التلفزة والأطفال

 
التلفزة والأطفال

يعود ابتكار الرسوم المتحركة إلى والت ديزني أو ربما التي أسست لها من خلال ميكي ماوس، وكانت قبل ذلك رسوماً في الصحافة المقروءة كما في مجلات مثل سمير وتان تان الفرنسية، وفي سورية مجلة أسامة. والمهم في الأمر أن هذه الرسوم تحاكي الطفل معرفياً ووجدانياً من خلال طبيعة التحوير الذي يجريه الرسام على الشخصية /الكاركتر/. هذا المفهوم استمر بعد أن دخلت الرسوم المتحركة مجال الشاشة الصغيرة وتطورت مع تقدم التكنولوجيا وأضحى الآن الرسم من خلال الكمبيوتر أكثر حضوراً ودخل نمط جديد يدعى بالبعد الثالث الذي نراه مجسماً.

كثير منا يذكر الفترة المخصصة لبرامج الأطفال قبل انتشار المحطات الفضائية ، حيث كان بعض هذه البرامج ينتظرها الصغار والكبار ومن منا لا يذكر برنامج افتح ياسمسم الذي حقق جماهيرية غير معهودة رغم النزوع الواضح للجانب التربوي والتعليمي ويضاف إلى ذك ريمي ، ساندبل ، طمطم ، وطبعا غرانديزر الذي لاقى هجوماً قاسياً آنذاك بسبب تأثيره وتقليده من قبل الأطفال غير أن غرانديزر يبدو بالنسبة لما نراه اليوم عاديا جداً.

في التوجهات العامة لبرامج الأطفال الآن نرى الجانب الذي يتعلق بالتسلية وهو جانب مهم والجانب التعليمي كما نرى في قناة الجزيرة للأطفال والكوميديا التي ينفرد فيها توم وجيري الذي تحتوي بعض العنف المبرر لأن الطفل يعيه فيما بعد. وتجد في العديد من البرامج أسلوب الحكاية التي تتضمن في بعضها الخيال المبني بشكل منطقي، إضافة لذلك بعض المحطات التي تنفرد ببث الأغاني التي لاشك في حاجة الطفل الانفعالية لها وهناك العديد من البرامج التي لايمكن حصرها كلياً.

إن برامج الأطفال هي انعكاس ربما لما يحدث في السينما، ففي الوقت الذي ترى سينما تبني الإنسان ترى نقيضها، لكن ما يضاف وبشكل سافر علاقة المال ببرامج الأطفال والترويج للسلع الغذائية من خلال تلك البرامج، وبالتالي يصبح هدف البرنامج ليس الطفل بل السلعة. إن الترويج لمنتج معين عبر محطات الأطفال يجب أن يكون منطقياً وربما قد يكون غير ضار في بعض الأحيان مثل منتج/ فلة/ النسخة العربية من /باربي/. قد يبني الطفل علاقة ما مع لعبة يراها على الشاشة الصغيرة وإن كان مصنعيها لا يفكرون بتلك العلاقة بل يتعدى الأمر اللعبة بحد ذاتها من خلال لواحقها من لباس وإكسسوارات ومنتجات غذائية وصور، وتأتيك /فلة/ محجبة كي تتناسب مع منطقة جغرافية ما، وتعاد التجربة وبشكل مسيء أكثر مع لعبة /جنى/ وتصبح السلعة ضمن الأغنية ويتم توظيف الشخصيات (وليد ومقداد) بطريقة دونية فهذه محفظة وليد وبسكويته وحصالته التي يعطي المحتاجين والفقراء، ويتم التركيز في التصوير على الحصالة المزينة بتلك الشخصيات. ثمة استثمار تجاري حتى مع الفقراء والمساكين، وهم في النتيجة يخلطون بين ماهو طفولي وتجاري وديني ووطني.

إضافة إلى هذا، فإن برامج الأطفال هي انعكاس غير مباشر للواقع السياسي حيث التأثير الايديولجي فيها واضح، بمعنى آخر لا تتوجه للطفل بعامة بل تكرس التوجه الديني لتكون منبراً لتشجيع الحجاب والصلاة وتلك أشياء من المفترض عدم إقحام الطفل فيها مبكراً طالما هي معنية بالطفولة والبراءة، بل يمكن أن تكون تلك البرامج مؤسِّسة له ومهتمه في بنائه إنسانياً قبل أي شيء آخر بل وتطوير ملكة الخيال لديه.

في جانب آخر وهو الأخطر مايتعلق بالإثارة (الأكشن) التي تتزين بها المحطات، وهي لدى البعض غير مبرمجة بل جاءت كموضة لجذب الطفل، لكن في بعضها الآخر جاء مبرمجاً وموجهاً للطفل نحو خلق ثقافة العنف والخوف. وهي ذات تأثير نفسي مرضي على الطفل. وتتعامل الكثير من الأسر بلا مبالاة مع هذه المحطات رغم قراءتها لخطورتها، وهو ما أوضحه استبيان قمت فيه للأسر الذين أجمعوا على خطورة محطة مثل MBC 3 مثلاً. ويتوضح فيها أن هناك أعمالاً كرتونيه لا تحاكي الطفل في رسم الشخصيات، إنما تأتي غريبة في أشكالها، لا تمتلك تلك اللغة البصرية وحساسيتها في التأثير الايجابي على الطفل. وهذا لايلغي وجود عدد من الأفلام العالمية ذات البعد الثالث التي فيها الكثير من التسلية، لكن ما يؤخذ أيضاً على هذه المحطة خلوها من البرامج التعليمية المباشرة وغير المباشرة ويبقى التساؤل الذي يحتاج لإجابة : لماذا تساهم MBC 3 في عولمة الخوف؟

والتساؤل نفسه معكوساً، لماذا تساهم محطة براعم في تنمية الحب والتعاون وإغناء الطفل معرفياً، وتساهم في قضاء وقت الطفل بحكايات ساحرة. ونشير إلى أن بعض هذه الأعمال تكون مدبلجة عن التلفزة الأوروبية وليست الأمريكية إضافة لذلك تحترم أوقات الطفل بتوديعه بالبرامج التي تدعوه للنوم ونشير أيضا إلى الفواصل الساحرة والشاعرية بين البرامج وأكثر من ذلك. ومن خلال المتابعة أن العديد من الأطفال قد أضحت اللغة العربية الفصحى تتداخل مع حديثهم اليومي يضاف إلى كل ذلك خلوها من الدعايات والإعلانات عن أي منتج تجاري وهذا شيء مهم.

لبرامج الاطفال القدرة مثل الأب والأم والمدرسة على التأثير على الطفل وهي سلاح خطير لانريد الخوض بتفاصيله أكثر من ذلك، لكن مانود إيصاله هنا للأسر أن تهتم بنوعية البرامج الموجهة للطفل لأنها تؤثر في تركيبته النفسية وبنائه الاجتماعي.

لا تعليقات

اترك رد