وَإِذَا بِي رَجُلٌ رُهْشُوشٌ …


 

تصدير: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ” سورة ق.
***
لِلْفَرَحِ الطِّفْلِ فِي سَمْتِ الْأَعَارِيبِ…
لِأَرْضِنَا الْعَطْشَى…
لِرُوحِنَا الظَّمْآى …
جُودُ الشَّآبِيبِ…

هُناك تتّبَعْتُ مَسَاقِطَ الغَيْثِ فإذا بالرَّبيعِ قد وَقَعَ بـــ”الرّهاش (1)، وإذا زيتوناتٌ لي يَغْتَسِلْنَ في النَّقْعِ، ويَنْعَمْنَ بالرّفْهِ والمَاءِ الرِّوَى، ويَطْلُبْنَ – قَانتاتٍ- بَعْدَ النَّهَلِ عَلَلًا . وَظَلْتُ أَرْنُو أُرْوِي غُلَّتِي، وإذا بي رَجُلٌ رُهْشُوشٌ بي هِزّةٌ لِكَرَمِ السَّمَاءِ وَخَيْرِهَا، وإذا بي رجل رُهْشُوشٌ رقّت نفسُه وقد انجابت – وأنا أتقرّى الأرضَ الأثيرةَ- حُجُبٌ عن زمانٍ طفلٍ يكاد الأن يُنكرنا وقد كنّا بعضَ لحظاتِه.

هناك تراءت لي تخفّ إلى الحطب تجمعه، تستوقد – كريمةً – نارَ قِراها، وقد تناهى إلى سمعها صوتُ محرّك سيّارته “الحمامة” تتعثّر عجلاتُها على الطّريق الكأداء. تتطلّع إليها مٌنحدرةً من أعلى الرّابية تجاه حوانيت القرية. يا لشوقها إلى لقاء ابنها أحمدَ المقيم هناك في “الوَطْنْ”، وإلى لقاء حفيدِها الّذي لم يعرف أمّا غيرها منذ بلغ الرّابعة من عمره ! خصّته بحَدَبٍ لم ينفتح له بعدُ بابُ لوصفه وهو يكتب نصّه الآن.
ها ترتفع ألسنة نارِ القرى يلحظها الصّبية وهم محشورون في ” الحمامة” البيضاء يستعجلون أباهم وسيّارته. هم لا يقدّرون أنّه يخشى على سيّارته أن تعتلّ وأنّ لاعتلالها خطرا يُتوقّى.
كانت لها خَفَقَاتٌ على صخور الطّريق مُشرفةً على حقل الزّيتون، وكانت خفقاتٌ بين جنبيه صَداها، وجدّتُه مِلْء إنسان عينه في حركتها الدّؤوبة في فناء البيت وعِطفَيْه، غائبةً فيه أو طالعةً منه تًصْلح الأمتَ، وتجمّل السّمتَ، وتتفقّد ما ادّخرته قِنْوا لأحبّتها. ها يُسكره ضوعٌ من قلبها وثوبها وهو في حضْنِها مُقبّلا ومُسلّما، ذاتُ الضّوع لخِمَارٍ من خُمُرِها ومنديلٍ لها هُمَا الآن شمِيمُه الشّاغفُ كلّما استبدّت به الذّكرى وأمضّه التّحنان.

وهنا كان خُصٌّ كانت اتّخذته من شجر وسعَف حدّثته أنّها ابْتَنَتْهُ الوقتَ بعد الوقتِ سانحةً يجودُ بها الزّمان الضّنين. خُصٌّ احتفظت ذاكرتُه الطِّفلةُ منه بصورتين لم تزالا واضحتين في مرآة نفسِه كصادق الرّؤى: أرْضِيّته من حُرِّ الرّمل تغوص فيه قدماه الصّغيرتان فيجد في نفسه لذلك حالا من الرَّوْح والامْتلاء استعادها حسّا وعقلا عندما قرأ في قابل درسه بدائعَ تشبيهات المسعدي” رقيق الرّمل يجري بين الأصابع”. وظلّ يستعيدها كلّما آب إلى” حدّث” يقرُوها. ويعْجبُ لجُهدٍ تمحضه جدّته في بذل ما منعته أرضً إزاءَها حرْشاءُ، وكان تعجيبُها إيّاه غرْسا يَيْنَع بعد حين ثمرُه.
ضيفٌ وديعٌ حلّ بالخُصّ ذات ربيع: حُمْلَان وجِداءٌ وأعنُق فطيمات فُصِلن عن أمّهاتهنّ فهنّ في ثُغاء يعاودْنه آنا فآنا. وإنّ الصّبيّ ليرقّ لهنّ فيسأل جدّته في ذلك فتقول له:” ذاك أوانُ فِطامها يا ولدي”. ولعلّه لم يفهم إلّا يسيرا ولكنّه سيعلم أنّ للحياة سُنَنا وصِيَرا.
وهاهنا في مُطْمَأنٍّ من صَبُوبِ الحقل كانت مطاميرُ رافق جدّته إليها ذات حصاد تتعهّدها وقد استأمنَتْهَا حَبّا حَبَّ إليها جمعُه وتحصيلُه ودون ذلك كدٌّ وجَهْد، يُطالعها فيعرف فيها تدبيرَ أهلِه البُداةِ معاشَهم…
وبين أخاديد الأرض تَخَيَّلَ لي وجهُ جدّتي: غُضونُه وتجاعيدُه قصّةُ كفاح ترويها الأيّام كما ترويها هذه الأرضُ وهي تكون وتستحيل وتصير. وهذه الأرض المُترعة ماءً أراها مجازا إلى جدّتي المُترعةِ أمومةً تفيض على الأولاد والأحفاد. وكذا كلّ جَدَّةٍ وكلّ أرض. الأرض أُمٌّ أَمُّكَ الّذي تتوخّى، والأمّ أرضٌ أصلُك الّذي به تَأصُلُ.
فناء البيت عِطفاه، الكوخُ حُرُّ رمْله وضيفُه الوديعُ، مطاميرُ حَبّ الحصيد مغارسُ ذكريات تسمُق منها الآنَ زيتوناتٌ يوشك زيتُها أن يُضيءَ سخاءً عطاءً. وهذه يدُه جُهدُها الْمَحَضَتْ. وهذا قلبُه ضوعٌ من قَلْبِها…

وَظَلْتُ أَرْنُو أُرْوِي غُلَّتِي والرُّوحُ أشواقٌ شآبيب.

(1) قرية وادعة بولاية تطاوين جنوب تونس.

لا تعليقات

اترك رد