فيطلب منك أن تحضر 50غم من الزعفران، وقارورة ماء يفضل أن يكون من زمزم، وقلم حبر وورقة، ثم يكتب بعض الكلمات المستلة من القرآن مثل: ألم، حم، ص، كهيعص، ثم تمزج الورق بماء الزعفران وتشربها فتزول عنك الهموم وتكشف الغمة ويهرب الجان وتُفقأ أعين الحاسدين ويقترب منك الحبيب، وتنجب الصبيان ويأتيك الرزق من حيث لا تحتسب.. هذا بعض مما يشيعه المتاجرون بمثل هذه الترهات..

المرض والمصائب والكوارث كلها من صنع الجن ونتاج الحسد حسب المفهوم الشعبي وعلاجه بالطلاسم التي يقوم بعضها على فكرة فلسفية معقدة من الممكن اختصارها بأن كل شئ في الكون حتى الجمادات لها عقول وأرواح من الممكن التعاطي معها، وكل ما في هذا الكون خاضع ومسخر للإنسان.. والعاملون بكتابة الطلاسم هم القادرون على أداء مهمة التسخير هذه… ولا تختلف الطلاسم كثيرا عن التعاويذ التي نستطيع اعتبارها مجموعة من الكلمات المحكية أما عن طريق صلاة أو دعاء أو تفكير وتستخدم كذلك لاستدعاء قوى خارقة أو تأثير سحري..

في حضارات وديانات مختلفة كانت التعاويذ تنفذ على قطع مصنوعة من المعادن أو الحجارة وتحتوي على طلاسم وكلمات لا يفهم معناها إلا الشخص الذي كتبها.. الشكل

(10)، ويستخدمها الأشخاص المؤمنون بها للحماية من الأرواح الشريرة.. قد يرتدونها كقلائد الشكل (11)، أو خواتم أو تعلق فوق الرأس، واعتاد البابليون مثلا على وضع التعويذة الزرقاء (أم سبع عيون) الشكل (12) على واجهات البيوت.. وكانوا يعتقدون بأن اللون الأزرق يمتلك القدرة على امتصاص الأشعة المنبعثة من العين الحاسدة.. والشعاعات السبعة للتعويذة تتسبب في أن تفقد الاشعة المنبعثة من العين الحاسدة فعاليتها لأنها تتشظى الى سبعة اجزاء مما يضعف من تأثيرها..

كان اليهود يضعون التوراة تحت وسادة المريض ومثلهم يفعل بعض المسلمين الذين يضعون القرآن، واذا صار العالم يتعامل مع التعاويذ والطلاسم والحروز على أنها مجرد فولكلور، فإن بلداننا العربية والإسلامية ما زال بعض من يعتاش على الدين فيها يواصل استغفال البسطاء والسذج والجهلة بمثل هذه التعاويذ..










لا تعليقات

اترك رد